شبح إيران والخرافة العربية

تبدو اسرائيل مذعورة في مواجهة ما يمكن أن ينتج عن اتفاقية النووي الايراني.

من المؤكد أن ذلك الذعر هو تعبير استباقي عما لا ترغب اسرائيل في مواجهته اقليمياً: توازن الرعب. فايران نووية، حتى وإن كانت صديقة لاسرائيل (وهو وضع افتراضي) لن يكون وجودها مريحاً، في منطقة قلقة عادت مرة أخرى لتكون موقع أطماع للدول التي تحيط بها، والتي تقف ايران في مقدمتها.

لقد اخترقت ايران العالم العربي، وهو ما صار الغرب كله ينظر إليه بتقدير مشوب بحذر يستمد مشروعيته من شكوك في مصداقية النظام الايراني في الحفاظ على المصالح الحيوية الغربية في المنطقة.

وكما يبدو فان تلك العقدة قد حُلت وهو ما جعل ذلك الاتفاق ممكنا. وهو ما يمهد بدوره لمواجهة اسرائيلية ـ ايرانية لن تكون بالضرورة عسكرية، وهو ما يحيطه الساسة الاسرائيليون بقدر عظيم من الاهتمام.

ولكن أبهذا اليسر تجاوز الغرب (الولايات المتحدة بالتحديد) أصدقاءه العرب؟

تاريخياً فان العلاقات العربية ـ الايرانية كانت سيئة دائماً. ايران الخمينية لم نكن بالنسبة للعرب أفضل حالاً من ايران التي كان الشاه قد جعل منها شرطي الخليج، وكان الغرب يومها حاضراً بقوة.

فبعد سقوط نظام الشاه عام 1979 لم يتبن الايرانيون القادمون هذه المرة بعباءات وعمائم اسلامية بشكل جاد سياسة تستند إلى مبدأ تحسين علاقاتهم بالعرب. كان لديهم ما يقولونه دائما عن القواسم النضالية المشتركة (ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية بالتحديد) وعلاقات حسن الجوار التي لا تخفي حساسيتها ازاء البعد الطائفي، غير أنهم عمليا كانوا يفعلون دائما ما يؤكد رغبتهم في احتواء العالم العربي تدريجيا والتهام اجزاء منه من خلال السيطرة السياسية المباشرة عليها أو على الاقل ترهيبها.

كانت عقدة شرطي الخليج لا تزال تقف حائلا بين ايران وبين انتقالها إلى ما يمكن أن يقتضيه الوضع الطبيعي (تاريخياً وجغرافياً) باعتبارها جارة طيبة.

ولكن ايران لم تكن يوما من الايام جارة طيبة، ولم تقدم ما يشير إلى أنها تنوي أن تكون كذلك في المستقبل في مواجهة عالم عربي كان يتداعى، وينقسم على نفسه، مثيرا الكثير من الغبار من غير أن ينجلي ذلك الغبار عن ظهور قوة اقليمية يكون في إمكانها أن تتصدى لأطماع القوى المحيطة بها وبالأخص الاسرائيلية والايرانية.

كان الغرب وهو يعقد صفقته مع ايران لا يفكر إلا بضمان أمن اسرائيل التي هي ليست جارة مباشرة لايران، أما ضمان أمن الدول العربية المجاورة لايران فلم يتطرق إليه أحد. فكان ذلك السكوت مثيرا للكثير من التساؤلات المريرة التي عبر عنها التململ السعودي الذي ما كان في إمكانه أن يتخطى حدود الاستياء.

ألا يعني ذلك السكوت أن ايران قد نجحت لا في الحفاظ على برنامجها النووي، حسب بل وأيضا في اقناع الغرب بالتغاضي عن ابتلاعها لأجزاء من الوطن العربي، يقف العراق في مقدمتها؟

لقد هوى العالم العربي إلى جحيم ثورات ربيعه، متراجعا بنزعة تدميرية إلى مرحلة ما قبل الدولة في الوقت الذي كانت فيه ايران تعزز من نفوذها في العراق وسوريا ولبنان بطريقة معلنة وفي أماكن أخرى من العالم العربي عن طريق شبكاتها وعملائها ومريديها.

وهو ما يعرفه الغرب جيداً لذلك لم يكلف نفسه عناء استشارة العرب في الموضوع الايراني، بل أنه يحرص على استشارة ايران في المشكلات العربية.

وهو ما تعرفه اسرائيل أيضاً، وهي التي نجحت أخيراً في انشاء قواعد استخبارية آمنة في غير مدينة عربية، لذلك صارت تتصرف باعتبارها جارة مباشرة لايران.

وبهذا فان ايران لم تعد اليوم مجرد شبح يخيف العرب، بل صارت موجودة بقوة نفوذها في المنطقة من وجهة نظر الغرب الذي اشبع العرب خرافات عن صداقته الاستراتيجية.