'شعريات' الليبية تعود بنكهة نضالية

بنغازي (ليبيا) - من محمد الأصفر
ممارسة الفعل الثقافي بعد غياب

بعد توقف طويل استمر أكثر من عام صدرت أخيراً مجلة شعريات بحلة جديدة.
واكتست معظم مواد المجلة نكهة نضالية فائحة بالثورة والمقاومة وإدانة الظلم والقهر؛ حيث نجد الكثير من القصائد التي تتحدث عن فلسطين وعن محمود درويش وعن جراح العراق وعن قصائد بابلو نيرودا عبر عرض كتابه المترجم من قبل الشاعر اللبناني بول شاوول.
ونجد أيضا حواراً بالمجلة أجرته الشاعرة اليمنية سوسن العريقي والشاعر اليمني أحمد السلامي مع الشاعر المخضرم عبد العزيز المقالح.
وتحدث المقالح عن دور الشعر قائلاً إن الشاعر يخوض مع شعبه تجربته النضالية بلا تردد ومضيفاً في مكان آخر من الحوار المطل عبارة جعلت عنواناً داخلياً للحوار تقول أحيانا تحل القصيدة محل الفعل السياسي.
وحتى اللوحة التي في الخلف هي منحوتة لناجي العلي أيقونته حنظلة من إبداع النحاتة الليبية مباركة زيدان المغربي ناهيك عن الافتتاحية القيّمة التي احتفت بالحضارة وفككتها وفضحت كيف يروج لها مفكرو الغرب ومن يغني لهم من كتاب خونة من العالم الثالث.
وأدانت الافتتاحية الحضارة بصورتها السالبة مستشهدة بمن من يمتلكها الآن لأنه يستخدمها في إبادة الشعوب وسرقتها مستشهدا بالمؤتمر الأول للأدب الاستعماري الذي أقيم قبل ثمانين عاما وبالعدوان الهمجي على مدينة غزة.
وجاء في الافتتاحية "أكبر دليل على صدق ما ذهبنا إليه من رغبة الآخر (المتحضر) في استغلال الحضارة في السيطرة الناعمة على مشاعر الشعوب منذ ذلك الحين الذي حاول فيه الشاعر ارثور رامبو جاهدا أن يجعل من الشعر مشروع حياة وفي الوقت نفسه أن يجعل من الحياة صنيعا شعرياً".
وأضافت المجلة في افتتاحيتها "فحين قامت كومونة باريس وشرع أعضاؤها بالنضال نضالا مزدوجا يتمثل في الدفاع عن حقوق الشغيلة والمحرومين من جهة وإدانة الاحتلال الألماني من جهة أخرى حيث كانت قوات بسمارك الألماني تحتل فرنسا بعد أن أسرت الأمبراطور نابليون الثالث. وهنا شعر رامبو بكونه معنياً بالأحداث مباشرة. وتحرك في سبيل نصرة تلك الانتفاضة الباريسية الخالدة / وقال قولته الشهيرة التي غدت مدماكاً للثورات وشعاراً لثوار العالم إلى السلاح أيها المستعبدون".
وشهد هذا العدد تقليصاً في هيئة التحرير حيث اختفى من الترويسة اسم الشاعر الليبي محمد زيدان الذي كان منسقاً للتحرير كذلك اختفت كوكبة أسماء هيئة التحرير المتكونة من عدة أسماء لشعراء عرب معروفين منهم المصرية فاطمة ناعوت والتونسي وليد الزريبي واللبنانية رحاب ضاهر والتونسي المقيم في ميونشن كمال العيادي والمغربي نورالدين بازين وغيرهم.
والجدير بالذكر أن مجلة شعريات تطبع في تونس بإشراف فني من الشاعر التونسي منصف المزغني والمجلة كما هو مدون في الصفحة الأولى تصدر عن شركة العنوان بقبرص ويرأس تحريرها الشاعر الليبي الشاب مهدي التمامي ويدير تحريرها الشاعر الليبي الشاب أيضا صلاح عجينة.
والمعلوم وكما صرح رئيس تحريرها في أكثر من مناسبة أن المجلة تحظى بدعم مادي ومعنوي من المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر هذا المركز الذي قام منذ تأسيسه بدور كبير في تنشيط الثقافة الليبية ونشرها عبر إصداراته المتنوعة وما نظمه من ندوات ومحاضرات ومعارض مهمة شارك فيها كبار كتاب العرب والعالم.
وتضمن هذا العدد من فصلية شعريات على نفس الأبواب التي جاءت في العدد السابق من قصائد وحوار واستطلاع ودراسات وتراجم وعرض إصدارات ومقالة صفحة أخيرة جاءت بقلم الشاعر الأردني الفلسطيني الأصل موسى حوامدة بعنوان قتلتني الخيانة.
وفي الافتتاحية التى بعنوان "شرفة" نقرأ مقالة أدبية للمهدي التمامي بعنوان الإسم السحري وفي باب فصوص وهومخصص للقصائد نقرأ فصوصا أونصوصا للشعراء سالم العوكلي..الكيلاني عون..عبدالحميد كشاد..محمد القعود..صادق مجبل الموسوي وهو شاعر عراقي شاب تعرفنا عليه من خلال النت نقرأ له في هذا العدد قصيدة "خطابات لنا" من أجوائها الجميلة نقتطف هذه الومضات:
"كم من السنوات قضيناها
نطرق على
باب مفتوح"

