شعرية الفضاء المفتوح في لوحات سعد زغلول

الفنان المصري سعد زغلول يعتبر فنانا متفردا، بالنظر إلى الموضوعات التي عالجها وغزلها بحكمة العاشق في نسيج لوحاته.


حالة النشاط اللعبي المتأصل في التراث الطقسي، والذي يدفع المشاهد إلى المشاركة


لم تخلُ لوحاته الفنية المستوحاة من التراث الشعبي من حدسه الذي ارتبط بمعارف متراكمة

يعتبر الفنان المصري المبدع سعد زغلول فنانا متفردا، بالنظر إلى الموضوعات التي عالجها وغزلها بحكمة العاشق في نسيج لوحاته.
وأظهر سعد زغلول ابن مدينة أسيوط في صعيد مصر، ذات البيئة المفعمة بالتراث الإنساني، في حيويته التصويرية مشاهد الحب واللعب والحياة بعفوية المغرم على التقاط تفاصيل طازجة، تغذي حالة العشق وتدونها ليس فكريا فحسب، ولكن دلاليا، وجماليا في فضاء اللوحات. وهو ما جعله يصنف كفنان عالمي، لأنه استطاع أن يوحد بين اللغة الكونية والعناصر المحلية المرتكزة على الطقوس والتقاليد والألعاب الشعبية في التراث المصري. 
وقد يكون الفنان العربي الوحيد الذي وثَّق بصريا وجماليا في عوالم الضوء واللون والحركة، لأشكال وفلسفة اللعب التراثي عند الأطفال، كنوع من التعبير الدرامي العفوي عن الرغبات والمشتهى في مواجهة الإمكانيات والمتاح، حيث تنضوي اللوحات على ذهنية بريئة وحكيمة في رصد النظام الذاتي للحركة واللعب في أي مشهد. 
في حين تحتضن قوة كافية، لإحداث تأثير روحاني أخلاقي، وطقسي على المشاهد، حدود إندماج المشاهد ليكون مشاركا بمعنى ما! 

fine arts
من أعمال الفنان سعد زغلول

وهذا ما يفسر لنا فلسفيا، حالة النشاط اللعبي المتأصل في التراث الطقسي، والذي يدفع المشاهد إلى المشاركة، كما يفسر لنا بواعث الفن الحديث، الذي أراد أن يحطم المسافة بين العمل الفني والجمهور. 
إن سعيه الشخصي المرتبط بالجذور الشرقية، وروحانية العالم التي يؤمن بها، شكلت رؤيته للعمل الفني كوثيقة وموقف يتكشف جليا في اللوحات، ويجعل منه الفنان المتفرد في لوحات جدلية، تقرأ في أكثر من اتجاه، حين تستند معمارية اللوحة بمنحاها العفوي، على حضارة وذاكرة مرئية تختبئ في ذاته المغامرة والطفلة والمتعددة الرؤى، ويعيش براءته وطهره في الفن كما في الحياة. 
يضاف إلى ذلك طغيان المضمون الروحي الذي تحمله سطوح العمل الحسية، القابلة للتفسير المتعدد الإتجاهات، والداعي إلى التأمل والتأويل، كما هو الميراث الشرقي الغني في قراءاته المتعددة. 
وتبدو لوحات زغلول المغزولة بحرفيه وحميمية وصدق، كأنها رسمت الآن طازجة الألوان والتكوينات، وتكشف عن أسلوبه العاطفي العفوي والتلقائي، حين تتحول المشاهد الطقسية والتراثية إلى ذكرى يقودها إلى معايشة الجديد في التعبير، عبر اعتماده البناء المفتوح، لتنطلق الأشكال والخطوط خارج إطار اللوحة في حالة إنعتاق. 
إن رؤية اللوحة والتأمل في عالمها الحسي والروحي الشرقي، لا ينفي عنها قراءة العلامات والدلالات عالميا، فنظرته التي تنفذ إلى جوهر الأشياء والمخلوقات، مفتوحة على كل الإحتمالات، لأنها أشبه بالواقعية السحرية، بنظرتها إلى العالم المسكون بالروح والطبيعة والبراءة التي تتطابق مع شخوصه. 
ولم تخلُ لوحاته الفنية المستوحاة من التراث الشعبي، من حدسه الذي ارتبط بمعارف متراكمة، وتجارب خاصة من بيئته المحيطة وحضارته العريقة حيث أدى هذا الحدس  للتركيز على أيقونات الطقوس الشرقية، واللعب اليومي وكأن اللوحة هي إمتداد لتاريخ وحضارة بيئته، وطموحاتها الروحية والحسية للخروج من محدودية المشهد إلى رؤية الكون والذات والوجود.
في حين تأرجحت اللوحات بين الثنائيات وخاصة في طرح ثنائية الظل والنور - الضوء والعتمة، لتقدم لنا غنى الحياة وثروتها في طرح سؤال الماهية ومواجهة التناقضات.
ولكي نعي قيمة الحياة لا بد من أن ندرك قيمة الموت، ولكي نستغرق في الخفاء والعتمة، علينا أن نجرب الظهور والضياء، هذه الأسئلة التي طرحتها اللوحة سطحيا ومعماريا وموضوعات. 

