شعراء مصريون يحتفون بمحمود درويش في مكتبة الإسكندرية

شاعر العروبة والإنسانية

الإسكندرية – أقام مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية برئاسة المايسترو شريف محيي الدين احتفالية كبرى بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يعد أحد رموز الشعر العربي الحديث، وذلك بحضور حشد من الشعراء والنقاد المصريين. قدم الجلسة الافتتاحية الشاعر فؤاد طمان، والدكتور خالد عزب؛ مدير إدارة الإعلام بمكتبة الإسكندرية، بالنيابة عن الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية.
وقال طمان إن الاحتفالية تأتي إحياءً للذكرى العطرة للشاعر العربي الكبير محمود درويش وتقديراً لحياة حافلة منحها بكل الحب والصدق لوطنه، وتكريماً لشاعريته الفذة التي عبرت أصدق تعبير عن مشاعر شعبه وآلامه وأحلامه. وأضاف أن درويش شاعر نبيل، صادق وأمين، وهو شاعر العروبة والإنسانية، وهو ضمير شعبه وضمير الإنسانية المعذب الذي كان يحلم بعالم يسوده الحب والعدل والسلام.
وقال الدكتور خالد عزب إن أهمية محمود درويش تتجلى في جملة أمور، أهمها أنه كان أحد المجددين من أبناء جيله الذين واجهوا مأزقا شعريا كبيرا في ستينيات القرن العشرين؛ وهو كتابة قصيدة عربية تنتمي على نحو ما لجدّاتها من قصائد المتنبي وأبي العلاء، وفي نفس الوقت تحمل ملامح الحداثة وما بعد الحداثة التي نشأت وتطورت في أوروبا على مدار القرنين العشرين والحادي والعشرين.
وأضاف أن الأسئلة الوجودية التي حاول أن يقاربها الشعراء في هذا الوقت صارت أعمق وأكثر تركيبا وقتامة نتيجة تعقد الموقف السياسي والصراع العربي الإسرائيلي، وازدياد الهوة بين الشرق والغرب بانمحاء الاتحاد السوفيتي من على الخريطة.
وأشار إلى أن درويش اشتبك مع هذه المتناقضات كلها منذ طفولته؛ وهو ما نذره ليكون فارسا من فرسان القضية الفلسطينية شعراً ونضالاً وعملاً سياسياً. وأضاف أنه إذا كانت مصر قد هبت لنجدة درويش حين حوصر واعتقل في فلسطين، فإن مكتبة الإسكندرية تحيي ذكراه الأولى تحية منها لعبقرية شعرية فذة فتحت للشعراء الشباب أبوابا من الإبداع والتجديد، وذلك بما يحقق ويرسخ رسالة مكتبة الإسكندرية بأن تكون نافذة مصر العالم ونافذة العالم على مصر.
وألقى الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي كلمة الشعراء المصريين، مؤكداً أن درويش أنجز عمله وأبلغ رسالته ونال في حياته من اعتراف الناس ما لم ينله إلا القليلون من الشعراء، فهو جدير بما حققه وجدير بما نال لأنه جعل الشعر غايته وطريقته. وأضاف أن درويش نجح في الوصول إلى لغة شعرية مزج فيها ما قرأ وما سمع وما رأى وما تخيل، وقد تحدث في شعره عن نفسه وعن قضية وطنه، وقدم الشائع المتداول في الكلام وغيره الغامض.
وأكد أن أعمال درويش تظهر كثيراً من المهارة والحذق والقدرة على مخاطبة الجمهور بكل مستوياته والوصول إلى حواسه وملكاته والتلاعب بتوقعاته، ومن هنا نشأت العلاقة بين درويش المنشد وجمهوره المستمع إليه. وقال إن شعر درويش يستحق قراءة جديدة ينتفع بها الشعر بشكل عام، فينبغي الوقوف أمام قصائده وحدها، غير مصحوبة بقائلها، لنر كيف بدأت وكيف اكتملت، ومن أي مادة بنيت وأي شكل ركبت وماذا تريد أن تقول.
