شعر عبد الزهرة زكي يتحرى واقعة اختفاء الخبز!

بغداد -من نرمين المفتي
تحول حاد نحو اليومي والمعاش

يعد عبد الزهرة زكي واحدا من أهم شعراء العراق في تأصيل قصيدة النثر عربيا من خلال سياق ثقافي وحضاري ولغوي عربي. وكانت مجموعته الشعرية "اليد تكتشف" محاولة ناجحة وان كرسته شاعرا ينحو نحو التجريد بعيدا عن المشاكل اليومية.
وفي منتصف التسعينيات نشر قصيدته المهمة "هذا خبز" لنجده في خضم المشاكل والصعوبات اليومية التي أوجدها الحصار في العراق. أسأله:
* في اوائل التسعينات أصدرت مجموعتك الشعرية "اليد تكتشف" وقد كرستك بوضوح شاعراً ينحو نحو التجريد، وتعبر قصيدته عن مشكلات انطولوجية تنأى عن أية إشارة إلى اليومي والمعاش. غير إنك واجهت تحولاً حاداً في منتصف التسعينات بعد نشرك عملك الشعري المهم "هذا خبز" وبعده العمل الشعري الصادم والفاجع "الملائكة على شرفات مستشفى الأطفال". لقد كنت في قلب المشكلات اليومية للحصار. وكنت فاعلاً للتأسيس إلى تيار قوي في الشعر العراقي في التسعينات للتعايش المؤلم شعرياً مع تفاصيل الحصار. كيف تنظر الآن إلى هذا التحول الحاد في تجربتك الشعرية؟
- لا أفهم ما حدث لي على أنه تحول في تجربتي الشعرية. الكثير من الشعراء يفضلون تحدث النقد أو القراءة، وهي إجراء نقدي بدرجة ما، عن التحولات والتغيرات في تجاربهم بوصفها تعبيراً عن تطور معين في هذه التجارب، غير أني لا أكترث بالسعي إلى مثل هذا التطور، ولا أبدو شديد الاهتمام بالتفكير فيه. فم يهمني في الشعر هو مدى انسجامه مع مشكلاتي في الحياة وفي الوجود. مثل هذا الانسجام هو ما يمنح العمل الشعري صفته الشخصية والأصلية، الأصلية بمعنى انتسابها إلى ذات الشاعر وتعبيرها الأمين عن وعيه في الشعر من جهة وفي الحياة والوجود من جهة اخرى. إن ما يتغير هو طبيعة مشكلاتنا كبشر شعراء وطبيعة اهتمامنا بهذه المشكلات. وحتى يظل العمل الشعري عملاً حقيقياً، أي عملاً لا ينجم عن مشكلات زائفة أو مفترضة، فإنه يستمر حميماً في اتصاله بالطبيعة المتغيرة للمشكلات التي تواجه حياة الشاعر ووعيه ووجوده في التاريخ.
حين كنت أكتب العملين الشعريين اللذين تشيرين إليهما في السؤال كنت كإنسان أعيش تحت وطأة الحصار بأبشع صورة، بصورته التي تهددني وأسرتي بأبسط مستلزمات عيش الكفاف، الخبز، الآن أغمض عيني حتى لا أرى، وأنا أتذكر، تفاصيل رعب نفاد الخبز في البيت، وعجزي التام عن توفيره. لقد كنا نحتاج إلى معجزات صغيرة لإدامة الحياة اليومية. واعتقد أن الحياة استمرت بهذه المعجزات الصغيرة. في مثل هذه الظروف التي يدام اليوم فيها بمعجزة، فإن المشكلات اليومية/التفصيل المعاش ترتقي إلى ما يجعل منها مشكلة وجودية ومعضلة كونية. وبرأيي إن القيمة الحقيقية للشعر، كفن، هي في التوفر على مثل هذا التعالي، أي كيف يتعامل الشعر مع تفصيل حياتي هم مشكل يومي ووقائعي بوصفه الوجودي والكوني. ربما حققت مثل هذا في "هذا خبز" كعمل ينطلق من الواقعة اليومية لاختفاء الخبز وليتحرر منها، وبما يجعل منه "اسطورة الحصار" على حد تعبير الناقد العراقي حسين سرمك في المقترب النفسي الأسطوري الذي قدمه حول "هذا خبز" في الندوة النقدية لمهرجان بابل الأخيرة.
* هل حدث هذا بفعل تمثل "هذا خبز" للأساطير الرافدينية. إن دراسة الباحث العراقي ناجح المعموري، وهو أحد أبرز المحدثين المهتمين بالأدب والتاريخ العراقي القديم، ذهبت إلى أن هذا العمل يطفو على بحيرة من التناصات والتماثلات مع ذلك الأدب؟
- كانت دراسة الأستاذ ناجح المعموري، وقد نشرت في أكثر من مكان في لندن وفلسطين والعراق، مهمة جداً في التنبيه إلى الكيفية التي يتصل بها نص معاصر جديد بأدب وأساطير قديمين من دونما إشارات نصية واضحة، في النص المعاصر، تحيل إلى القديم. وهذا ما سماه المعموري إستيقاظ الوعي الأسطوري الكامن في طبقات عميقة من اللاوعي المعاصر للمجتمعات الوارثة.
