شذوذ القاعدة

بقلم: عمر الكندي

المتتبع لمسار تنظيم القاعدة منذ ظهوره وحتى اللحظة لا يختلف مع أنصار القاعدة أو مخالفيها على حد سواء في توغلهم بدماء الأبرياء، أكانوا مسلمين أم كفار، وهذا في حكم المؤكد التاريخي، فلو رجعنا إلى الوراء لرأينا كيف استحلوا دماء علماء ودعاة مسلمين فضلا عن عوام المسلمين. وحتى لا يتهمني قارئ بانحيازي وعدائي للقاعدة فسأسرد بعض الوقائع علها تكون شواهد دامغة على شذوذ القاعدة والتي تعكس صورة سلبية على الجهاد والمقاومة.
فقد استحلت القاعدة دم الشيخ محمد السعيد وعبد الرزاق رجام وهما محسوبين على تنظيم الجزأرة في الجزائر وقتلوهما بدم بارد لا لكفر بواح نطقا به، ولكن لمخالفتهما لهم بعض المسائل. وإذا ما انتقلنا إلى العراق فقد قتلوا طائفة من أبناء السنة بحجة مشاركتهم في الانتخابات الأولى وقد نُشر الخبر حينها في مواقع إسلامية وليست علمانية أو ليبرالية ومن هذه المواقع على سبيل المثال لا الحصر موقع مفكرة الإسلام وموقع المختصر، كما نقلت هذه المواقع تحالف أغلب فصائل المقاومة العراقية الإسلامية والوطنية ضد القاعدة لما تحمله من شذوذ فكري وأدبي، وفي اليمن والسعودية طالت اغتيالاتهم ضباطا وجنود موحدين يشهدون ألا اله إلا الله، وفي نيجيريا طالت اغتيالاتهم بعض العلماء لنفس السبب الذي اغتيل بسببه الشيخين الجزائريين، وفي فلسطين أعلن الناطق باسم حماس أنهم وراء محاولة تفجير منزل رئيس رابطة علماء فلسطين بغزة، و جملة من الاعتداءات ضد مقاهي إنترنت ومدارس أجنبية.
ولعل بعض المدافعين يحاجونّا بعدم رضى قيادة القاعدة عن هذا الدم المستباح باسم الجهاد وقد يستدلون على إنكار أيمن الظواهري لأبي مصعب الزرقاوي سفك دماء شيعة العراق، والذي اعتقده أن هذا الإنكار لم يكن حرصا و غيرة على دماء الشيعة بقدر ما كان طلبا لإبقاء الهدنة المعقودة بين القاعدة وإيران، وإلا لماذا لم ينكر أيمن على فرعهم في السعودية أو اليمن قتل الأبرياء سواء كانوا من العسكر أو من المدنيين، وإذا ما دافع البعض الآخر عن طبيعة النظام في القاعدة ولا مركزيته فهذا عذر أقبح من ذنب، فالقيادة عندما تعطي الصلاحيات إنما تكون ضمن خطوط عريضة فيها الأحمر وفيها الأخضر ولا يمكن ترك المجال مفتوح لأخطاء فردية – هذا إذا سلمنا أنها فردية- تحت مظنة اللا مركزية.
***
المستقرئ للقاعدة يرى شذوذا واضحا في بؤر الصراع التي يصنعونها، فنراهم ينشطون في السعودية مع علمهم الكامل أن السعودية تعلن تطبيق الشريعة وتتبنى الخطاب الإسلامي، ولم يعد فيها قواعد أجنبية ويتركون بلادا أخرى مجاورة تسكن فيها عدة قواعد عسكرية أجنبية وتعلن تطبيق النظام العلماني وتجهر به، وللقاعدة أتباع فيها، وإذا ما قلنا أن الوضع يختلف فيها فلماذا تُترك إيران وهي التي ساعدت أميركا على دخول أفغانستان والعراق كما أعلن قادة إيران أنفسهم، مع توفر الدعم اللوجستي للقاعدة انطلاقا من الحدود المشتركة فيما لو أرادت القاعدة إعلان الجهاد على إيران كما أعلنته على غيرها.
