شرف الصحافة الضائع في قطر

"إذا بُليتم في المعاصي فاستتروا" ربما تكون هذه الكلمات أصلح ما نخاطب به العاملين في صحيفتي "العرب" و "الشرق" القطريتين، ومن ورائهما من وكَّلهما وكَّلفهما بنشر ما نشرتاه من مغالطات وادعاءات كاذبة بشأن الخلية الاستخباراتية القطرية المقبوض على أفرادها بالإمارات. فهم جميعاً وكل القطريين يعرفون أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي دولة الأمان والسلام والمحبة، وأنها وجهة الخليجيين والعرب والأجانب، يأتيها عشرات الآلاف منهم يومياً والملايين كل عام لينعموا بما فيها من استقرار وأمان ورفاه وتطور وحياة هنية وادعة.

لا شك في أن "العذبة" وأرباب عمله يعلمون حق اليقين أن دولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن أن تتجنى على أحد، وأنها لم تكن لتعتقل أي إنسان من دون جرم ارتكبه أو ذنب اقترفه. ولأن أمثال هؤلاء "الصحفيين الجدد" يأتمرون بأوامر الغرف المظلمة سارعوا إلى بث السموم والدسائس. وعلى مبدأ "ضربني وبكى، ثم سبقني واشتكى" راح هؤلاء يزيفون الحقائق ويدعون وجود "سيّاح" قطريين جاؤوا لزيارة أهاليهم فاعتقلتهم الإمارات و"عذبتهم في سجونها".

ومن باب "خلط الحابل بالنابل" تابع بعض الصحفيين والمغردين القطريين فجورهم وتخرصاتهم، فأعادوا قصة محمود الجيدة الذي حوكم مع أعضاء التنظيم السري في السنة الماضية، كما أوردوا أخباراً عن تعذيب "كويتيين"، بل موتهم في سجون إماراتية!

لقد كان هذا الأسلوب المبتذل، وما يزال، المحرك الرئيسي والسمة الأساسية للإعلام القطري، الذي تقوده قناة الجزيرة التي ترعى الإرهاب والفجور في الخصومة، والتي انكشف دورها البغيض في كل ما حدث ويحدث في منطقتنا العربية، بعدما فضحها كثيرون ممن عملوا فيها وغادروها بعد أن ضاقت صدورهم بما تقوم به قناة الشر والفتنة. ولعلنا نتذكر فضائح المكالمات الملفقة في البرامج الحوارية، وفبركة شهادات "شهود العيان" في نشرات الأخبار والذين اتضح لاحقاً أنهم لم يكونوا سوى مراسلين للجزيرة شهدوا كذباً وزوراً في اتصالاتهم. وجميعنا يتذكر استقالات عدد من المصريين العاملين فيها عشية قيام ثورة يونيو 2013 احتجاجاً على توجيه الإعلاميين وإجبارهم على الانحياز إلى طرف تنظيم الإخوان المسلمين ضد غالبية الشعب في المشهد المصري.

نحن هنا أمام حالة تستحق أن تُدرّس في مهنة الإعلام، فالصحافة الإماراتية لا تعيش خارج دولتها، ويمتلك صحفيوها معلومات عن أمور كثيرة ومنها موضوع "الخلية القطرية" الأخير، ولكنهم لا يغريهم البريق الكاذب، ولا يسعون إلى شهرة قد تعرضهم أو تعرض دولتهم للإحراج، ويتركون للأجهزة المختصة الإعلان عن تفاصيل مثل هذه الأمور في الوقت المناسب؛ لأن الأمر برأيهم يتعلق بأشخاص يفترض أنهم "إخوة" جاؤوا من "دولة شقيقة" يربطنا بها "مجلس تعاون" و"اتفاقية أمنية" فضلاً عن روابط القربى والنسب. بينما على الطرف المقابل، خرجت الصحف القطرية لتزيّف الحقائق، وتفتري على الإماراتيين زوراً وبهتاناً، بل إنها تجاوزت ذلك لتقوم بدور "وزارة الخارجية القطرية" فتحذر رعاياها من السفر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

لا تصمد أكاذيب القطريين وافتراءاتهم أمام صدق الإمارات وشفافيتها في التعامل مع مختلف الأحداث، ولعل الجميع يذكر كيف سارت محاكمة التنظيم السري في الدولة، وكيف كان ممثلون عن منظمات أهلية ووسائل إعلام يحضرون جلسات المحاكمة، بل إن الجلسة النهائية بثت عبر وسائل الإعلام، فيس لدينا ما نخبئه أو نخشى منه، وحين نتأخر في إعلان شيء ما فإن ذلك مرده إلى أمور تقدرها الجهات المختصة التي تقرر متى وأين تقول ما تريد قوله، حفاظاً على سرية المعلومات واستكمال التحقيق.

