شاكر كريم عبد يشدد على اختيار أفضل ما في العولمة

ضرورة الدخول في مشروع عربي نهضوي متكامل

• العالم قرية كونية:

يؤكد المؤلف الدكتور شاكر كريم عبد في البداية على أنَّ العولمة تثير عدة أسئلة، أهمها: • هل العولمة ظاهرة عفوية أو أنَّها بإرادة مقصودة؟ • هل العولمة ظرفية أو أبدية (مرحلة تاريخية أو حتمية حضارية)؟ • هل نصلح الإنسان ليتوافق مع ظاهرة العولمة، أو نصلح الظاهرة لتلبية احتياجات الإنسان؟ • هل العولمة تزيد الفقير فقرًا والغنيَّ غنى، أو أنَّها ستعالج أوضاع الفُقراء؟ • هل العولمة ستُؤدي إلى البطالة أم إلى تحسين فرص العمل؟ • هل العولمة عقيدة جديدة أم مصالح سياسية واقتصادية؟ • هل العولمة أميركيَّة أم أنَّها مرحلة من مراحل الحضارة البشريَّة؟

ويشير المؤلف إلى أنَّ الإجابة عن الأسئلة السابقة نسبية، لكن النَّتيجة واحدة، وهي سيطرة الأقوياء ماديًّا وحضاريًّا على الضُّعفاء، مستخدمين قدراتِهم وسبقهم في توظيف آليَّات العولمة وثمار التقنية لصالِحهم؛ حتى تتمَّ عملية "تغريب العالم"، كما وصفها أحدُ الكتاب الغربيِّين أو "أمركة العالم"، حسب وصف أحد الكتاب الشرقيِّين، مُستندين إلى ما دعا إليه الرَّئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عندما قال: "إنَّ أميركا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وأنَّنا نستشعر أن علينا التزامًا مُقدسًا لتحويل العالم لصورتنا"، وقبله مستشار الرئيس كارتر "زيبجنيو بريجنسكي" (1977 ـ 1980)، الذي أشار إلى أن تقدم أميركا التي تَمتلك ما يزيد على 65% من المصادر الإعلامية يُمكن أن تكون نموذجًا كونيًّا للحداثة.

• مجالات العولمة:

يشير المؤلف إلى أنَّ هناك العديد من مجالات العولمة التي تشكل شبكة العلاقات الدولية المعاصرة، وهي: أولاً: المجال الاقتصادي، والتركيز هنا على فكرة وحدة السوق وإزالة العوائق أمام حركة رأس المال وحرية الاقتصاد، واتِّخاذ الدولار معيارًا للنَّقد وتحويل المجتمعات إلى مجتمعات منتجة هي مجتمعات الدول الصناعية، وما دونها تكون مجتمعات مستهلكة.

ويوضح المؤلف الدكتور شاكر كريم أنَّ أبرز مظاهر العولمة الاقتصادية (خاصة بعد إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995) هي: • هناك اتِّجاه مُتزايد نحو إنشاء سوق مالية عالمية موحدة تضم معظمَ أو كل البورصات العالمية تعمل لمدة 24 ساعة، فبورصتا لندن وفرانكفورت اللتان تتعاملان بنحو 5 آلاف مليار دولار تتجهان للتوحد، ومثلها بورصات أوربية أخرى. • تحول الاقتصاد من الحالة العينيَّة (التبادُل بالسلع عينيًّا بيعًا وشراء) إلى الاقتصاد الرمزي والنبضات الإلكترونية وزيادة حجم التجارة الإلكترونية. • ازدياد تحول رأس المال من وظيفته التقليديَّة كمخزن للقيمة ووسيط للتبادُل إلى سلعة تباع وتشترى في الأسواق (تجارة النقود)؛ حيث يدور في أسواق العالم ما يزيد على 100 تريليون دولار، يضمها ما يقرب من 800 صندوق استثمار، يتم التعامُل اليومي بما يقرب من 1500 مليار دولار. • أصبحت المنافسة هي العامل الأقوى في تحديد نوع السلع التي تنتجها الدَّولة، ومن ثم فإنَّ كثيرًا من الدول قد تخلت عن إنتاج وتصدير بعض سلعها؛ لعدم قدرتها على المنافسة. • إعادة هيكلة الاقتصاد والسَّعي إلى الخصخصة في البلاد ذات الأنظمة الاقتصادية الشمولية أو شبه الشمولية.

