شاي الاخوّة وتقاطع الديانات والثقافات

افاقت فرنسا على يوم جديد، يوم استذكرت فيه واقعة الهجوم على صحيفة شارل ابدو والهجوم على المتجر اليهودي، هو يوم آخر يحمل فصلا جديدا من ازمة الارهاب الذي اوجع فرنسا وهزّ طبقتها الحاكمة وانزل شعبيتها الى ادنى المستويات حتى صعد اليمين المتطرف نسبيا على وقع تلك الازمة وتداعياتها لكن بالمقابل كان هنالك شعب بأكمله تعداده بالملايين يطل من النوافذ في ازمة وجود قلّ نظيرها، هو شعب المهاجرين الذين تختصر ضاحية سان دوني البارسية وقائع ايامهم.

هو شعب المهاجرين القدامى منهم والاجيال الجديدة الذين خرج من بينهم الارهابيون الذين ضربوا فرنسا فضلا عن قسم آخر ما زال يحارب في سوريا وفي العراق، ولهذا تجد السلطات الفرنسية نفسها في وضع لا تحسد عليه في استقصاء الظاهرة لتجد ركاما هائلا يمتد لعقود من الاهمال والتهميش الذي اصاب الضواحي الفرنسية مما جعلها مرتعا خصبا لكل اشكال الجريمة حتى طالبت الوزيرة الفرنسية سيغولين روايال يوما الى انزال الجيش الى بعض الضواحي الخطيرة بعدما عجزت قوات الشرطة المحلية من السيطرة عليها.

الضواحي التي يعاني قرابة نصف سكانها من البطالة هي التي انتجت جيلا عنيفا كان قد تحدى السلطات واحرق وخرّب ابان حكم الرئيس السابق نيكولا سركوزي وهو الذي ينتج اليوم المتطرفين والارهابيين، فما الحل يا ترى؟

ينادي الرئيس الفرنسي بأمرين: هيكلة تلك الضواحي مترامية الاطراف والاكثر كثافة سكانية من جهة وتطبيق اقصى قوانين الطوارئ الرادعة في نفس الوقت من جهة اخرى، وكأنها ملامسة متأخرة ومضطربة لوضع بالغ التعقيد لا يزيده ارتفاع منسوب العنصرية الا تعقيدا.

في وسط هذا تدرأ الجاليات المسلمة في فرنسا التهمة عن نفسها ما استطاعت حتى فتحت مساجدها من اجل ما عرف بشاي الاخوة، واحتسى وزير الداخلية الفرنسي كازنوف شيئا منه وهو يتفرس في وجوه الائمة والخطباء من حوله ويخاطبهم بلسان فصيح: مطلوب منكم ومن عموم المسلمين في فرنسا الكثير خاصة في هذه المرحلة.

وكأنه يخبرهم بما يعلمونه سلفا ويقلقهم يوميا: ان ادرؤوا التهمة عن انفسكم وعن جاليتكم.

لكن القصة تتعدى حدود تلك الدعوة لشرب الشاي الى التقاطعات المريرة ما بين عالمين وثقافتين ورؤيتين، فالنظر مليا في اشكالية الهوية والثقافة والانتماء تظهر ان لا مزيد من حفلات شاي الاخوة قادرة على ايجاد حلول لها، ولا المزيد من صلاحيات الطوارئ قادرة على انشاء جالية مندمجة حقا في المجتمع بالسرعة التي تتوخاها حكومة اليسار برئاسة هولاند، فالتراكم السابق من الاقصاء والتهميش زادته تعقيدا النظرة الطبقية التي ترى تلك الجالية مجرد منبوذين وعالة اجتماعية.

تصرخ زعمية الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة ماري لوبين في جمهورها: اتريدون الوظائف؟ اتريدون التخلص من البطالة؟ حسنا هنالك اربعة ملايين وظيفة تحت تصرف الشعب الفرنسي بطرد اربعة ملايين مهاجر واعادتهم الى بلادهم. ذلك هو الحل ببساطة شديدة، ونفسها كانت قد صرحت قبل عامين تقريبا ان هنالك من المهاجرين من هم الاكثر همجية في العالم فيما جمهورها يتصارخ ويهتف باتجاه المزيد من التطرف العنصري.

في هذا الفلك يدور خطاب شعبوي يزيد الفرنسيين شعورا بالهلع، فالعام 2022 سيكون عام صعود المسلمين ليحكموا فرنسا تحت راية زعيمهم محمد بن عباس، الجامعات تدرّس القرآن الكريم والفرنسيات مرتديات الحجاب اجباريا، ذلك هو مضمون رواية الكاتب الفرنسي ميشال هوليبيك التي خلفت وراءها ضجة هائلة لم تهدأ ولم تكن الا مكملة لرواية سبقتها بعنوان الانتحار الفرنسي للصحفي اليميني ايريك زمور (من اصل جزائري وديانة يهودية) وهو ينعى فرنسا التي يعرفها الفرنسيون باكتساح الاسلام والمسلمين لها، ثقافة وايدولوجيا ونمطا حياتيا.

على وقع ذكرى الهجوم على صحيفة شارل ابدو اذا يبدو جليا تفاقم ذلك الشعور بالفصام المجتمعي ما بين جماعتين عرقيتين مختلفتين وصولا الى نقاش علني محتدم حول الاسلام الذي تريده فرنسا، هو رجع صدى ذاك الصراخ عن ما يشاع عن عصر الصراعات الدينية وتعبير عن ازمة وتقاطعات الوعي والثقافة ونمط العيش لكن لم يكن متوقعا لها ان تتفجر بهذه الصورة التي اصابت النسيج الاجتماعي الفرنسي بضرر بالغ من المستبعد ان تفلح حفلات شاي الاخوة في اصلاحه.