شعوب الغرب.. إلى اليسار دُرْ!

بقلم: جواد البشيتي

حتى بعض من أهل الفكر والقلم الذين يعارضون شرور وتوحُّش الرأسمالية في الغرب، ويتضامنون مع الحراك الشعبي (الواسع المتَّسِع) هناك ضدَّ الأُوتوقراطية الرأسمالية، في الاقتصاد والمال والسياسة والإعلام، ما زالوا مُصرِّين على فهم هذا الصراع الجديد، الذي تتَّحِد شعوب الغرب الرأسمالي الآن جميعاً في خوضه، بما يُوافِق جوهر مقولة، أو نظرية، "نهاية التاريخ" لفوكوياما، مع أنَّهم يَقِفون ضدَّها (من الوجهة المنطقية فحسب) ويهزأون بها؛ فشعوب وأُمم الغرب، في ربيعها الثوري، لا تُصارِع الآن، على ما يَزعمون أو يتوهَّمون، ضدَّ النظام الرأسمالي بحدِّ ذاته؛ وإنَّما ضدَّ شروره وتوحُّشه؛ وهذا إنَّما يؤكِّد أنَّ هؤلاء ما زالوا على إيمانهم (الذي يشبه الإيمان الديني لجهة قوَّته ورسوخه) بأنَّ الرأسمالية هي خير نظام اقتصادي واجتماعي أُخْرِج للناس، ويمكن ويجب، من ثمَّ، فَهْمَها على أنَّها "نهاية التاريخ"، أيْ نهاية لكل صراع يَسْتَهْدِف جَعْلَها جزءاً من ماضي البشرية؛ وما زالوا منتصرين، بألسنتهم وأقلامهم، لوَهْم "الرأسمالية الخالصة (من المثالب والعيوب والشرور..)".

لقد راقَبَت شعوب الغرب، وبصفة كونها الضحية الحقيقية للأزمة المالية والاقتصادية التي عَصَفَت بالعالم، والتي انطلقت شرارتها من "وول ستريت"، حكوماتها ودولها وهي تجتهد (أفراداً وجماعات) في "الحلِّ" و"العلاج"، فَلَمْ ترَ من النتائج إلاَّ ما يَصْلُح دليلاً (مُفْحِماً؛ وينبغي له أنْ يكون نهائياً) على أنَّ هذه الحكومات والدول لا تعود ملكيتها الحقيقية إلى الشعوب والمجتمعات، وإنَّما إلى فئة ضئيلة متضائلة من أباطرة المال، ومن خدمهم في السياسة والإعلام، وعلى أنَّها، من ثمَّ، لا تَفْهَم "الإنقاذ"، ولا تمارِسه، إلاَّ بصفة كونه إنقاذاً (مَطْلياً بالكذب والخداع والتضليل) للمتسبِّبين بالأزمة؛ وكأنَّ قَدَر الشعوب (في النظام الرأسمالي) أنْ تموِّل (عَبْر الدولة والمال العام) جهود ومساعي الإنقاذ لأولئك الذين لا يستطيعون العيش إلاَّ بمزيد من الموات الاقتصادي والسياسي للمجتمع.

وكان آخر وأعظم وَهْمٍ اغتسلت منه عقول الشعوب في الغرب الرأسمالي هو الوَهْم المسمَّى "أوباما"، الذي ما أنْ دَخَل "البيت الأبيض" حتى التصقت رأسه برقبة "الطبقة"، لِتُحرِّكها أنَّى شاءت؛ فأنْفَق "بطل التغيير" أصوات الشعب، وأموال الشعب، في إنقاذ "وول ستريت"، وفي إغراق الشعب، من ثمَّ، في أزمة جديد أشدُّ عنفاً وضراوةً.