إن ما تنشره وسائل الإعلام القطرية عن قطريين وكويتيين يعذبون في سجون الإمارات، مثير للسخرية والاشمئزاز في آن واحد، السخرية لأننا نعلم أنه محض افتراء، وليس أدل على ذلك من نفي السفير الكويتي في الإمارات ما تناقلته بعض وسائل التواصل عن وفاة كويتيين في السجون الإماراتية، ما يؤكد أن هناك حملة تشويه تستهدف سمعة دولة الإمارات. أما الاشمئزاز فمرده إلى وجود متطفلين على مهنة الإعلام يحركهم "الريال القطري"، لا يقدرون عواقب الكلام ومسؤولية الصحفي تجاه مهنته، ويسيئون إلى هذه المهنة أيما إساءة.

اليوم أو غداً، سيخرج القطريون ليقولوا لنا كلاماً بتنا نحفظه عن ظهر قلب، مفاده أن هذا ليس كلامنا الرسمي، وإنما هو الإعلام، وأنتم تعلمون أن حرية الإعلام والصحافة مقدسة لدينا، ونحن لا نستطيع أن نمنع صحفياً من التعبير عن رأيه، أو نمنع مواطناً قطرياً من التغريد على مواقع التواصل الاجتماعي.

كلام ممجوج سمعناه كثيراً في السنتين الماضيتين، وصار تكراره مملاً يصيبنا بالسأم، فكلنا يعلم أن "صبيان الإعلام" هؤلاء، ليسوا سوى دمىً تحركها الغرف المظلمة، ينحون متى أرد أسيادهم، ويسكتون متى شاؤوا، يرون ما سُمح لهم برؤيته، ويغضون النظر عما لا يحق لهم رؤيته، يضخمون صغائر الأحداث، ويقللون من أحداث كبرى، "يُمنتجون" ويزورون، ويزيفون ويفبركون، لا يهمهم إن مات ألف برئ هنا أو عشرة آلاف هناك، المهم أن يقولوا "الحقيقة" في منبر "من لا منبر لهم".

هذا هو ديدن "الإخوة" في قطر، والأمر لا يقتصر على الإعلام، بل إنهم اتبعوا النهج ذاته في تبريرهم ما قام به القرضاوي داعية الشر والإرهاب ومُريق دماء المسلمين. فكلما نفث القرضاوي سمومه قالوا: هذا عالم ورجل دين كبير ورئيس اتحاد علماء المسلمين، لا يأتمر بأمرنا، ولا يملي أحد عليه ما يقوله. غير أنهم عندما أسقط في يدهم وجدنا القرضاوي يُمنع من خطبة الجمعة بسبب "الرشح والإنفلونزا" اللذين باتا المسوّغ الثابت لغيابه عن منبره، فيا لهذا "الرشح" الذي يدوم شهوراً!

كنا نود لو قرأنا في الصحافة القطرية وقناة الجزيرة التي لها عيون في كل مكان في العالم، وتعرف ما يجري في الغرف المغلقة، كنا نود لو رأيناها تورد، ولو خبراً عاجلاً، عن تظاهر المئات من الحقوقيين والناشطين أمام مبنى الأمم المتحدة في جنيف منذ أيام تضامناً مع الشاعر محمد بن الذيب العجمي. أو تورد أخبار المعارض القطري خالد الهيل الذي تمكن من الهرب من الدوحة وعقد مؤتمراً صحفياً بالقاهرة بعد إلقاء القبض على زملائه في المعارضة ومنعهم من السفر. كما سبق وتمنينا أن يخصص الإعلام في قطر أخباراً لستة آلاف قطري من قبيلة المرة سحبت جنسياتهم وطردوا من بلادهم في نزوة فاجرة لشخص ناقص الدين والمروءة، سلطه الله على رقاب المسلمين في قطر فلم يراع فيهم ديناً ولا ذمة. كنا نود أن نرى ذلك كله في وسائل إعلام قطر، حتى نصدق ولو للحظات إن هناك حرية إعلام وصحافة في قطر، ولكن حلمنا هذا ضاع هباء، مثلما ضاع شرف مهنة الإعلام في قطر.