شعراء العراق ينشدون لنصفهم الحلو

بقلم: حسن عبيد عيسى
.. ومراسلة تلفزيونية في زمن الحرب

لمناسبة يوم المرأة العالمي الذي صادف ثامن هذا الشهر، احتضن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق احتفالية ثقافية متعددة الفعاليات أقامها على قاعته الرئيسة، منتدى نازك الملائكة بالتعاون مع نادي الشعر، قدم الاحتفالية الشاعرة منى سبع درباش بالاشتراك مع الشاعر مروان عادل حمزة، وافتتحها الشاعر الفريد سمعان الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
استعرض سمعان في كلمته المسلسل الطويل لمعاناة المرأة وتعرضها المستمر لغمط الحقوق، دونما أن يكون لمجتمعات جهة من جهات الأرض الأربع، أفضلية في منحها ما لها من حقوق، إذ "أنها لم تنل كل حقوقها في كل إنحاء العالم، حتى المتقدم منه" كما ورد في استعراض سمعان، الذي رأى أن "السعودية التي تحاول دائما الحصول على أرقى أنواع التقنية لتسخيرها في خدمة المجتمع، لا تسمح لنسائها بسياقة السيارات وتمنعهن من الجلوس في المطاعم التي يدخلها الزوج ليستمتع بالأكل فيها، في حين تنتظره زوجته خارج المطعم"، لتلك الأسباب وغيرها، فإن الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق حرَّضَ النساء لأن "يقاتلن من أجل نيل كافة حقوقهن."
ارتقت المنصة بعد ذلك إيناس البدران رئيسة منتدى نازك الملائكة فاستعرضت المسيرة النضالية للمرأة في عموم العالم، من أجل نيل حقوقها. وإنها على الرغم من كل ذلك النضال العالمي المحتدم فإنها لم تحصل إلا على جزء من تلك الحقوق.. فهي وخصوصا في الشرق ظلت محكومة بعادات اجتماعية متخلفة.
وطالبت البدران بقرع ناقوس الخطر إنقاذا للمرأة العراقية التي يجب أن يُسَرَّع تشريع القوانين التي تضمن لها حقوقها المشروعة، وأن تُشرك المرأة العراقية في كافة أنواع العمل للاستفادة من قدرات نصف المجتمع، إضافة إلى ما في ذلك الإشراك من رفع لمستواها المعيشي... وفي ختام كلمتها أعربت رئيسة منتدى نازك الملائكة عن أملها في أن يكون عام 2008 هو عام المرأة العراقية بما يؤمن الارتقاء بمكانتها.
بيَّنَ مقدم الاحتفالية الشاعر مروان عادل حمزة أن الفضائيات تحاول إظهار المرأة العراقية بطريقة مأساوية، فهي ليست سوى "لَطّامَة" تظهر في تلك الفضائيات بشكل مؤثر عقب الانفجارات التي تحصد أروح الأبرياء.
جرى بعد ذلك تقديم الشعراء والشاعرات ممن هيؤا نصوصا إبداعيا لهذه المناسبة، وكانت أول من أنشد، الشاعرة منى الخرسان، التي ترنمت بقصيدة عنوانها "اشتياقات إمرأة"، تلاها الشاعر محمود النمر بقصيدة عنوانها "العربات تنوء كثيرا بالكلمات".
أما الشاعرة نجاة عبد الله فكان نصها الشعري بعنوان "قصائد مهجرة"، بينما ألقت الشاعرة والفنانة ضحى محمد قصيدتها التي كتبتها في عمان بعنوان "إمرأة تتمنى أمنية العيد."
قدم القاص محمد سعدون السباهي ورقة بالمناسبة عنوانها "المرأة الكاتبة كائن إستثنائي" عرج خلالها على طبيعة التعامل مع المرأة في مجتمعنا محاولا بلوغ الفسحة التي شغلتها أعلام نسوية عراقية متألقة رفدت الأدب بكثير من الإبداع متطرقا إلى أسماء الشواعر منهن والقاصات والروائيات..وخلص في ورقته إلى أنه ومع كل تلك المكانة المتميزة التي تبوأنها في عالم الأدب، إلا أن ما سبق وإن عوملن به من أساليب سلبية إنعكس على أدب البعض منهن كون ذلك التراكم لا يمكن إزاحته في بضع سنين، ومع كل ذلك التأثير فإن النتاج الأدبي لبعضهن تجاوز ما هو عليه الأدب الرجالي من إبداع.
استثار مقدم الاحتفالية مروان عادل حمزة الشاعر خالد البابلي عندما تركه ينتظر الإشارة لينشد، ولكن مروان أعلن عن فعالية معينة ستقام لاحقا، ما دفع الشاعر البابلي لأن يغادر المنصة محتجا على تجاهله. تقدم بعد ذلك الشاعر جبار سهم السوداني فألقى قصيدة قال أنه نظمها في القاهرة لعيني الفنانة سهير المرشدي. وبناء على إلحاح الحضور، فقد عاد الشاعر خالد البابلي ليعتلي المنصة فألقى مقطعا قصيرا من قصيدة بالمناسبة.