وفيما طالعتنا أخبار الجمعة 14-8-2009 بإعلان القاعدة إمارة إسلامية في غزة المحاصرة وإعلان قائدهم عبد اللطيف موسى هذه الإمارة والذي نقلت الفضائيات إعلانه صوتا وصورة كما نقلت تحديه لحكومة حماس وإعلانه الاستعداد لقتالهم وهو ما شاهده الملايين، يبقى السؤال لماذا في غزة تحديدا وليس في رام الله أو بيت لحم ولماذا في هذا الوقت بالذات بعد مؤتمر فتح، ولماذا لم توجّه أسلحة هذه الجماعة ضد اليهود، وكونها نفذت ثلاث عمليات كانت على خيول عربية، يعد استخفافا بعقولنا إذ الأولوية لقتال اليهود وليس حماس طالما بقي الاحتلال، وهذا يضع ألف سؤال وسؤال عن دوافع القاعدة وحقيقة أدوات التحكم الرئيسة في السيطرة الهرمية لفروع القاعدة الجغرافية، وحجم الاختراق الدولي لها وطبيعة تلقي الأوامر، حيث رأينا مباركة القيادة المركزية لإعلان إمارة العراق الإسلامية والذي لقي استهجانا واستنكارا من أغلب الفصائل الجهادية في العراق ومن مشائخ يُعّدون من منظري القاعدة، والذي ثبت مع الوقت أنه أضر بالقضية الجهادية في العراق أكثر مما أفادها.
ويبقى السؤال لمصلحة من تعمل القاعدة، فلست من ضحايا هوس المؤامرة ولكن هناك قطعا جواب. فإذا كان إعلانهم لإمارة إسلامية في العراق قد ثبت فشله وألّب عليهم الفصائل العراقية المقاوِمة والعشائر فكيف يكررون نفس الخطأ في غزة، إلا وهناك أجندة مبهمة على سلم مهامهم تحمل اكثر من علامة استفهام، حيث أن إعلان إمارة إسلامية في غزة ليس مواتيا لا من حيث الظرف السياسي ولا الشرعي وهذا ما يجلعنا نؤكد على أن هناك تداخلا في توظيف أتباع القاعدة إقليميا ودوليا.
***
حقيقة ارتباط جند الله في غزة بالقاعدة تنظيميا لا يمكن إثباته بقدر ما نستطيع أن نؤكد أن الانتماء فكري بالدرجة الأولى وهلامي تنظيميا، حيث درجت القاعدة على تبني مثل هذه التنظيمات القطرية التي تعلن مبايعة الشيخ أسامة والاندماج في القاعدة كما حصل مع التوحيد والجهاد في العراق، والقاعدة في المغرب الإسلامي، والجماعة المقاتلة في ليبيا و حركة الشباب المجاهدين في الصومال، ولا شك أن إعلان جند الله في غزة الانضواء تحت لواء القاعدة قد تقاطع مع مصلحة القاعدة بإيجاد فرع لها في فلسطين يخفف من الملامة عن تقصير القاعدة في قضية المسلمين المحورية ويعطي المبرر لتلميع الصورة الذهنية للقاعدة بعد أن خفت دورهم في العراق نتيجة أخطاء فادحة أدت إلى تأليب المقاومة والعشائر ضدهم، وهو ما يتكرر في غزة اليوم وكأن الدرس قدر اندرس، ولم يُستفد من التاريخ القريب، ولذلك لا يمكن إعذار القاعدة بما تقوم به الجماعات المنضوية تحت عباءتها بحجة عدم تحميل القاعدة مسؤولية أعمال غيرها، إذ لم يعد هذا الفصيل من الغير بعد إعلانه الانضمام والمبايعة العلنية وعدم صدور نفي من القاعدة في بعض الحالات وفي الأغلب تكون المباركة أسرع من البرق كون التنظيم يسعى للتوسع الجغرافي على حساب الفكري، ولذا تتحمل القاعدة كامل المسؤولية عن الأعمال الطائشة وغير الشرعية لفروعها في غزة والمغرب والعراق والسعودية واليمن وغيرها من البلدان، كما تتحمل مسؤولية تشويه صورة الجهاد والمقاومة ونقلهما من ميدانهما الحقيقي حيث العدو، إلى ميادين داعمة للمقاومة ماليا وشعبيا أو على الأقل مناصرة له وغير معادية وهذا تحديدا سبب الخلاف بينهم وبين الشيخ الحكيم عبدالله عزام والذي رفض رفضا باتا نقل المعركة من ميدانها الأصلي إلى ميادين وهمية ولذا اُستهدف في وقت مبكر ولم يُستهدف أيمن أو أسامة لأنه كان يقف حجر عثرة عن استخدام المجاهدين أدوات بيد المخابرات الدولية، حيث أدرك في وقت مبكر هذا التسلل الخبيث والذي للأسف سمح به قادة القاعدة الحاليين إما لعدم إدراك بالواقع أو حماسة في غير محلها أو جزء من طيش أيمن الظواهري والذي جر معه أسامة ابن لادن مع اختلاف طبيعة الرجلين، ولكن الكلمة الأخيرة أصبحت للظواهري. عمر الكندي