شعوب منزوعة الدسم

في اعقاب هزيمة 1967 التي مني بها العرب ضمن سلسلة حروبهم الخاسرة في مواجهة اسرائيل كتب الشاعر نزار قباني قصيدته هوامش على دفتر النكسة. لم يستثن الشاعر أحدا من غضبه، فمن وجهة نظره فان الانظمة التي باعتنا أوهاما لم تكن وحدها المسؤولة عن تلك الهزيمة، وليست المؤسسة العسكرية التي خسرت شرفها مسؤولة وحدها عن ذلك الضياع. بل ان ذلك الحدث المأساوي قد فضح رثاثة وضعة وتخلف وهزال منظومة القيم الاجتماعية والثقافية التي انتجتنا ومن خلالنا انتجت الانظمة السياسية التي صارت تتاجر بمصائرنا والمؤسسة العسكرية التي بدلا من أن تحمينا صارت تضطهدنا وتسخر منا.

من وجهة نظر قباني في قصيدته تلك فان ما جرى لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، ولا هو فضيحة لسياسيين أخطأوا في حساباتهم وتقديراتهم. بل هو فشل عام يغطي بخيمته الجميع، من رأس الدولة إلى الباعة الجوالين. فشل اخلاقي ولغوي وعائلي وفكري وتربوي. كانت القاعدة التي أنشئ عليها هرم السلطة منخورة وعائمة بل ومهدمة. كانت الخرافة قد ابتلعتنا وحين صحونا على وقع الانهيار لم تكن أيادينا تقبض إلا على الهواء الفاسد. لم يبق من الخرافة سوى عفونتها وأشباح رؤاها المتحللة.

بلغة واضحة، يفهمها الجميع مارس قباني واجبه في نقد الذات العربية.

حينها أعرض الكثيرون عن محاولة فهم تلك الظاهرة النقدية الجديدة في حياة العرب. ولإنهم لم يمارسوا عبر تاريخهم عملية نقد الذات، بل لم يتعرفوا عليها إلا في ما ندر، فقد شعروا بالاساءة. هناك من يحاول استغلال هزيمتهم ليقوم بتجريحهم. كما لو أن تلك الهزيمة البشعة لم تجرحهم. قول الحقيقة وباللغة العربية هو الذي جرحهم. لم تصل إلى آذانهم سخرية العالم بجميع لغاته منهم. لم تعلق بضمائرهم حقيقة تخاذلهم وصور جيوشهم المبعثرة في الصحارى بأسلحة لم تُستعمل. كلمة النقد التي قيلت بالعربية وحدها جرحتهم.

يومها ابتكر المثقفون العرب ومن خلفهم السياسيون الذين لم يكفوا عن خداعنا عن طريق الاعلام الكاذب مصطلح "جلد الذات". لقد قيل يومها أن كل من يمارس النقد بحق الامة ما هو إلا شخص مازوشي، مريض يرغب في تعذيب نفسه. فالعرب من وجهة نظر "اعداء المازوشية المفترضة" قد خسروا معركة واحدة ولم يخسروا الحرب. وهكذا وفي ظلال تلك البلاغة الزائفة ضيعت الشعوب العربية فرصة تاريخية لمراجعة أحوالها بطريقة نقدية سليمة. وهي عملية كان من شأن القيام بها أن يؤدي إلى أن يتعافى المجتمع من أمراضه المتأصلة، وأن ينهض على أساس شعور أفراده بمسؤولياتهم.

لقد ضاع صوت الحقيقة وسط صراخ المحتجين، الغاضبين لان كلمة نقد وجهت إليهم قد جرحت كرامتهم. ولم ينتبه أحد إلى أن مصطلح الكرامة الذي يتداوله العرب كثيرا لا يقيم إلا في المعاجم وعلى الألسن، أما في الواقع العربي فان أي شيء يمت لمفهوم الكرامة بصلة لا وجود له. لقد أهدرت الانظمة الوطنية كرامة الإنسان العربي ومرغته بالوحل وابتذلته وصارت تسخر منه، لا من خلال أجهزة أمنها ومخابراتها وحسب، بل وأيضا من خلال أدبيات أحزابها التي كانت لا ترى في "الجماهير" إلا قطيعا يمكن اللجوء إليه واستعماله عند الحاجة ومن غير تلك الحاجة فان الاستغناء عنه هو الآخر يمثل فعلا نضاليا.

أكثر من أربعين سنة مضت على نكسة حزيران ولم يتغير موقف العربي من النقد. هو على حق دائما. لا يتسرب الخطأ إلى اي فعل من أفعاله. الحياة العربية بكل القيم التي تنطوي عليها ليس فيها ما يعيب ولا ما يدعو الى الشعور بالخجل. تراثنا نظيف. انساننا نزيه وبطل ومستبسل ومجتهد وذكي. نحن أخلاقيون وايجابيون ومنفتحون على العالم. أما حين يتساءل المرء: إذا كنا كذلك، فلماذا نحن من أكثر الأمم تخلفا، حتى مظاهر المدنية فاننا نستوردها لنغطي من خلالها على انحدارنا الحضاري؟ فان الجواب يكون جاهزا: "مؤامرة عالمية". لنوافق جدلا على أن هناك فعلا مؤامرة، كان العرب دائما ضحيتها. ولكن ما الذي فعلناه من أجل افشال تلك المؤامرة؟ لا شيء.

مزيج سحري من الفقر والبطالة والامية والجهل والمرض والتعصب والسلبية والفوضى والقهر والرغبة في الثأر والانتقام خلق مجتمعات لا يشعر أفرادها بالمسؤولية عن مصيرها. كل فرد عربي هو اليوم عبارة عن لغم يمكن أن ينفجر في أية لحظة. ومن جهته فان ذلك الفرد يشعر أن المجتمع الذي هو حاضنته يبادله الشعور نفسه. دائرة من الكراهية تسودها ثقافة غيبية ترهن الحاضر إلى ماض لم يتشكل بعد. نحن نحدث ماضينا (حسب المصطلح الذي استعمله جورج اورويل في روايته 1984) من أجل أن لا نعيش حاضرنا ولا نرى حقيقتنا في مرآة العصر.

شعوب لا تنظر إلى وجودها بعين نقدية هي فعلا شعوب منزوعة الدسم.

فاروق يوسف