شبحُ الهوية المفقودة وكُتّاب الحرب السورية

الكاتب الصادق والمخلص لما يكتبه هو سلفاً يقدّم لنا الكارثة من منظور الخوف على ما سيأتي.


أدب الحرب السورية في معظمه لا يعبر عن روح الحرب


أدب هذه المرحلة يبدو حائراً كما السوريون، لا هوية له

علاقة الأدب بالحرب قديمة قدم التاريخ الإنساني، وما تلك النقوش والرسوم على جدران الكهوف الأولى للسكن البشري إلا شاهداً حيّاً لطبيعة الحياة الإنسانية القائمة على العنف والصراع الدموي والتي لا يمثل وجهها الحضاري المسالم إلا استراحة محارب.
ولما كان من الصعب بمكان إحصاء الأعمال الأدبية التي كُرست لهذا الموضوع من (الإلياذة والأوديسة) للشاعر اليوناني هوميرس التي تحكي قصة حرب طروادة مروراً بالروايات التاريخية عن حروب المسيحية والقرون الوسطى في أوروبا التي جسدتها رائعة سيرفانتس (دون كيشوت) ساخرة من عته المتحاربين ومتنبئة بزوالهم، ورواية (الحرب والسلم) لتولستوي والتي توازيها في تلك الحقبة أدبياً (الأحمر والأسود) لستاندال والذي كان مقاتلا شرساً في جيش نابليون حيث يسخر بشكل لاذع من الاستعدادات العسكرية المحصنة بالمقدس المتحذلق. 
هذا الموجز لروايات تاريخية تختلف عن روايات ما بعد الحداثة التي حاكت إشكالية الموت، فالأدب هنا أشبه بالانتحار كونه يطرح أزمة الوجود والعدم حول كيفية أسر هذا الموت/التناهي، وهنا يبدو الأدب السوري كمن يبكي راقصاً على أجساد قتلاه. 
ولأن الهوية (بداهة) تُعاش في الكون الاجتماعي في أوقات السلام، بينما في الحرب تستعمل في الكون الطائفي استعمالاً مغرضاً لإثارة الضغائن والأحقاد فتصبح قاتلة حسب تعبير أمين معلوف، لذالك نرى فيما أنتج كتابياً أثناء سني الحرب السورية أن هناك فائض هوية لم يجد الأفق الملائم لتجربة الذات التي تؤسسه وبالتالي كانت لدينا هويات تتواجه، لا ذوات تتواصل. 

لا نشهد نفاذاً لعمق النفس البشرية في المجتمع بل صناعة أشباه لدمى المراثي والملاحم التي تظهر من بطن الحرب

هذه المقدمة أراها مدخلاً لهذا التحقيق الذي أعكف فيه محاولة استخلاص سمات لأدب الحرب القائمة في سوريا منذ تسع سنوات كونه يكتب عن الألم كتعبير عن أزمة وتعويض بقي في إطار التسجيلي الوصفي بأغلبه أشبه بمهمة المراسل الحربي، والاصطفافي بالمعنى الأيديولوجي ليخرج لنا أدباء محاربين يبدون كما الحمقى الذين وصفهم شكسبير في مسرحية "الملك لير" فالأعمال الأدبية التي كتبت خلال فترة الحرب القائمة حتى اللحظة كانت متسرعة ومكتوبة تحت وطأة الصدمة أقرب لمدونات السير الذاتية بعيدة عن ماهية الحرب، ولربما نجحت بعضها فيما يمكن تسميته "مآلات الغد السوري" كنوع من استشراف لحلولٍ ما تصلحُ لأن تكون ملائمة لطبيعة هذا البلد، فأيضاً برأيي ليس على الكاتب ذلك بالمعنى الإلزامي، فهذا عائدٌ له كخيار أدبي وأسلوب روائي. 
الكاتب الصادق والمخلص لما يكتبه هو سلفاً يقدّم لنا الكارثة من منظور الخوف على ما سيأتي. هو يجعلنا نشعر بطعنة الندم لكيلا تصبح البلادةُ وعدم الاحساس بالخطر لما يحدث في هذي البلاد هي الشيء الطبيعي والمعتاد. "لكي لا نستخفّ بأمورٍ نعتقدها غير ذات قيمة وهامشية، فيما هي من دون أن ندري تشكّل حياة بأكملها" كما يذهب الصحفي والكاتب جواد العلي. 
ولعلّي أشير هنا إلى ثلاثة نماذج نشرت خلال الحرب يمكن أن تكون مثالاً على فكرتي الأخيرة، وهي: رواية "اختبار الندم" لخليل صويلح، والكتاب النثري "أشباح منتصف النهار" للدكتور عابد اسماعيل، وكتاب هو مجموعة نصوص نثرية وشعرية لكتّاب شباب سوريين صدر كطبعة خاصة عن مقهى زرياب بعنوان "متحف الأنقاض/نصوص الحرب والعزلة" التي نقرأ فيها توهجات فنية عالية.
فيما انصرفت أخرى إلى حالات مفردة مثل رواية (طابقان في عدرا العمالية) لـ صفوان إبراهيم دون بعد ملحمي لتخرج من همها الإنساني العام وتضيع في لجة الصراع كأداة ترويجية ودعائية كما يقول الكاتب والناقد الأدبي بديع صنيج أن "أدبهم لم يبلغ النضج المطلوب للوصول إلى درجة أدباء على الرغم من أسماء بعضهم كبيرة، كما لم يبلغوا النضج المطلوب لاسيما أن موضوعة الحرب لا تزال على النار" ما أدى حسب رأي صنيج إلى "أجنة مشوهة وولادات قبل أوانها". 
ويضيف إلى أن "التخندقات السياسية دفعت إلى الواجهة الإيديولوجي على حساب الفني وبالتالي نراهم يتعاملون بمفهوم (التريند) لا أكثر، كما هو الحال في مقاييس الميديا الحديثة وبالتالي زيادة جمهورهم" والكلام أيضاً لبديع صنيج. 
يكمل في هذا الوصف السلبي لأدباء الحرب السورية الشاعر والكاتب الصحفي السوري المقيم في ألمانيا إبراهيم حسو، والذي يذهب بعيداً في الربط بين فكرة الأدب والثورة معتبراً أنهما في حالة "عدم وجود" ويتابع "أنه من الممكن أن نقرأ نصاً خارجاً من الحرب لكن صاحبه عاش ويعيش في أوروبا وبالتالي يفقد جزءاً كبيراً من مصداقيته فهو لا يعرف ما يجري بل يتابع من خلف شاشة تلفازه فحسب" مؤكداً أنه يؤمن بمن يكتب من الداخل، الذي يحتمل شظف العيش وتهديد الموت، وأن "ما كتب لا يصل لـ يصنف ك أدب حرب ولا يقترب من قبحها" .
في السياق ذاته يخبرنا الشاعر والكاتب السوري محمد دريوس المقيم في فرنسا أن "أدب هذه المرحلة يبدو حائراً كما السوريون، لا هوية له" وأنه "يمكن أن تقرأ روائياً سورياً يكتب بلغة شعرية، وشاعراً يستخدم السرد، وسياسياً يتكلم بلغة جاهلية"، فالأدب في سوريا كما يعتقد دريوس "افتقد ليكون أدباً منذ ما قبل الحرب أو سورياً بمعنى الهوية المؤسسة للذات" ليس ما فيه ما يُدهش أو يهز. 
ويكمل مستشهداً "عرفنا من روايات خالد الحسيني الكثير من تفاصيل الحياة الأفغانية، وسمعنا بأسماء قرى كولومبية من أدب ماركيز بينما لا يزال الأدب السوري يجري في كل مكان إلا سوريا". 