"اللاهثون وراء النزف
لم يذوقوا طعم الجرح بعد "

"الجراح
نافذة الجسد نحو الله"

"الأنقاض ترمم
السفوح الفارغة"

كذلك قصائد للمغربيين صلاح بوسريف واسماعيل غزالي وقصيدة بعنوان مقطعان من قصيدة لم تنشر للشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح.
وفي باب تحليق حوار مع الشاعر المقالح وفي باب مدارسات نقرأ دراسات سبق نشر بعضها من قبل في منابر أخرى لبنعيسى بوحمالة وسليمان زيدان وجميل حمادة وعذاب الركابي وملاحظة للقارئ أن اسم عذاب يقرأ بكسر العين وليس بفتحها أي أنه من العذوبة وليس من التعذيب.
وفي باب أسئلة الشعر نقرأ استطلاعا لمهدي التمامي طرح فيه سؤالا عن حداثتنا الشعرية فتوحات في التراث أم اتباعية مبطنة على عدة أدباء وكل واحد منهم أدلى بدلوه في المحور منهم: العراقي هاتف جنابي والمغربي رشيد يحياوي والليبي عذاب الركابي والعراقي محمد شياع والليبي الكيلاني عون.
وفي باب آنية الزهر وهو باب خاص بالترجمات نقرأ مختارات من القصائد الشرقية ترجمة وتقديم الأديب التونسي محمد علي اليوسفي حيث تحدث في تقديمه للكتاب عن حياة هذا الشاعر المكسيكي الراحل الحائز على نوبل في الآداب والمهتم بالثقافة الهندية القديمة في المكسيك وقد كتب اليوسفي عن هذا الشاعر متتبعاً سيرته منذ ولادته مسلطاً الضوء على تجربته أثناء الحرب الأهلية الإسبانية وعلى انتقاله من السوريالية إلى الكونية ويقول اليوسفي عن هذه المختارات أنها تقتصر على القصائد الشرقية إذا صحت مثل هذه التسمية ضمن الرؤيا الكونية التي يتميز بها شعر باث إنها القصائد التي كتبها إثر إقامته في الهند واليابان منذ الخمسينيات حيث عين سفيراً لبلاده في نيودلهي غير أنه قدم استقالته من منصبه سنة 1968 احتجاجاً على المجازر التي ارتكبتها حدومة بلاده ضد الطلاب.
وعاد الشاعر من تلك الإقامة المطولة مغتنياً باكتشاف جوهري يتمثل في اطلاعه العميق على البوذية وفي توخي أساليب جديد للكتابة طبعت مضامينها قصائده كما أثرت في أشكالها ابتداء من تبني شكل قصيدة الهايكو اليابانية على سبيل المثال.
ونختار من هذه القصائد بعض المقاطع الجميلة التي اقتطفتها من جنان قصائده:

