شعارات الإسلام السياسي... خدعت البسطاء

ضحكوا على الناس لكن لن يضحكوا على الله

بعد تصاعد التيار الإسلامي وفوزه بالحكم والرئاسة بدأنا نسمع أن الوقت قد حان لتكوين دولة الخلافة الإسلامية؛ وخلق الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله وتطبقه وتقيم العدل ويسودها الأمن والأمان؛ شعارات رائعة صدقها البسطاء في العديد من دول الربيع العربي وآمنوا بها وانتخبوا على أساسها هذا التيار وأوصلوه للحكم؛ فالدين هو الكلمة السحرية التي استولى بها هؤلاء على قلوب البسطاء وعقولهم، وساعد في ذلك مجموعة من رجال الدين الذين نذروا أنفسهم لتكريس سيطرة هذا التيار مستغلين الدين من أجل تحقيق هذا الأمر.

الخلافة الإسلامية في رأي هؤلاء هي الخلافة الزاهرة، التي سادت في فترة زمنية سابقة، والتي أصبحت تاريخا يدرس إلى أن جاء هذا التيار وبدأ يعيد الكلام عن هذا الأمر دون أن يقدم لنا نظرية محددة المعالم في الحكم والإدارة، فقط اكتفى بمبادئ عامة كأن يقول: إن الحاكمية لله، وإن هذه الدولة ستسود في كل الدول الإسلامية وستلغي الحدود، وأن شرع الله هو المطبق.

هذا كل ما نعرفه عن هذه الدولة التي تستند إلى أفكار أبي الأعلى المودودي وغيرهم من المفكرين؛ أو من قدموا تصوراً ما لبعض القضايا السياسية في القرون الوسطى؛ وانتهى بعدها الفكر الإسلامي إلا من محاولات خجولة للبعض كالكواكبي والأفغاني ومحمد رشيد رضا؛ وفي مرحلة لاحقة حسن البنا وسيد قطب، نظرة واحدة لكل الأسماء التي ذكرت سنرى أن الزمن يتوقف بنا عند أحدثها وهو سيد قطب إلى فترة الستينات وما أدراك ما الستينات ثم انقطاع تام عن محاولة تقديم فكر إسلامي سياسي يمكن أن يعطي بداية حتى للطريق.

من ذكرتهم قدموا اجتهادات وأفكار في قضايا محددة، لكن هل قدموا نظرية كاملة متكاملة لكيفية قيام الدولة الإسلامية العصرية التي تقوم على فكر يشخص واقع هذا العصر؟ ويستجيب لتحدياته ومشاكله؟ وظروفه للأسف لا، النظريات الصالحة للتطبيق تولد من رحم مجتمع وزمان ما فتكون معبرة عنه، وخير دليل على ذلك ما نراه من تطور في الفكر السياسي الغربي الذي يتمتع بقدرة عالية على تجديد دمائه وأفكاره، وبالتالي يطور في نفسه، لنأخذ مثالا على مفهوم الديمقراطية ونرى كم الدراسات والنظريات التي تفرعت عن هذه الفكرة، بل إننا سنجد أن الديمقراطية الليبرالية، وهي الأساس المقدس لكل النظم السياسية الغربية، قد تعرضت للنقد ومحاولات التطوير، وبدأنا نسمع أنها تحتاج إلى تعديلات تتناسب مع طبيعة التغيرات الناشئة في المجتمعات الأوربية وظهرت أنواع أخرى من الديمقراطيات ولعل أهمها الديمقراطية التوافقية وديمقراطية التعددية الثقافية.

يقول البعض: إن القرآن احتوى على المبادئ العامة لمثل هذه الدولة، حسنا تقولون المبادئ العامة، ولكن كيف ترجم المفكرون والمفسرون هذه المبادئ وحولوها إلى أسس لدولة عصرية. فمبدأ الشورى على سبيل المثال الذي يوازي الديمقراطية كيف يمكن أن نطبقه ؟من هم أهل الشورى ومن هم أعضاؤها وكيف يتولون هذه المناصب ؟وهل الشورى ملزمة بمعنى أن ما يتفق عليه واجب التطبيق أم أن للحاكم الاختيار والمفاضلة؟

للأسف الشديد فإن مفهوم الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية والحكم الإسلامي هي شعارات فضفاضة؛ لا معنى لها ما لم تكن قائمة على أساس نظري متفق عليه إسلاميا من جميع المذاهب. فهل هذا ممكن الحدوث أيضا؟ الدول الإسلامية الحديثة مختلفة في المذاهب الرئيسية، وفي داخل كل مذهب هناك اختلافات واختلافات لا يمكن تجاهل وجودها، وتصل إلى أن بعض الأمور حلال لدى مذهب ومحرمة لدى مذهب أخر، فكيف سنوفق بين كل هذه التعارضات والاختلافات الشديدة التي تصل إلى تكفير الآخر وإخراجه من الملة والدين؟

كيف سنقيم دولة أو خلافة دون أن يكون لها سند فكري نابع من ظروف هذا الزمان وقابل للتطبيق والتنفيذ؟ للأسف كل ما سبق لا يفكر به أحد ويكتفون بالشعارات دولة الخلافة، دولة الإسلام، تطبيق شرع الله، وكل تلك الشعارات، ولكن عندما تطالبهم أن يقدموا توضيحا مقنعا للفكرة يرجعونك إلى مفكري العصور الوسطى، وأوائل ومنتصف القرن الماضي، والتي مع احترامي لها عفا عليها الدهر، وكانت وليدة لظروف وزمان مفكريها ولا تصلح الآن للتطبيق.

يا سادة يا كرام ارحمونا، فما نحن فيه لا يحتمل المزايدات، وإن كنتم حقاً تطمحون إلى تحقيق شرع الله فشرع الله واضح أن الحكم للأصلح وللأقدر على إدارة شؤون الحكم، المنصب مسؤولية يحاسب الله عليها، وليست غنيمة تنتهب!

ما نحن فيه الآن يحتاج إلى الحكم العادل والرشيد ومخافة الله في الشعب والبلاد، ولا يحتاج بكل تأكيد إلى شعارات وأحلام وهمية لا يمكن بأي حال أن تطبق لا الزمان يسمح بها ولا المجتمع الدولي يقبل بها، علينا الآن أن نواجه التحدي الأكبر الناتج عن مثل هذه الأفكار والأحلام المستحيلة وهو الحفاظ على وحدة دولنا وعدم تفتتها وتجزئتها، علينا السعي إلى تحقيق تقدم هذه المجتمعات بالفعل لا بالقول، وأن والعمل على إقرار حقوق الإنسان، واحترام إنسانيته.

سهام فوزي