هذا التغرب والبعد المكاني للأدب جعلت كثيراً منه مجرد تمارين سطحية كونه لم ينفذ إلى عمق الحاصل السوري مكتفياً بالحياء والرقص على الهوامش والتطهر أرسطوياً هذا يبدو جلياً في نماذج كالمجموعة القصصية "عتبات على شرفات الريح" للقاص علي الراعي، أو في رواية "إيميسا" لهلا أحمد علي. هنا تبرز الشخصية السورية المازوشية التي لا هم لها سوى تقليب المواجع واستثارة القارئ بغية التكسب من مخزون الألم المتنامي يوماً بعد يوم وإن كانت تحمل بذوراً لاستيقاظ الأسئلة المؤجلة من الناحية الفكرية حول الطائفية والديمقراطية وغيرها، ولذالك رغم غياب "البعد الاستشرافي" نلحظ معجماً جديداً وصورا جديدة بسبب جدة الحدث لا غير.
وختاماً يمكننا أن نخلص من خلال هذا التحقيق الموجز حول الأدب السوري خلال الحرب فهو: 
أولاً: لا يرقى لأن يكون تسجيلاً لانه بمعظمه منحاز لمراكز القوى بينما يفترض في التسجيلي أمانة الوثيقة" والحياد.
ثانياً: لا تزال الكثير من القضايا لم تحسم في رؤوس الكتاب فهم حسب تعبير الكاتب محمد دريوس "لا زالوا يبحثون عن شرعية الكتابة ومبرراتها، شرعية استخدام الشتائم والمفردات العارية".
ثالثاً: إن مفاعيل الحرب أدبياً لا يمكن أن تظهر قبل عقدين من الزمن فيتجرد الكاتب كما يقول بديع صنيج من "النزعة العاطفية والرغبة الانتقامية" هدفها خلق بطولات أسطورية تصلح لأن تكون قصصاً للتسلية حيث تفتقر النصوص الأدبية المثيرة للشفقة، فهؤلاء حسب وصف صنيج لم يكونوا أمناء في تجسيد صورة الكارثة لأن ذهنية العشيرة والأخذ بالثأر – أدبياً - هي المسيطرة وبالتالي عدم النظر للأدب كقيمة إبداعية بقدر ما هو مصدر ترزق على كافة الجبهات.
رابعاً: أنه أي الأدب لا يعبر عن "روح الحرب" فنقرأ بعض مشاعر الأسى لتلك الفظائع، الأرواح التي أزهقت، الدم الذي يسيل دون التوغل في جذر المأساة فتُرسم صورة نمطية عن "التراجيديا الوطنية" كونهم أي الكتاب معبأين أيديولوجيا، وبالتالي منطقياً لن نشهد نفاذاً لعمق النفس البشرية في المجتمع بل صناعة أشباه لدمى المراثي والملاحم التي تظهر من بطن الحرب.
إننا إذ نفهم الأدب كاستجابة لحالة قصوى من الألم الوجودي الناتج عن الحرب يمكننا أن نقول أخيراً "حين ترى إلى ساعة في معصم لم يبق منه سوى عظم الرسغ، أو حذاء جلدي احتوت بعض سلاميات أصابع قدم بشرية، أو حين ترى إلى دمية باربي بقربها شال وشعر أسود مترباً وهيكل عظام صغيرة كلّها بثوب بال وبقيت الأزهار الزرق منقوشة على قماشه الوردي، ستخمن أنها "فتاة في العاشرة من عمرها، وإنك في مقبرة جماعية".