ويلفت المؤلف إلى أنَّ العولمة الاقتصادية تستخدم عددًا من الوسائل والآليات، هي:

1 - صندوق النقد الدولي والبنك الدولي: فالأول يقوم على ضبط النَّقد الدولي واستقراره، واستخدام الإقراض بشروط قاسية لهيكلة الدول المحتاجة، والآخر يُمارس عمليات الإقراض ودراسات الجدوى في مجال الإنشاء والتعمير للدول المتضررة من الحروب، والدول الفقيرة ضمن شروط قاسية على الدول المستفيدة.

2 - منظمة التجارة العالمية: من خلال قوانينها في السِّلع والخدمات وحقوق الملكية الفكرية، ومن خلال هيئة فض المنازعات والتحكيم؛ حيث تحول مفهوم التِّجارة لدى المنظمة من مفهوم تقليدي إلى مفهوم يشمل البيئة والعمل وحقوق الإنسان والعمال، وهذه المؤسسات الثلاث تشكل ثالوثًا خطرًا يُمكن أن يُمسك بخناق الدول الفقيرة؛ ليجعلها في تبعية شبة كاملة للغرب وشركاته.

3 - الإعلام والدعاية الإعلامية: وهي من أوضح الوسائلِ لترويج المنتجات الاستهلاكية، وتروج معها بشكل غير مُباشر البيئات المطلوبة التي هي إفراز للثقافة والمصالح الغربية.

4 - الشركات الكبرى متعددة الجنسيَّات: التي نجح الكثير منها في الهيمنة على السوق بنوعية منتجاتها وخدماتها وبضخامة رأس مالها، وباندماجاتها التي أدخلت العالم فيما سمي بعصر "الديناصورات الإنتاجية".

ثانيًا: المجال الاجتماعي: وذلك بتنميط العالم على نَحو من نَمط المجتمعات الغربية (تغريب)، ولا سيما أميركا (الأمركة)، وذلك بنقل قيم المجتمع الغربي والأميركي خاصة؛ ليكون المثال والقدوة، سواء ما نقل منها بإرادة مقصودة أم ما انتقل منها بصورة طبيعية لرغبة تقليد الغالب؛ لأن الأمة المغلوبة مولعة بتقليد الغالب، كما قال ابن خلدون. وتتخذ العولمة الاجتماعيَّة عدة وسائل منها: المؤتمرات الدولية في مجال المرأة والشباب والأطفال والسكان والتنمية الاجتماعية، ونقل السلوكيات والعادات الغربية من خلال المواد الإعلامية في الفضائيات وشبكة الإنترنت.

ثم ينتقل المؤلف إلى ما يسمى بالعولمة التقنية، والتي تُعَدُّ ثمرة المعرفة العلمية، ونتاجًا للثورة التقنية الضخمة التي يشهدها الغرب؛ حيث تضاعفت الاختراعات التقنية بشكل كبير، ربَّما يصل إلى معدل اختراع أو اكتشاف كل دقيقتين، وأبرز مجالاتها الاتصالات.

• العولمة سلبياتها وايجابياتها:

يؤكد المؤلف على أنَّ للعولمة مخاطرَ ضخمة، ومفاسدَ جمة، من خلال تحوُّل العالم إلى غابة إلكترونية يستعلي فيها الكبار على الصِّغار، ومن أبرز مخاطرها: الخطر المجتمعي: حيث يحذر علماء الإصلاح الاجتماعي من أن أسوأ ما يقع على الأمم هو انقسام مجتمعها إلى طبقات الأغنياء والفقراء، وأنَّ الآثار السيئة لتكدُّس الأموال في أيدي قلة من الناس تسبب تسلُّطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخرهم لخدمتهم بغير حق، فمثلاً: هناك ثلاثة هم أغنى أغنياء أميركا - على رأسهم بيل جيتس - ثروتهم أكثر من ثروة قارة إفريقيا كلها، التي يزيد بها عدد السُّكان عن 800 مليون نسمة، كما أنَّ حوالي 30% من الثروة في أميركا يملكها 2.27 مليون شخص، من أصل ما يزيد عن 292 مليون من سكان أميركا، حسب تقرير الثروة العالمية لعام 2004.

• الخطر الثقافي:

محاولة صهر الثقافات الموجودة في ثقافة واحدة هي الثَّقافة الغربية، ولا سيما الأميركيَّة، وجعلها النموذج العالمي، مستغلة التقدُّم التكنولوجي في مجال الاتصالات، وما ترسله عبر الفضائيَّات من سيل جارف من المواد الإعلاميَّة، وتفريغ العالم من الهوية الوطنية والقومية الدينية، فمثلاً: يوجد في العالم 6000 لغة، لكن90 % من برامج الإنترنت تبث باللغة الإنجليزية؛ مما يسبب تهميشًا للغات الأخرى، حتى اللغات الحية منها.