أوباما كان "الأمل" الذي سرعان ما ثَبُت وتأكَّد للناس أنَّه أقْرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، فَعَمَّ اليأس وانتشر؛ ومِنْ هذا اليأس (الضروري والحيوي والمفيد) جاء الكفر الشعبي بالحكومات، والدول، والأحزاب التي تتداول الحكم والمعارضة، وبسائر مكوِّنات وهيئات ومؤسَّسات النظام السياسي؛ وجاء معه الإيمان بالحراك الشعبي الحر والعصامي والمستقل، طريقاً إلى الخلاص؛ فإنَّه لَزَمن "الشعب يريد..، ويَصْنَع ما يريد"!

وفي هذا الزمن الجديد شرعت "العولمة" تُرينا وجهها الآخر الإيجابي الجميل؛ فالنظام الرأسمالي الغربي الذي ما عاد في مقدوره أنْ يُخلِّص نفسه مِمَّا يسمَّى "الليبرالية الجديدة"، و"الليبراليون الجدد"، من غير أنْ يُقوِّض بنفسه أساس وجوده، هو الذي أتى بهذه "العولمة الإيجابية الطيِّبة والخيِّرة"، أيْ هذا الحراك الشعبي الأُممي المتزامِن، والمتِّحِد غايةً وأسلوباً؛ ولن يكون بالأمر المُسْتَغْرَب أنْ نسمع كهنة "الليبرالية الجديدة" يَلْعنون ويَذُمُّون هذه "العولمة الأخرى المضادة"، ويَصمونها بـ "الشرِّ المستطير"؛ أوَلَمْ يدأب حُرَّاس الماضي والظلام والنعوش والقبور على تصوير كل وليد جديد للتاريخ على أنَّه الشرَّ بعينه؟!

الرأسمالية بعولمتها (لأسباب موضوعية) الاقتصاد والسياسة والإعلام والثقافة، وسائر مناحي الحياة، عَوْلَمَت ضديدها، والصراع (وطرائق الصراع) ضدَّها؛ فهل كان في مقدورها أنْ تُعَوْلِمَ ما يخدم مصالحها، ويعود عليها بالنفع والفائدة، من غير أنْ تُعَوْلِم، في الوقت نفسه، الصراع الشعبي ضدَّها؟!

"الليبرالية الجديدة" في الغرب ليست بالظاهرة (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) التي أُلْصِقَت إلصاقاً بجسد النظام الرأسمالي حتى يَدْعون إلى "الإصلاح" من طريق التخلُّص منها؛ فهي نتاج التطوُّر الطبيعي للرأسمالية؛ وليس ممكناً، من ثمَّ، أكل ولو جزء صغير من التفاحة والاحتفاظ بها كاملةً في الوقت نفسه.

"الفيسبوك" هو "الأممية الجديدة"، أو "الكومنترن الجديد"، في زمن "العولمة"؛ لكنَّه، وعلى أهميته في تنظيم الصراع على المستوى العالمي ضد "الأُوتوقراطية الرأسمالية"، ليس "السبب" إلاَّ في نظر ضيِّقي الأُفق؛ فالحراك الشعبي الثوري المتزامِن في الغرب الرأسمالي إنَّما هو بيان تُعْلِن فيه الشعوب أنَّ الرأسمالية، اقتصاداً وثقافةً ودولةً ونظاماً سياسياً..، ما عادت (ومهما أُصْلِحَت) تكفي الشعوب، اقتصادياً وثقافياً وسياسياً..؛ لقد استنفدت طاقتها، واتَّسع البون بين "الأقصى" مِمَّا تستطيع تقديمه إلى الناس وبين "الأدنى" من مطالبهم؛ فإنَّ وزن حقوق ومصالح وحاجات القِلَّة القليلة من أبناء المجتمع هو الذي يَعْظُم في استمرار؛ أمَّا وزن حقوق ومصالح وحاجات الغالبية العظمى من أبناء المجتمع نفسه فهو الذي يتضاءل في استمرار؛ فهل لـ "الإصلاح" من وزن وأهمية إذا ما كانت الأزمة بهذا العمق والاتِّساع؟!

جواد البشيتي