شعار«الأردن أولا» يثير جدلا في الاوساط السياسية

ملك الاردن حرص على التأكيد بأن الشعار لا يعنى انفصال الأردن عن محيطه العربي

عمان - بدا واضحا أن شعار "الأردن أولا" الذي أطلقه العاهل الأردني عبد الله الثاني، لم يكن كلمة عابرة، أو تعبيرا عن موقف آني، فقد عاد الملك الأردني للتأكيد على تمسكه بهذا الشعار، وجعله استراتيجية وطنية شاملة لحل العديد من الإشكاليات الداخلية.
وأوضح الملك عبد الله في رسالة وجهها إلى رئيس الحكومة الأردنية الأربعاء، أن شعار "الأردن أولا .. سيكون خطة عملنا التي من شأنها أن تصهر الأردنيين والأردنيات في نسيج اجتماعي موحد يحفز حسهم بالانتماء لوطنهم"، ولم يفت الملك أن ينوه أن الشعور بهذا الانتماء يأتي متوازيا بشعور الأردنيين باعتزازهم "بعروبتهم وإسلامهم".
وأثار إطلاق شعار "الأردن أولا" موجة من ردود الفعل المتباينة في الساحة السياسية الأردنية، ولعل توقيت إعلان هذا الشعار، كان السبب الأبرز في خلق هذه الحالة من الجدل. ولم يخف العديد من الساسة والمفكرين والناشطين الأردنيين تخوفهم من هذا الشعار، خصوصا انه أطلق في البداية دون أن يرفق بتوضيحات تبين ما المقصود منه.
ووجهت الانتقادات للشعار من قبل المعارضة التقليدية في البلاد، وهي المعارضة الإسلامية واليسارية والقومية. حيث اعتبر هؤلاء أن إطلاق هذا الشعار في هذه المرحلة الخطيرة، إنما هو دعوة للانكفاء على النفس، وتبرير مسبق لأي موقف قد يتخذه الأردن مستقبلا تجاه أي قضية من قضايا المنطقة، إلا أن أخطر المخاوف التي طرحت من قبل معارضي الشعار، هي تلك المخاوف التي تقول إنه بداية لتغليب الوطنية على القومية، وتأصيل الإقليمية في المنطقة، في الوقت الذي يجب أن تشهد فيه دول المنطقة انسجاما أكبر بينها.
وتم إطلاق شعار "الأردن أولا"، فيما كانت انتقادات شديدة توجه لأداء النقابات المهنية الأردنية، التي تعتبر أكبر مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني في الأردن، وتقع أغلب نقاباتها تحت سيطرة الإسلاميين والتيارات المعارضة. إضافة إلى انتقادات أخرى تخص أداء عدد من الأحزاب السياسية، ومن بينها أكبر هذه الأحزاب وهو حزب جبهة العمل الإسلامي.
وتتلخص الانتقادات التي توجه إلى هذه الجهات، بأنها توجه اهتمامها الأكبر إلى عدد من القضايا الإقليمية على حساب "الهم الوطني المحلي"، و أن هذه الفعاليات نظمت أنشطة، من ضمنها أنشطة المقاطعة، لخدمة قضايا إقليمية، إلا أنها أثرت على الاقتصاد الوطني للبلاد.
فيما اندفع مؤيدو الشعار، إلى التأكيد على أنه لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال دعوة إقليمية ضيقة، إنما دعوة لتقوية البنيان والصف الداخلي، وتوجيه الطاقات مجتمعة نحو التنمية الداخلية وإعادة البناء.
وجاء تأكيد العاهل الأردني على تمسكه بالشعار، من خلال الرسالة التي وجهها الأربعاء إلى علي أبو الراغب رئيس الحكومة ، ليبين أن إطلاقه له ما بعده، وأنه ربما سيكون محور الاستراتيجية الوطنية المقبلة.
وأوضح الملك عبد الله في رسالته أن شعار "الأردن أولا .. يجب أن يكون القاسم المشترك للأردنيين والأردنيات مهما اختلفت أصولهم وتباينت توجهاتهم وآراؤهم ومعتقداتهم وأعراقهم".
وحذر الملك في رسالته من محاولات تنجم "عن جهل أو سوء نية للخروج بالأردن أولا من جوهره الشمولي النظيف والسامي إلى زاوية أو جزئية ضيقة".
وفيما يبدو، محاولة استباق من العاهل الأردني لما يمكن أن يجري من أحداث في المنطقة تلقي بظلالها على بلاده، أو من ردود فعل متباينة على الشعار محليا أو إقليميا، قال في رسالته إن اعتماد هذا الشعار "يتطلب منا مواجهة كل الاحتمالات السلبية وتجنيد طاقات مجتمعنا الأهلي الإيجابية لكي يسمو على الاختلاف بالوطنية ويتجنب الخلاف بالوحدة".
وتحدث العاهل الأردني في رسالته عن "الولاءات الخارجية"، وقال في هذا الصدد إن أمن الأردن واستقراره لن يتحقق بهذه الولاءات "مهما كانت غاياتها أو أهدافها"، مع تأكيد الملك على أن بلاده فخورة بهويتها "الإسلامية وانتمائها العربي المدافع دوما عن حقوق الأمة .. رافعا لشعار الوحدة والبناء والتضامن العربي".