لقد زارني ناجح المعموري بعد نشر القصيدة، وكنت قد تحفظت على نشرها ستة أشهر، وكنت مندهشاً لاستفساره عن اهتمامي، عبر هذا العمل، بالموروث الرافديني. لم يكن مثل هذا الاهتمام ليعنيني في "هذا خبز".. ما كان يهمني بشكل مباشر هو كتابة عمل عن مشكلتي مع الخبز.
* ولكنك أشرت في أكثر من مناسبة إلى أهمية الموروث الرافديني كمصدر لعمل قصيدة النثر العراقية الجديدة.
- هذا صحيح، قبل "هذا خبز" استفدت في كتابي "اليد تكتشف" أسلوبياً وبلاغياً من ذلك الموروث. وهو إلى جانب عموم الآداب والتراثات القديمة للمنطقة والنثر العربي الإسلامي وآداب الثقافات الشرقية المجاورة مصدر أساسي في تأصيل التجربة الجديدة لقصيدة النثر العراقية المعاصرة. لكن ما كنت اعنيه بصدد "هذا خبز" هو العمل غير المقصود في المناخ الأسطوري.
* أود التوقف عن مفهومك للتأصيل بالعلاقة مع تلك الموروثات!
- ليس جديداً العمل والإفادة من التراث الأدبي والأسطوري الرافديني. فقد عملت حركة الشعر الحر، وعبر أكثر من جهد، على إقامة مقتربات لتوظيف هذا الموروث الذي أعيد اكتشافه بجهود التنقيبات الآثارية. غير أن عمل الشعر الحر كان بحدود التوظيف الذي يفيد من المسميات والرموز أو إعادة انتاج الأسطورة وبما سمي حينها بالقناع الذي يعبر فيه الشاعر عن حدثه المعاصر بالرمز والإحالة إليه من ذلك الموروث. وكانت هذه الجهود تعبيراً عن افتتان الشعر الحر بالأسلوب الذي تعامل به الشعر الغربي، تي. اس. إليوت بشكل أخص وبوصفه أحد المصادر الأساسية لحركة الشعر الحر العربي، مع الموروث الأغريقي. أي أنها (تلك الجهود) آليات مستعارة ضمن ما استعره الشعر الحر من مثاله الغربي. وهي بالتالي تتوقف عند حدود توظيف الثيمي. ولكن ما هو مهم الآن هو استئناف الصلة مع ذلك الموروث بإعادة اكتشافه فنياً، والإرتباط به بوصفه "أباً مستعاداً" إرتباطاً عضوياً. ومثل هذا الإرتباط لا توفره الصيغة التطفلية التي كرسها الشعر الحر في تعامله مع الأساطير بجعلها خزائن موضوعات مساعدة.
ويبدو لي الآن أن أزمات الشعر لا تواجه إلا بالإنفتاح على مناطق عمل جديدة. ولعل من الصعب أن لا ينتبه الشاعر إلى مراجعة وعيه الشعري واختبار مصادر تجربته. أن الأزمات تشتد حين تطول فترات الركون والتسليم بالمتاح المحدود من حلول.
*هل الشعر في أزمة؟
- الشعر تأزم دائم.. أتحدث عن الطبيعة الوجودية للشعر، وليس عن المظاهر التداولية له.
* لنعد قليلاً إلى دواعي العمل، شعرياً، في الموروثات التي تحدثت عنها؟
- في الشعر لا يمكن العمل ببرامج مخطط لها مسبقاً. وحتى لو انتبهنا إلى ولادة حركة الشعر الحر، شعر التفعيلة، في منتصف القرن العشرين، فسنلاحظ أن هذا الحركة لم تنتج بقرار مسبق من أي من روادها أو منهم مجتمعين. إن تراكم التجريب في البناء الشعري التقليدي وقوة الدوافع الحقيقية إلى التغيير كانا وراء الجهود الجريئة لولادة شعر التفعيلة.. مثل هذا السياق الطبيعي للولادات دائماً ما تغيبه بفعل هيمنة عصاب الأفراد وهستيريا النزعة الفردية التي تجعل من الحدث الشعري الناجح ناتجاً عن قرارات فردية مفاجئة. لقد عدت مرة ثانية للإستشهاد وأخذ المثال من حركة الشعر الحر لأؤكد على أن إعادة ارتباط الشعر الجديد بالموروثات الأقليمية والشرقية لم تكن نتاج قرار مسبق، قدر ما كانت استجابة طبيعية لأزمة هذا الشعر، وخصوصاً ما سمي بقصيدة النثر، بعد أن برمجت هذه القصيدة بمحددات مرجعية تمثلت بالتصورات النظرية لسوزان برنارد (كما بشر بها أدونيس عام 1960 في مجلة شعر قبل ترجمتها كاملة) وبالتعامل مع الشعر الغربي المترجم بوصفه قصائد نثر عربية.. لم يفهم عمل سوزان برنارد كاستقراء للنتائج المتحصلة من قصيدة النثر الفرنسية، وهي قصيدة محكومة بسياق ثقافي وحضاري ولغوي معين. وإنما جرى تعاطيه على أنه مانفستو قصيدة النثر، وبالتالي جرى فهم قصيدة النثر على أنها نظام شعري متعالٍ، أي خارج سياق نشوئها. وبهذا أريد لقصيدة النثر العربية أن تكون نتاج قرار مسبق، نتاج برنامج محدد سلفاً.