"أنا هنا
في بدايتي
لست أنكر ذاتي
أسندها
متكئا على الشرفة
غيوما هائلة وقطعة قمر"

"إذا كان الإنسان من غبار
فإن الغبار المتحرك في السهل
بشر"

"أرسم هذه الحروف
كما يرسم النهار صوره
ثم ينفخ عليها ولا يعود"

"الماء في الأعلى
الغابة في الأسفل
الريح عبر الدروب
طمأنينة البئر
الدلو أسود
والماء صاف"

"عبر قناة الدم
جسدي في جسدك
ينبوع ليل
لساني الشمسي في غابتك
يجبل جسدك
قمح أحمر أنا
عبر قناة العظام
أنا ماء أنا ليل
أنا غابة تتقدم
أنا لسان
أنا جسد
أنا عظم شمس"
وبعدها تستعرض المجلة بعض الإصدارات منها كتاب أسئلة الشعر الصادر عن دار أزمنة والمحتوي على ثلاث حوارات مع أدباء عالميين وكان هذا الكتاب من تقديم وترجمة الأستاذ أحمد الزعتري.
وكتاب آخر تم عرضه هو "طاولة عند النافذة" الصادر عن مجلس الثقافة العام الليبي والمحتوي على عدة حوارات مع أدباء عرب أجرتها الشاعرة الليبية خلود الفلاح.
ومن الكتب الأخرى نجد كتاباً بعنوان آراء في الثقافة والسياسة وكتاباً آخر بعنوان مختارات شعرية للشاعر فريدريش هلدرلين من ترجمة المغربي حسن حلمي وتقديم محمد بنيس ودار نشره هي دار توبقال المغربية.
وقد أشعل هذا الكتاب مؤخراً جدلاً طويلاً بين الشاعر والمترجم عبده وازن والشعراء بنيس وخريف ويصف الجدل من قبل المثقفين أنه معركة حول برنامج الترجمة بين المترجمين المشارقة والمغاربة.
واشتعلت المعركة بينهم على صفحات جريدة الحياة والقدس العربي والطريف أن مترجم الكتاب وصاحب الشأن رفضت الجرائد المذكورة أن تنشر رده حيث لجأ إلى شبكة الانترنت طالبا إيصال صوته.
وكتاب آخر تم عرضه هو عبارة عن ديوان شعري للشاعرة فتحية النوحو وكتاب شعري آخر للتونسي منصف الوهايبي بعنوان كتاب العصا وقصائد من فهرست الحيوان وهذا الشاعر هو من أعد مختارات شعرية لشعراء ليبيين تم نشرها عبر برنامج كتاب في جريدة وقد تعرض للانتقاد كونه أغفل عدة شعراء مهمين لم يدرجهم كذلك كون هذه المختارات يجب أن يعدها أديب ليبي لقربه ومعرفته بالمشهد الشعري.
وأيضا نجد في باب عرض الكتب كتاب بابلو نيرودا قصائد مختارة من ترجمة وتقديم بول شاوول وايضا كتاباً آخر له بعنوان دفتر سيجارة وكذلك نجد كتاب احجار النهر لزكريا محمد وهو كتاب شعري تصاحبه لوحات تشكيلية وكتاب أنا شاعر كبير لرامي الأمين.
وفي نهاية المجلة نجد مقالة الشاعر موسى حوامدة رئيس تحرير الصفحة الثقافية بجريدة الدستور الأردنية بعنوان "قتلتني الخيانة".