وأضاف الملك عبد الله يقول في معرض تأكيده على أهمية الشعار "إن الطبيعة البشرية في جوهرها تسعى إلى حماية ذاتها وإلى تطوير مستوى معيشتها لذا علينا أن ننطلق بـ (الأردن أولا) من أرضية اقتصادية واجتماعية صلبة"، وعاد يحذر من الوقوع في خطأ الشعارات السياسية المتناقضة وضرورة "الوصول إلى الصفاء السياسي بشكل عفوي ودون انفعال". رسالة واضحة وغير مسبوقة للمعارضة الأردنية وركز الملك عبد الله الثاني في رسالته إلى رئيس حكومته، على المعارضة في بلاده، ودورها، وتحدث عنها في عدد من فقرات رسالته المطولة، في إشارة إلى قناعته أن نجاح تطبيق الشعار مرتبط بصورة رئيسة بقناعة هذه المعارضة بأهميته، من جهة، ومن جهة أخرى بشعور المسؤولين في الأردن أن هذه المعارضة أضرت - إلى حد كبير - بالسياسات الوطنية للبلاد.
وطالب العاهل الأردني بهذا الصدد أن تتم عملية إعادة تقييم لبعض طروحات ممثلي الفعاليات السياسية والنقابية "ليكون الهم الأردني عندهم متقدما على أي هموم أو قضايا أخرى"، وشدد على القول إن المعارضة "تمارس دورها وقناعاتها فيما يتعلق بسياسات الحكومة وبرامجها وليس في معارضة منهج الدولة وثوابتها ولا بد أن تكون المعارضة من أجل قضايا شعبنا الأردني ومصالحه .. قبل دفاعها عن مصالح وأهداف أخرى".
واختارت رموز المعارضة الأردنية سواء الحزبية منها أو النقابية، عدم التعليق على خطاب العاهل الأردني، إلا أن مصادر مقربة من هذه المعارضة أفادت في تصريحات خاصة أن الموقف من شعار "الأردن أولا" ربما يشهد تغيرا في صالحه بعد الرسالة الملكية، التي اعتبرت أنها تحمل في طياتها العديد من العناصر الإيجابية التي يجب التوقف عندها على الرغم من تحفظ المعارضة على عدد من الإشارات في هذه الرسالة، والتي تتهم الأحزاب والنقابات بالعمل خارج مصلحة الأجندة الوطنية.
يذكر أنه لم يصدر أساسا أي موقف رسمي من الفعاليات السياسية والنقابية المعارضة للشعار، سواء في بيانات أو تصريحات، وكانت ردة الفعل ضده من هذه التنظيمات وردت عبر مقالات منفردة نشرت في بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية. هيئة وطنية (مختلطة) لمتابعة تنفيذ "الأردن أولا" واختتم العاهل الأردني، رسالته إلى رئيس الحكومة بالإعلان عن تشكيل هيئة وطنية "تحظى بدعمنا ومساندتنا وتعمل بتوجيهاتنا وتبحث في السبل وآليات العمل التي توصل رسالة (الأردن أولا).
وشملت قائمة أعضاء هذه الهيئة، التي لم يحدد رئيسا لها، شخصيات فكرية وثقافية وأكاديمية ووزراء سابقين وحاليين ورجال أعمال، من أصول ومنابت أردنية مختلفة. وتشكلت الهيئة من 31 شخصية، بينهم خمس نساء، إضافة إلى ثمانية أعضاء من أصول فلسطينية، وعضو جماعة الإخوان المسلمين الأسبق عبد الرحيم العكور.
وغاب عن هذه التشكيلة أعضاء يمثلون جماعات المعارضة الكبرى في البلاد، مثل حزب جبهة العمل الإسلامي، أو جماعة الإخوان المسلمين، أو أي من الناشطين النقابيين، الذين كانوا متواجدين في العديد من فقرات الرسالة الملكية.
وأعرب ناشط ومفكر فضل عدم الكشف عن اسمه عن اعتقاده أن الخطوة الأولى لترجمة الرسالة الملكية ستكون عبر النقابات المهنية، التي يوجه لها الاتهام الأكبر بخلط الأوراق وإطلاق الشعارات المتناقضة، مشيرا إلى انه ربما يتم سن قوانين جديدة تحاصر الدور المدني الذي تلعبه هذه النقابات حاليا.
وأكد هذا الناشط، أن بقية الفعاليات المعارضة ستتعامل في الأغلب بإيجابية مع مرحلة "الأردن أولا"، خصوصا بعد توضيح العديد من نقاط اللبس والغموض في الرسالة الملكية، معتبرا أن نقطة الصدام الوحيدة ستكون في قضية اهتمام هذه الفعاليات المتنامي بتطورات الأوضاع على الساحة الفلسطينية وتأثيراتها على الساحة الأردنية التي ستبقى موضع جدال أردني - أردني.(قدس برس)