وتحدث حجازي عن الشعر، قائلاً إنه يحتل مكاناً مرموقاً في كل الثقافات الإنسانية، ويتميز عن الفنون الأخرى بمميزات عديدة منها أنه فن لغوي يجمع بين الوظيفة الاجتماعية وهي الاتصال، والوظيفة الجمالية وهي الخلق الفني، وبذلك تتجاوز اللغة طبيعتها الوظيفية التقريرية وتكتسب طبيعة انفعالية بأدوات وحيل مختلفة وهي الإيجاز والموسيقى، وذلك من أجل أن تصبح مادة للشعر.
وألمح حجازي إلى أن الشعر متاح للجميع، فهو يجمع بين طبائع متجددة ويلبي حاجات مختلفة، فهو عنصر أساسي في الكثير من صور النشاط الإنساني، وهو ضروري في نشاطه الدنيوي والديني، فهو لغة الطقوس والشعائر والحماس والنشوة والأمل والحكمة والقلب والعقل معاً.
وقال حجازي إن النبوءة التي ظهرت في القرن السابع عشر وتوقعت أن يقضي العلم على الشعر لم تصدق، فقد أخذ الشعر في الازدهار في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وقد عرف نهضة شعرية لم تعرفها معظم العصور الماضية. وأكد أن الشعر هو نتاج الحياة البشرية منذ أن بدأت، وأن القوانين التي تتحكم فيه وتبين مصيره هي تلك التي تتحكم في الإنسان. فالفرد يولد ويشب ويهرم ويموت لكن الجنس البشري يبقى ويتطور ويتقدم، وكذلك الشعر.
وفي ختام الجلسة الافتتاحية، ألقى الشاعر عمر حاذق على الحضور قصيدة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي (محمود: كشرفة سقطت بكل زهورها)، والتي كتبها البرغوثي في رثاء محمود درويش.
وفي الجلسة النقدية الأولى التي أدارها الدكتور محمد رفيق خليل وجاءت بعنوان "التجربة الشعرية لمحمود درويش بين المحلية والعالمية"، قال الدكتور فوزي عيسى أستاذ النقد الأدبي بجامعة الإسكندرية إن الحديث عن تجربة درويش الشعرية هو حديث متشعب وطويل، ولذلك يقف النقاد عند أحد أعماله كنموذج في المحاولات بالإلمام بتجربته الشعرية. وقد أختار عيسى في هذا السياق قصيدة (جدارية).
وأكد عيسى أن القصيدة كتبت في حالة من اللاوعي حيث كتبها درويش قبل إجراء عملية جراحية للقلب، وهو تحت تأثير المخدر، مشيراً إلى أن أهمية القصيدة تأتي من أنها تخرج عن سياق الثورة وتندرج تحت تجارب الذات أو ما يعرف بـ (شعرية المرض).
وأشار إلى أن المخدر يمنح القصيدة خصوصيتها، فهي مليئة بالمشاهد التي تحاول مراوغة الموت، واستبطان المجهول وعالم الأبدية، مؤكداً أن اللافت في القصيدة هو الحوار الذي دار بين الشاعر والموت والذي يستشف منه أنه لا يوجد ندية في المنازلة وأن الموت يترصد الإنسان دائماً.
وقال إن القصيدة هي بمثابة محاولة للانتصار على الموت كحق درويش في التشبث بالحياة لأن الأرض بها الكثير مما يستحق الحياة من أجله، وبعد أن أدرك دور الإنسان ووظيفته على هذه الأرض. وتعد القصيدة مونولوج تنشطر فيه الذات إلى وحدات، ويظل صوت العقل الباطن يتكامل ويتآلف مع الواقع في رؤية كلية واحدة تجسد تجربة المناجاة الذاتية.
وفي سياق متصل، قال الشاعر السكندري حميدة عبدالله إن محمود درويش كان عصيّاً على الانكسار، فهو يجسد الحلم الفلسطيني عبر الأسلوب الجمالي الثوري، وبلغة فادحة الثراء في دلالاتها، وهي لغة تعيد صياغة الواقع وعلاقاته. وأضاف أن درويش كان يهتم بجمالياته الخاصة في قصائده، وفي نفس الوقت، يعبر بالثورة من نفق سلالتها المحلي الضيق إلى أفق العالمية.