وبالرَّغم من أخطار العولمة السابقة، إلاَّ أنه يُمكن - حسب المؤلف - تحقيق عددٍ من المكاسب جراءَ العولمة منها: • إن سهولة الاتصالات ونقل المعلومات تُحدث نقلة نوعية في أساليب الإدارة والعمل، فيستطيع الأفرادُ العملَ من منازلهم في بعض الوظائف. • تحرير وسائل الإعلام يتيح مجالاً لأي فرد أو جماعة تريد أنْ تقيم محطات فضائية، أو وسائل إعلام أخرى؛ لنشر الإسلام والدَّعوة إلى الله، ونشر العلم والدِّفاع عن المسلمين، والرد على الشبهات بحرية دون وصاية أو رقابة رسمية. • التغطية الإعلاميَّة الواسعة للأحداث من خلال الفضائيَّات أتاحت تغطية واسعة لقضايا المسلمين، وقلَّلت من فرص الإعلام الغربي أن يعتم إعلاميًّا على تلك القضايا. • الانضمام لمنظمة التجارة العالمية يَمنع أوروبا من وضع رسم 12% على المستوردات البتروكيميائية من الدول البترولية، فكم ستكون الفائدة إذا أزيلت الحواجز الجمركية أمام هذه السلعة المتوفرة لدى الدول المنتجة للنفط ومعظمها إسلامية؟ • انفتاح السوق مع ما يَجلبه من سلبيات إلاَّ أنَّه سيدفع إلى التنافس الذي سيحكم طبيعة السوق الحر المفتوح، وهذا سيدفع إلى تخصيص مؤسسات عامَّة كثيرة، وخاصة قطاع الخدمات الذي يُعاني من سوء الإدارة وضعف في الإنتاجية في معظم دول العالم الثالث؛ لتكونَ أقدر على المنافسة وأوضح للمحاسبة. • انفتاح السوق وإزالة العوائق النظامية سيتيح طرح البدائل الإسلامية في الخدمات كالبنوك الإسلامية.

ويضيف المؤلف ولأول مرة في كتب العولمة عن استخدام الحصار الاقتصادي كأداة للعولمة، حيث شهد العالم المعاصر موجة من العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن الدولي على العديد من دول العالم، والتي أخذت في بعض الأحيان شكلاً شاملاً وطويل الأمد كما هو الحال بالنسبة لكوبا وليبيا والعراق وايران وسوريا، وما زالت دول أخرى مهددة باستخدام مثل هذه العقوبات ضدها، حيث يتذرع مجلس الأمن والقوى المتنفذة فيه بأن العقوبات الاقتصادية وسيلة لمعاقبة أنظمة حكم أو منظمات خارجة عن القانون الدولي (الشرعية الدولية)، وسواء كانت هذه الذريعة مقبولة أم غير مقبولة، شرعية أم غير شرعية، فإن الشعوب هي التي تتحمل التبعات الظالمة التي تترتب على العقوبات الاقتصادية.

هذه الازدواجية في النظرة لحقوق الإنسان فضلاً عن الآثار المدمرة المترتبة على تطبيق العقوبات الاقتصادية ضد الشعوب مثل العقوبات الاقتصادية التي فرضت ضد دول بعينها مثل (كالعراق وليبيا وكوبا والسودان وسوريا وايران وجنوب إفريقيا) وغيرها.

وأخيرًا: يشدد المؤلف على ضرورة الدخول في مشروع عربي نهضوي متكامل، ننتقي له أفضل ما في العولمة من مزايا المنهجية والتجارة والتطبيقات، ولكن لن نبدع في ظل العدوى والتقليد العشوائيين اللذين كانت لهما آثار مؤلمة، ولن ياتي الا اذا قمنا بفرز مزايا العولمة من سلبياتها. ولكن قدرنا أننا أصبحنا في حالة دفاع بعد هجمة الصهاينة الذين أظهروا الحقد والكراهية في السنوات الماضية مستهدفين الامة العربية والاسلامية.

صدر كتاب "العولمة: واثرها على التنمية الاقتصادية في البلدان النامية" تأليف: شاكر كريم عبد عن دار النشر: العراب للطباعة والنشر والتوزيع السورية. 2016، ووقع في 157 صفحة.