"تحرير المرأة قضية سياسية" وفق ما رأت إبتسام عبد المحسن، التي تنظر إليه كونه موضوعا يخص المجتمع بكامله ويؤثر عليه، ملمِّحَة إلى الفروقات الفكرية والثقافية بين الجنسين، ما يستوجب على المرأة بنظر الباحثة "أن تعي موقعها في المرحلة التي يراد فيها الارتقاء بالمجتمع العراقي، فذلك هو الذي يؤدي إلى نهوض واسع للمجتمع."
روى بعد ذلك، شاكر المياحي حكاية قصيرة ومؤثرة بطلتها إمرأة عراقية داهمت دارها قوة عسكرية للقبض على سياسيين من رجال اسرتها، وعندما فشل قائد القوة في تحصيل أي منهم فإنه طلب من تلك المرأة أن ترافقهم، فاستأذنته في أن تتهيأ للخروج وترتدي ما يجب عليها ارتداءه في الخروج، وما أن دخلت الغرفة حتى سكبت النفط على جسدها وأشعلت فيه النار. قال المياحي راوي الحكاية أن الواقعة المذكورة وقعت في الشاكرية التي كانت ضاحية من ضواحي بغداد (وهي الآن ضمن المنطقة الخضراء)، أيد عدد من الحضور تلك الواقعة ومنهم القاص حميد المختار رئيس تحرير مجلة الشبكة العراقية.
لم يتغيب الشعر العامي (الشعبي) عن الاحتفاء بالمرأة في هذه الاحتفالية، فكان ذلك حاضرا ممثلا بالقصيدة القصيرة والمعبرة التي صدح بها الشاعر حسين جبر، فيما أهدى الدكتور ملك محمد قصيدته "مواسم الذهول" إلى المرأة التي فاقته صبرا.
أثَّر الشعر والمديح والتغني بالمرأة كثيرا على ما يبدو، على مشاعر الشاعرة منى سبع درباش مقدمة الاحتفالية، فتقدمت بإقتراح غريب جدا، وهو أن يتاح للمرأة يوم واحد في السنة تختار فيه شريك حياتها وتتقدم لخطبته كما يفعل هو منذ آلاف السنين.
توالى الشعراء على اعتلاء منصة الإنشاد، فشارك في الاحتفالية الشعراء زاهر موسى ومنصور الغثيان وأحمد الثائر بنصوص قصيرة..ارتقى بعدها الحقوقي طارق حرب المنصة ليقدم مداخلة ابتدأها بحوار جرى قبل خمسين سنة بين المطرب الريفي العراقي الراحل داخل حسن وأحدهم الذي استهجن أن يكسر "أبو كاظم" السياقات الشعرية ويضع مطلعا لأغانيه يكرر فيه لازمة "يمه يا يمه" بدلا من اللازمات المعروفة "يا ليل ويا عين" وغيرهما، فكان رد المرحوم داخل حسن انه ابن مدينة الناصرية التي تفخر بأنها أنجبت واحدة من أولى وأهم الملكات عبر التاريخ، أنها الملكة السومرية شبعاد، ثم تناول الحقوقي حرب بطريقة انتقائية نسوة ورد ذكرهن في القرآن الكريم من أمثال أم موسى وأخته، ومريم بنت عمران وأمها وامرأة فرعون وسواهن، متجاهلا إمرأتي نوح ولوط وزليخة يوسف وصويحباتها وسواهن ممن ورد ذكرهن في القرآن على غير الشكل الذي انتقاه حرب.
رافق الاحتفال افتتاح معرض فني ضم قرابة أربعين لوحة لعدد من الفنانات التشكيليات تعبر عن واقع وهموم وقضايا المرأة، إضافة إلى عدد كبير من التحف السيراميكية.
كانت المشرفة على ترتيب المعرض وإكمال مستلزماته، الفنانة الشاعرة ضحى محمد منهمكة في الترتيب والتنسيق والتوجيه، وعندما توجهنا إليها بسؤال عن طبيعة انشغالاتها الفنية عدا عما نراه من لوحات تنطق بالمناسبة الأنثوية العالمية قالت "أعمالي تعبير عن الوضع المؤلم الذي يعيشه العراق، ولقد صببت اهتمامي في أغلب لوحاتي على قضايا المرأة والطفولة، فالفن الذي يتناول الطفولة، إنما هو تربية وتنشئة تلغي دور تجار اللعب الحربية التي تنمي غريزة القتل والعدوان لدى الأطفال."
اختتم الحفل بتوزيع عدد كبير من الجوائز على أصناف من المبدعات، شاعرات وقاصات وروائيات وفنانات، إضافة إلى زوجات الشعراء الحاضرين الذين أنشدوا للنصف الحلو. حسن عبيد عيسى