بنى سعد زغلول لنفسه أسلوبه الخاص، في زمن تصارعت فيه الأفكار والمدارس، وتبدلت معايير التشكيل، ليختار لنفسه التعامل مع فن مركب، تتزاوج فيه الألوان والحيوات، البسيط بالمعقد، البدائي بالمعاصر، العفوي بالعقلاني.
وهو بذلك يستعير حساسية وبراءة الأطفال في نقله المتخيل، إلى حيز الملموس، عبر حركة لا تكف عن الدهشة لحظة إكتشاف العالم. 
هكذا تفرد سعد زغلول في بساطة التشكيل، وتوازن الكتلة ضد الفراغ في فضاء المشهد التصويري. وعلى مر الزمن، أظهرت لوحاته أسلوبه الشخصي المتمرد ضد التعقيد، إنزياحا باتجاه البساطة التشكيلية والتعبيرية على حد سواء. 
وما بين التنظيم والتوازن الشكلي والعاطفي، إبتكر سعد زغلول شخصياته بمظهرها التراثي، المنحاز إلى البدانة المنسجمة مع علاقتها بالأرض!  

fine arts
الفان سعد زغلول

وغدت لوحات الفنان زغلول، تمردا على التصوير الزيتي البحت، لنلحظ استخدامه للخلط بحرفية حاذقة بين التقنيات، رغبة في الوصول إلى فرادة الموضوع والتكوين ومساحة اللون لخلق التوازن بين الشكل البسيط والإنفعالات الهادئة ضمن مشتقات الألوان التراثية، بتنويعاتها المتقشفة، واللانهائية في وقت واحد، يدعمها التضاد بين القاتم والفاتح، لتكون الكثافة اللونية سيدة المساحة على اللوحة وتكويناتها وحيواتها المختلفة. 
لم تأت لوحات المتفرد سعد زغلول مختصرة ومكثفة، فقد طرحت كمشهد سينمائي متكامل من حيث الإضاءة، الحركة، الديكور، والشخوص الذين يبعثون الحياة في فصل متحرك. 
كما سعى الفنان سعد زغلول، إلى تكثيف حضور الجسد، ببدانة لافتة تظهر حدود الثقل أمام خفة الفراغ، بحثا عن الثبات والتجذر في امتلاك مساحات الفضاء، كأننا أمام أجساد طفلة تقذف خطواتها الأولى للإنتقال من الثبات إلى الحركة بخفة ومرح لإحتلال المشهد الفني. 
هذه الأجساد الضخمة البدينة، اللطيفة، كونتها حركة ريشة رشيقة وعاشقة، تخط تجربتها بألوان منسابة كالماء، أو كنثارة ضوء القمر على السطوح. 
طاقة من السكون المتحرك، شفافة، وبريئة، تلهو بين الظل والنور. 
عاشت لوحات سعد زغلول حياتها الدرامية الخاصة، بريشة مبدع اشتغل بمهارة نفسيا وجسديا على فلسفة اللون والحركة وعلاقتها بمفردات اللوحة لنكون أمام إنتاج فني متصوف يغرف من التراث المحلي، ليشكل بعجينة اللون لوحات في سكينتها تضج بالحركة، ليتصاعد اللامرئي صوتا وإيقاعا محسوسا، يقارب شعرية الفضاء المفتوح في السينما.
ولد سعد زغلول في يوليو/تموز 1941 وهو مؤسس عدة مشروعات لإحياء التراث، ومؤسس متحف الفنان سعد زغلول "بيت التلي"، وله العديد من المعارض المحلية والعالمية، كما تم تكريمه ومنحه العديد من الجوائز تقديرا لإبداعه وعطائه في الحفاظ على التراث. 
مديرة معهد دراما بلا حدود بألمانيا