شراكة عربية ناضجة

هل هناك منطق يحكم الصراع الدامي في الشرق الأوسط؟

الإجابة على هذا السؤال الشائك تقتضي من ناحية، فهم ومعرفة عميقة بأسباب ونتائج ثورات الربيع العربي التي استغلت كحصان طروادة لتأجيج الصراع الطائفي والعرقي في شتى دول الإقليم، والوصول بالمنطقة للحظة استسلام غريبة ومريبة للقوى المتربصة بها من ناحية أخرى.

من المعلوم أن كل قوة إقليمية تسعى لتحديد مناطق نفوذ تتبعها، أو لا تخرج عن الخطوط العريضة للمخرجات النهائية التي تأمل أن تصل إليها. لكن المفارقة الصارخة كانت في انتشار ثقافة التيارات والتنظيمات الإرهابية التي تعمل على مستويات مختلفة لتأجيج الصراع والنفوذ الطائفي والجيوسياسي- مع محدودية البدائل لمعالجة جذور صعودها نظرا لارتباطها بمخططات كبرى تتعدى المنطقة، فضلا عن أن طرق ووسائل التصدي لها- تنقصها الخبرة الكافية للمضي قدماً نحو شرق أوسط آمن ومستقر، شرق أوسط عربي يحظى الإنسان فيه بالحرية والاحترام والكرامة.

لذلك أعتقد بلا مواربة أو طنطنة جوفاء، أن المواجهة الحاسمة والصارمة للانقلاب على الشرعية في اليمن مثلت في تقديري، تطورا جديدا ولافتا، إذا ما تم وضعها في إطارها التاريخي الصحيح، لأنه تطور يفتح أبواب الأمل لدى الأمة، ويعزز ثقتها بأن انتصارها على مشروعات الفوضى والتفتيت، مرهون بوحدتها، وأنه حيث توجد شراكة مصرية سعودية وإماراتية مؤسسية وقادرة على رص الصفوف ومواجهة المخاطر والتحديات. فلن يكون هناك مجال ولو محدود، تتسرب منه دعوات اليأس والتراجع والانكفاء.

وفي هذا السياق، فمن الطبيعي والمنطقي أيضا، أن تتفاوت التقديرات، والتوجهات في تفسير ما يجري الآن في المنطقة، إلا أن ما يضعفنا هو غياب الخيارات المدروسة في التعامل مع المتغيرات المختلفة، خصوصاً أن ظاهرة الإرهاب مثلا، لم تعد محصورة في حدود جغرافية معينة، حيث هناك جيل من المهاجرين في أوروبا بات هو أيضاً مستهدفاً بالتغرير ونشر نزعات العنف والتطرف، وهو ما يحير كثيرين في الغرب لكون بعض الجيل الثالث هو المنجذب الآن للفكر المتطرف.

واللافت للنظر في هذا السيناريو لتفسير الوضع في المنطقة، هو التفاوت في التقارب والتعاون المبني على تحالفات الموقف، والتحول السريع لتحالف آخر بينما ما يزال التحالف الأول قائماً والدخول الجماعي عربياً وإسلامياً لساحة البرجماتية السياسية المحضة، وحلول مصطلح التعايش تدريجياً كبديل شرعي بدلاً من التعاون، ومن شيطنة غير مبررة تسوق له الأعذار والمبررات وتصفه بالصديق في متغيرات الحسبة الإستراتيجية غداً. ولذلك ترى الصفقات والاتفاقيات التي تغيرها الحكومات باستمرار حتى وفق المصلحة الشهرية ضرورة ملحة في سباق الرمزية والدلالات السياسة المفتوحة واتخاذ ما تراه مناسباً لتحقيق أمنها الداخلي، وإنْ كنت أؤمن بأن الأمن الداخلي يبدأ من آخر نقطة ليس في حدود الجار فقط بل أقرب جيرانه المتاخمين.

وفي الحاصل الأخير فإن منطقة الشرق الأوسط تمر بتغييرات جذرية عديدة قد لا يكون بعضها ملموساً أو مرئياً في مكوناته وبنيته الأساسية، ولكن تأثيرها سيرسم خريطة جديدة للمنطقة قبل أن يفعل ذلك الآخرون، وهو ما يغفل عنه الكثير من صناع القرار في حروب مذهبية واستعمارية ناعمة ستستمر لعقود من الزمن بشكل أو بآخر، وترهق الجميع مع تهميش الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث إن اللاعبين الدوليين والإقليميين، لديهم أولويات أكثر إلحاحاً بكثير، فأزمة الصراع العربي - الإيراني، ومشروع الفوضى الخلاقة، والنزاعات حول مصادر الماء والأمن الغذائي وتأمين الحدود والممرات المائية الحيوية، كلها أمور قد لا تدع مجالاً في عقل صناع القرار السياسي الإستراتيجي العربي للتفكير خارج حدود دولته والتقوقع داخلياً إن صح التعبير لإحداث الموازنة بين التنمية والنمو وتأمين وجوده وتلبية احتياجات المواطن الأولية.

وأخيرا.. أعتقد أن سوء الفهم ما زال قائماً على رغم كثرة المحاولات الرامية لإيجاد أرضية للتفاهم بين مختلف الدول والشعوب، وبالطبع تتحمل جميع الأطراف المسئولية، إلا أننا كعرب ربما لا ندرك أننا نحن كمجتمعات هم من يتحمل المسئولية، ولو بصفة غير مباشرة.