شرمولة الأصفر في طبعة سورية

بقلم: زياد العيساوي

بعد أن نفدت طبعة دار ليبيا للنشر - القاهرة - لصاحبها الناقد إدريس المسماري من رواية شرمولة للروائي الليبي محمد الأصفر.. صدرت الطبعة الثانية من شرمولة عبر دار الحوار للنشر - اللاذقية سوريا.
وجاءت الطبعة الثانية في 287 صفحة حيث أخضعها الأصفر في طبعتها الثانية لبعض التعديلات والتنقيحات التي ستضيف للشرمولة الكثير من الحرارة والطزاجة والإبداع بالطبع.
يذكر أن الروائي والناقد نبيل سليمان صاحب دار الحوار تعاقد مع الأصفر على إصدار كل رواياته في سوريا.
يقول محرر الدار على الصفحة الأخيرة من غلاف الشرمولة:
محمد الأصفر كاتب ليبي من طراز خاص.. يكتب ويدرك أن الكثير غير راض عما يكتب.. ورغم هذا يظل يكتب.. لأنه يعرف أن الكتابة ليست بالمهنة.. إنها روح.. ومن يعرف محمد الأصفر يدرك أنه استفاد من كل تجاربه.. وأنه صورة طبق الأصل لمسيرته اليومية في الشوارع وفي البيت.. يكتب محمد الأصفر مفتتحا شرمولته:
ورد في لسان العرب لابن منظور أن كلمة شرمولة لفظة عربية محرّفة عن كلمة ثرمولة والتي تعني ثرمل الشيء أي أعدَّه على عجل ولم ينضجه.
الشرمولة قوت البسطاء.. أكلة المصطافين على شواطيء الفرح.. أكلة فّـواحة طازجة : طماطم.. فلفل.. خيار.. بصل.. ثوم.. ملح.. مع زيت ذرة أو زيتون.
تقطّع الخضر صغيرا صغيرا.. تهرس باليد أو بكعب قـنـينـة نظيف.. يضاف المناسب من الزيت والملح والماء.. يـتواصل الهرس جيدا ليستحيل الهريس إلى اللون الطماطمي.. تـتخلله خضرة الخيار والفلفل ويُـبرقشه بياض البصل والثوم.
أرغفة ساخنة يغمسونها في الشرمولة ويكون الأمر مُبحبحا بهيجا إن كانت أرغفة تـنـّـور.
يأكلون.. يـثرثرون.. يناولون بعضهم كسر الخبز وأصابع الفلفل لراغبي الحار.. أكلة اللمّة والمودّة هي.. أكلة الحب والمرح هي.. لم آكل في حياتي شرمولة منفردا أبدا.. دائما معي آخر أو آخرين.
أحيانا نخلط الشرمولة ببعض التونة ونرمي على سطحها الخاثر حفنة زيتون.. أحيانا نـزيـنها بوريقات نعناع أو حبق أو شريحة ليمون.
الشرمولة دائما نأكلها في الصيف.. نعقبها بأبراج الدلاع والبطيخ.. بعدها نرشف الشاي المكشكش أو نتجرع المشاريب الباردة ومن ثمّ ندخن الرياضي أو نـنف.. ونستغرق في سرد الطُرف والمُلح والحكايا متجشئين خضرنا.. زيتـنا.. ملحنا.. ماءنا.. خبزنا.. هواءنا.. حامدين الله.. متأملين أفقنا الممتد.. ناسجين أحلامنا البسيطة كشرمولتـنا طعام لـّمتـنا وعنوان محبتـنا الودود.
الشرمولة قوت البسطاء.. لحم التونة والزيتون لا نضيفهما إليها إلا في الأحلام أو في أول كل شهر حيث يدغدغنا المرتب الهزيل.
أكلُ الشرمولة وفي فمي معارك.. وفي أذني عرائض وفي أنفي رائحة حريق وفي عيني دمع ذرّفـنـيهِ زفير البصل ونفاذة الثوم
الطماطم له مشكلة مع الفلفل
الخيار مع البصل
الثوم مع الزيت
الملح معهم كلهم وكلهم مع الخبز ومع اليد التي سحـقتهم في القصعة وجبة للمتبرزين.
البذور لا ترغب في الموت.. ترفض أن تطحن وتسحق وتهضم.. البذور تريد أن تـنبت في تربة غير تربة اللحم والدم.
الشرمولة قوت البسطاء.. الخضروات نسحقها بقبضتـنا أو بكعب قـنينة زجاجية فارغة.. نكبب عليها زيتا بارد الوجه وملحا أجاجا واغراً للجروح.. ثم نتذوّق إصبعنا بلذة يعلنها تلمظ الشفتين.
إن كانت مالحة نزيدها ماء
إن كانت ( صامتة ) نزيدها ملحا
وإن كانت حارّة ( تبلفـط ) فقليل من الزيت
الشرمولة قوت البسطاء
والبذور في قلوب الخضر لا يمكن تحييدها أو تجفيفها في الشمس..
الشرمولة التي خضرها بدون بذور شرمولة زائفة.. شرمولة صوبات زجاجية.. شرمولة بلاستيك ميت.. نلوكها بمضض المضض.. نلوكها من الجوع فقط.. وعندما نزدردها نشعر بالجفاف.. بالحرقان.. بالعقم والعنـّة والموت.
جاءت رواية شرمولة في 287 صفحة من الحجم المتوسط وبلوحة غلاف للفنانة الليبية آمال فرج العيادي
وكان إهداء الرواية لابنة الكاتب مهجة. زياد العيساوي - طرابلس