وقال إن درويش استطاع من خصوصيته الفريدة التي هي هويته، ومنجزه الإبداعي، أن يعي تماما أنه لا يجب على الشاعر المثقف الذي هو حارس الوعي والذاكرة العربية أن يهدر العامل الجمالي على حساب السياسي لأن الكلفة حينذاك ستكون باهظة؛ حيث ينتفي شرط تحقق الذات بانتفاء شرط تحقق مفرداته الإبداعية، ولا أن يهدد السياسي على حساب الجمالي لأن في ذلك فقدانا للمصداقية وخيانة للذات والقضية.
وأضاف عبدالله أن درويش مثّل قضية شعبه بكل مفاصلها التاريخية ومواقعها المتعددة، مع تطوير آلياته للتساوي مع الهم العام، فكانت تجربته تنضج يوما بعد يوم لأنها تستند إلى موهبة ذات أبعاد تراكمية تقف على تل من المعارف الإنسانية، تقول المألوف بلغة غير مألوفة، وتقول غير المألوف أيضا بلغة مألوفة.
وأدار الشاعر عبدالعزيز موافي الجلسة النقدية الثانية التي جاءت تحت عنوان "العوامل المؤثرة في تجربة محمود درويش"، وتحدث فيها الناقد الأدبي الدكتور حسام عقل عن العوامل التي شكلت التجربة الشعرية لمحمود درويش ومنها الإحساس بالغربة، والمدائن المفقودة، والرفض والاعتقال، والإحساس بظلم المحتل. وأضاف أن الأم في شعر درويش كانت تمثل تجسيداً للوطن، بينما عبر الأب عن فكرة التشبث بالأرض بالأظافر حتى أبعد نقطة ألم يمكن تحملها.
وقال إن بعض النقاد يرون أن درويش شاعر شعبوي والبعض الآخر يقول أنه نخبوي، وهو يرى أن درويش لا يمكن أن ينطبق على شعره مفهوم الشعر النخبوي، فقد جمع بين الوضوح المفرط والإمعان في استلهام المشاهد السريالية، فهو الشاعر الذي تمسك بالتراث والرومانطيقية حتى النهاية، وتمتع بمعجم شعري غريب ومتفرد نتيجة ثقافته الواسعة والمتفتحة، وأضاف "الثائر الكبير محب كبير، وقد كان درويش ثائرا كبيرا ومحبا كبيرا".
وقال الشاعر حلمي سالم إن درويش أراد من محبيه أن يفصلوا بين الشعر والقضية والنظر إلى الشعر وحده دون دراما القضية ودون الحواشي، وأراد أن ينُظر لشعر المقاومة دون أن يكون محمل بالعواطف التي تحملها القضية الفلسطينية. وألمح إلى أن العديد من الشعراء تمكنوا من استغلال القضية لكسب نقاط تحسب لشعرهم يعجز النص عن كسبها، ولم يكن درويش أحد هؤلاء الشعراء.
وأضاف أن درويش حاول إحداث نقلة من شعر القضية إلى قضية الشعر، والخروج من القضية التي تحمل بها الشعر إلى الشعر نفسه خالصاً خلاصاً باعتباره ظاهرة جمالية يمكن أن تصبح جميلة إذا كان الشعر جيداً أو سيئة إذا كان الشعر سيئاً حتى لو كان يتحدث عن قضية تراجيدية تاريخية شريفة مثل القضية الفلسطينية، وبذلك يتضمن الفن القضية وليس العكس.
وأشار إلى أن شعر درويش كان متعدد المصادر الدينية، فإن مسألة التسامح الديني والفكري والسياسي، وتقبل الآخر ظاهرة في تجربته الشعرية من البداية إلى النهاية حيث اتخذ من جميع الأديان السماوية مصادر في قصائده.
وألقى الدكتور محمد زكريا عناني أستاذ النقد الأدبي بجامعة الإسكندرية على الحاضرين في نهاية الجلسة مجموعة من أشهر قصائد درويش من ديوان "سرير الغريبة"، أول ديوان له مكرس للحب والذي اعتبره عناني أكثر الدواوين ثراء بالمنافع الفكرية. وأضاف أن درويش يستطيع أن يبهر دون توقع حيث يقدم جملة توصل سحراً وبلسماً في آن واحد، وهو الذي أعاد تخليق المعرفة لتنبثق مثل الماء اللامرئي وتتسلل إلى الأعماق وتجتاح الأرواح.
واختتمت الاحتفالية بحفل غنائي لأشهر أغاني محمود درويش، مع قراءات من شعره على خشبة المسرح الصغير بالمكتبة.