* يقال أن الإنتاج الأدبي الجيد ينتج معه حركة نقد جيدة.. كيف تنظر إلى النقد في العراق؟
- ليس هذا بالضرورة صحيحاً دائماً. ربما يوجد نقد جيد حتى مع غياب الأدب الجيد والعكس يصح أيضاً. إن عوامل ثقافية أكثر شمولاً تتحكم بوجود وبقيمة النقد. ثم أن النقد بفهمه العميق اكبر من أن يحدد بصيغته الطفيلية على الأدب. ولو أعدنا قراءة النقد العربي مطالع القرن العشرين، وبضمنه الآراء النظرية للشعراء الطليعيين آنذاك، فسنلاحظ أن النقد سبق الأدب كثيراً، وبالتالي مهد لتحولاته اللاحقة. بمعنى أن هناك، في تلك الفترة، انتاجاً أدبياً رديئاً غير أنه ترافق مع ارتفاع النبرة النقدية. وعكس هذا نلاحظه في بغداد الخمسينات والستينات، حيث تنشأ حركة تجديد أدبي كبيرة ويحيط بها صمت نقدي مطبق. ولكن في مثال ثالث سنلاحظ في الثمانينات في العراق تشكلاً مترافقاً في الأدب والنقد.. حركة تجديد شاملة في الشعر وأخرى توازيها في النقد وهو ما ينفتح على اتجاهات النقد الجديدة، ولست هنا بصدد التقويم حيث لكل بدايات تشكل أعراضها واخطاؤها سواء بالنسبة للنقد أو الشعر، لقد كانت جهود حاتم الصكر وفاضل ثامر ومالك المطلبي وعبدالله إبراهيم وسعيد الغانمي وسواهم في الثمانينات تؤسس ومهد لحيوية الانتاج النقدي في التسعينات التي شهدت جهوداً أخرى أثق في أنها ستشكل مرحلة مهمة في النقد، أستطيع أن أشير إلى أسماء يحيى عارف وعلي بدر وحيدر سعيد وجمال العبيدي إلى جانب أسماء محمد صابر عبيد وناجح المعموري وحسين سرمك وبشرى موسى. ولعل ما هو اكثر إثارة للإنتباه لدى من ذكرت من أسماء هو تنوع واختلاف حقول الاهتمام النقدي لكل منهم عن سواه. فمن نقد الشعر إلى نقد الرواية إلى دراسة ونقد التاريخ الثقافي المعاصر إلى دراسة التراث العربي الإسلامي إلى دراسة التراث الرافديني تتنوع الحقول، ومن نظريات البنيوية والتفكيك إلى منهج التحليل النفسي إلى نظرية القراءة إلى المداخل الأسطورية إلى الهيرمونطقيا واللسانيات تتنوع المناهج.
* أخيراً.. هل أثر الحصار في تحجيم اطلاعكم على جديد التجارب والكتب والظواهر الثقافية في الوطن العربي والعالم؟
للحصار تأثيره على القارئ العام في العراق. ومن المعروف أن العراقيين شعب تشكل القراءة حاجة مهمة لشريحة واسعة منه. ولعل الناشرين العرب اكثر إنتباهاً لخسائرهم بفقدانهم السوق العراقية. وربما هم يضعون في حساباتهم الآن القارئ العراقي في الخارج.. هذا التأثير الذي يفرضه الحصار على القارئ العام أتاح آليات بديلة للتعويض الممكن عن الكتاب من خلال استشراء ظاهرة استنساخ الكتاب الجديد الصادر عربياً واحتلاله زكناً مهماً وواسعاً في سوق المتنبي والسراي أيام الجمع، حيث يكتظ شارع لا يتجاوز طوله الكيلومتر الواحد برواده الآلاف خلال ساعات النهار الأولى.
بالنسبة للمثقف المتخصص يختلف الأمر. فلكل وسائله في الحصول على الكتاب، ووسائله في متابعة جديد التجارب والظواهر. أن مجاميع المثقفين في المقهى أو الجامعة أو الوظيفة تخلق تقاليدها في التعاون والتحاور وتبادل المنفعة الثقافية، وبما يسهم في تضييق التأثير الثقافي للحصار.
لعل التأثير الأخطر هو تحجيم حركة المثقف العراقي، وتحجيم توزيع وانتشار انتاجه. وهي خسائر تستطيع المؤسسات والجهات الثقافية العربية أن تقللها، ولكن ليست هناك إجراءات حقيقية وعملية واضحة للآن، ربما يبادر البعض بهذا الاتجاه بعد رفع الحصار. ربما!