شعوب منكوبة بفيروس القاعدة

ما الذي يمكن أن تفعله شعوب ابتليت بوجود تنظيم القاعدة على أراضيها من أجل أن تتفادى الأذى الذي يلحقه ذلك التنظيم بها؟

فهل قدر لشعب اليمن مثلا أن يكون إلى الابد رهين حرب طاحنة طرفاها القاعدة من جهة ومن جهة أخرى أعداؤها؟

مَن اختار اليمن في غفلة من أبنائها ساحة لتلك الحرب؟ هل هي القاعدة أم أولئك الاعداء الذين لا تفرق قذائفهم بين المواطن اليمني وبين الاجنبي الذي تسلل تحت ثيابه؟

لم تكن اليمن قبل ظهور القاعدة على أراضيها بلادا سعيدة. كان خيال التاريخ البعيد يسخر من قدر تلك البلاد الواقعي بطريقة الرسوم المصورة. بلاد تصلح للسياحة الفقيرة التي تجعل من اليمنيين مجرد كائنات فلكلورية على خلفية تعود إلى عصور قديمة.

وبرغم فقرها فان أحدا من زوارها أو ممن أقاموا فيها كان قد غادرها من غير أن يحبها ويحن إليها. فما تنطوي عليه الشخصية اليمنية من طيبة وتسامح وكرم ضيافة ويسر إنساني يمكنه أن يعوض الكثير مما تفتقر إليه اليمن.

غير أن اليمنيين وقد فقدوا هناءة العيش، بعد حروب خاضوها ضد أنفسهم لم يكن ينقصهم سوى أن يتسلل تنظيم ارهابي إلى بلادهم لتكتمل صورة الكارثة.

فهل كانت لجهة يمنية يد في فتح أبواب اليمن للقاعدة، أم أنه امر دبر في ليل كما يقال؟ وهو ما يذكر بالعراق الذي كلما طوى صفحة من صفحات القاعدة يجد نفسه في مواجهة صفحة جديدة.

كانت ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش قد اعترفت أنها كانت قد سعت الى تجميع أعدائها من الارهابيين في مكان واحد لتقضي عليهم بضربة واحدة.

كان العراق هو ذلك المكان.

لا علاقة للامر بسوء الحظ.

فما فعله الارهابيون بالعراقيين كان قد ساهم في بسط سلطة الاحتلال الاميركي. لقد قتلوا من العراقيين أعدادا تصغر أمامها أعداد الجنود الاميركيين الذين قتلوا على يد المقاومة العراقية.

وبالرغم من أن الانسحاب الاميركي من العراق عام 2011 كان بمثابة اعلان لنهاية حرب أميركا على الارهاب في العراق، فان القوى الارهابية المسلحة التي فتح لها الاميركان أبواب العراق بحجة تجميعها والقضاء عليها لا تزال تعلن عن وجودها وبقوة.

فهل اخترع الاميركان حربا، تخلوا عنها ليتركوا لطرفها الثاني حرية ابادة العراقيين؟

لقد انتهت حرب اميركا على القاعدة في العراق غير أن القاعدة لم تنه حربها على العراقيين. وهي حرب لن تنتهي، إلا إذا انتهت أسبابها. اما التفكير في أن الجيش العراقي سينجح في حسم صراع لم تنجح القوات الاميركية في حسمه فانه تفكير سطحي وهزيل ولا يمت للحقيقة بصلة.

لا تزال الحاجة إلى تنظيم القاعدة قائمة. وهي حاجة تتجاوز الاطار المحلي، حيث تتكئ الحكومة العراقية على الحرب على الارهاب في تفسير فشلها إلى سياق عالمي، تحكمه الصفقات العسكرية والاقتصادية.

لا العراق ولا اليمن من قبله ولا ليبيا من بعده في إمكان مجتمعها أن يكون حاضنة للارهاب. لم تعرف تلك الشعوب في تاريخها الارهاب السياسي كما جرى تعريفه مع تحول تنظيم القاعدة إلى عدو للولايات المتحدة بشكل خاص وللغرب بشكل عام.

حتى اللحظة هناك مَن يمد ذلك التنظيم بالمال والرجال والسلاح. حتى يمكننا القول أن هنك متعهدين حول العالم، لا يزودون ذلك التنظيم الارهابي بأسباب حياته، حسب بل ويرسمون له خرائط طرقه التي تشمل بلدانا بعينها. هي البلدان التي كتب عليها أن تعيش الحياة على وقع هلع الارهاب.

لقد نكبت اليمن في وقت مبكر بفيروس القاعدة وسرعان ما انضم إليها العراق ومن بعده ليبيا وسوريا.

وإذا ما عرفنا أن ذلك الفيروس لا يمكن علاجه محليا، فإن وجوده سيكون نوعا من المؤامرة العالمية على شعوب يتظل منكوبة به.