شظايا كثيرة وامرأة واحدة

متعبة ووحيدة وتريد وصفة سريعة وسهلة للانتحار

كآبة

امتلأت الكاتبة الأربعينية اليائسة زهوا حين قال لها الطبيب إنه يعرفها، فقد سبق وأن قرأ لها كثيرا، مما شجعها للدخول في الموضوع: بطلة قصتي القادمة يا دكتور امرأة متعبة.. متعبة جدا، وأريد أن تصف لي طريقة سهلة للانتحار حتى أضمنها في القصة، طريقة سريعة وغير موجعة، أريد أن تكون معلوماتي ومصادري دقيقة وعلمية، فغالبا ينتبه النقاد لمثل هذه التفاصيل.

شرع الطبيب النفسي يتحدث وهي تكتب حتى إذا انتهى قال لها: أنا مسرور بمعرفتك وسأكون مسرورا أكثر لو أطلعتني على القصة بعد كتابتها، سأنتظر ذلك وكلي شوق لقراءتها، لكن بنفس الزهو قالت: آسفة ربما لن تحتاج بطلتي للانتحار بعد الآن.

خوف

الأختان العانسان ترتقبان رنين الجرس بقلق، تجلس الأولى على حافة الكرسي كقطة هرمة بينما تتصوح الثانية كسنبلة جافة بين جدران الغرفة.

قالت الاولى للثانية: المكالمة التي ستأتي الآن لي.. أرجو ألا ترفعي السماعة.

وقالت الثانية بلغة مضطربة كخطواتها على أرض الغرفة: الزائر الذي سيأتي الآن يعنيني أنا، قادم من أجلي أنا، أرجو ألا تسارعي إلى فتح الباب، دعيني أستقبله أنا.

لحظات موقوتة بالانتظار تتخطر على رؤوس أصابعها، رنين الهاتف ورنين جرس الباب معا، تقف الأختان وتتسارع أنفاسهما، الرنين الملح والمتواصل يخرم أعصابهما التالفة، تلتصقان ببعضهما بخوف حتى يتلاشى الرنين.

خوف أيضا

أمضت المرأة الوحيدة ثلاث ساعات تعد حقيبتها للسفر، وحين انتهت حملتها إلى حيث الباب، ولفت في البيت الهاديء تودع جدرانه وكراسيه وغرفه، قالت أكثر مما يجب عن عودتها قريبا إليه، وبكت كثيرا أيضا أكثر مما يحتمل المشهد، ضمت في غرفة النوم وسادتها إلى صدرها وتنهدت كثيرا وقالت أيضا إنها لا تستطيع الاستغناء عن رفيقة لياليها الطويلة، وحين همت بالخروج من وحدتها تركت حقيبتها عند زاوية الباب ولم تأخذ معها إلا بقايا دموع وقفت على طرف عينيها وظل ابتسامة باهتة.

بكاء

كان الرجل الدميم جدا يمر أمام بيت المرأة الوحيدة كل يوم في طريقه غلى عمله، وكانت صبايا الحارة يسقطن في ضحك لئيم متغامزات على هيئته كلما عبر الشارع بنظرة إلى الأرض وقامة منكسرة، تلك الظهيرة غمر المرأة إحساس بالبهجة على غير العادة عند موعد عودته من عمله، فوقفت عند طرف سور البيت تنتظره. وإذ مر حاني الرأس ذابل الخطى نادته: هيه أيها السيد أريد أن أتعرف إليك، تطلع إليها بدهشة وعيناه مليئتان باليأس وسقط في ضحك متواصل.

اختناق

الخاتم الوحيد الذي لبسته المرأة يوم زواجها يضغط على أصبعها كثيرا، حاولت أن تنتزعه لكنها لم تفلح، هي تدرك تماما أن ثمة ما يجعلها تتخلى عنه فغالبا ما ينشب بشعرها عند غسله وتمشيطه ويشلع معه شعرات كثيرة، ثم إنها لا تحب الذهب وفوق هذا وذاك تحس أنه يمتص دمها ويحشره عن بنصرها لضيقه الشديد، هذا كل ما في الأمر.

ذلك الصباح عندما جدلت المرأة شعرها قبض الخاتم على خصلة منه، حاولت جهدها فكه شعرة شعرة لكن محاولاتها منيت بفشل كبير، وكان الأمر يسوء بشكل مثير للحنق كلما كررت تجربة أخرى، مسكت سكين المطبخ وقطعت أصبعها وألقت به نازفا تحت أقدامها، بات الخاتم يستنزف وقتها وروحها.. هذا كل ما في الأمر.

حلم

في الغرفة الضيقة تتمدد المرأة المسنة وحيدة على سريرها، تتقلب على فراشها بجانب النافذة، تعبيء صدرها هواء باردا ثم تسعل بشراسة، تفيق صغيرة الجيران مذعورة فتهدهدها الأم بغناء هاديء، تشنف العجوز أذنها لحنو الصوت وتغفو ببراءة تشبه عزلة وليد مدلل وترى في حلمها صغيرة الجيران عجوزا بارعة في السعال وهي طفلة تتحدى إزعاجها بألا تصحو أبدا.

ضجر

بهدوء تسير في الشارع وحيدة إلا من رغبة ملحة في رؤيته ثانية، تحاول أن تلم ملامحه الأولى.. رجل وحيد مثلها، تقترب الصورة في ذهنها أكثر، مضطرب بحركاته ونحيل مثلها أيضا، تقف على درجات المقهى المفروشة بالسجاد وتلتقط مقطعا آخر من الذاكرة.. وخجول مثلها أيضا.

تصعد درجات المقهى القليلة وتسأل النادل الذي لا يتذكر أحدا عن الرجل وتجلس إلى طاولة بجانب الزجاج الممسوح بعناية وتشرب ليمونا، تلتفت إلى الشارع فتلمح رجلا وحيدا ونحيلا وخجولا يتجه إلى المقهى، عينه على الساعة ومشيته مضطربة وحين يفتح الباب في لجة غريبة ترتشف المرأة آخر الليمون وتخرج من الباب الثاني.