شاعر كردي: في سوريا لا نستطيع التعلم بلغتنا

حاوره: بسام الطعان
الأنثى قصيدة الله الرفيعة

حسين حبش شاعر سوري، من قرية "شيخ الحديد" التابعة لمنطقة عفرين، وهو مقيم بمدينة بون الألمانية، وفي الغربة لا صديق له إلا الشعر، فهو الأنيس والجليس في وحشة الغربة وبردها، دواوينه الشعرية لاقت استحسان النقاد والقراء على حد سواء، وقصائده مسكونة بغبطة الوجع، وغارقة في الحنين والذكرى الحلوة والمرة.
صدر له ثلاثة دواوين شعرية: "غرق في الورد"، و"هاربون عبر نهر إفروس"، وأعلى من شهوة وألذ من خاصرة غزال.
التقينا حسين حبش وأجرينا معه هذا الحوار: * ما دوافعك لكتابة الشعر؟ - هي نفس الدوافع التي تبقيني على قيد الحياة وتجعل الشغف الذي فيَّ جارحاً وجارفاً ومتقداً إلى الأبد. أكتب لكي أرمي الموت في سلة النسيان إلى حين، وأبعدني عنه مسافة خطوتين أو أكثر.
أكتب لكي أفضح الملل والضجر والبلادة، وأن أجعل الحب أكثر ولعاً ورهافة وإستثناءً في ذاتي ومن حولي. أكتب لكي أعلِّي من شأن غيمة عابرة لا يلتفت إليها أحد، وأن أضيف رعشة صغيرة إلى جناح فراشة حين تمعن في رقتها وهي تطير. أكتبه، لأنني مدمنه ولا شفاء لي منه. * أنت تحلق بشكل بديع في فضاء الشعر، وأصدرت عدة مجموعات شعرية مميزة، آخرها "أعلى من الشهوة وألذ من خاصرة غزال" هل فكرت بهجر الشعر والاتجاه نحو الرواية كما فعل الكثير من الشعراء، أم أنك تحس أن روحك الأدبية مكونة للشعر فقط؟ - أعتقد أنني لا أجرأ حتى على التفكير بذلك. كيف لي أن أهجر الشعر إلى الرواية وهو لصيق كياني، وروحي مجبولة منه؟ كيف لي أنا النزق، الشكاك والمزاجي في كل شيء أن أقف على جبل من ورق، وأدعي كتابة الرواية بهدوء واطمئنان وهدر وقت طويل؟ من أين سيأتيني الصبر؟ بينما الشعر لا يريد مني أشياء كثيرة لولادته، يلزمه فقط رعاية الحب ورشاقته والخيال ممزوجاً برائحة الجنون والرعشة، والأعماق وما يمور في أتونها.
إن تفاعلت هذه الأشياء، تراه يرفرف بجناحين ذهبيين، ويطير إلى الأعلى. لذلك أنا مثله، فهو قريني وتوأمي وندي أيضاً، ولا أستطيع الفكاك أو الهروب منه أبداً.
كما أودُّ أنْ أضيف أيضاً أنَّ كتابة الشعر لدي أهم بكثير من كتابة الرواية. فالذي يقوله الشعر بأسطر قليلة جداً، تعجز الرواية عن قوله في صفحات كثيرة جداً. فالشعر هو لبُّ الكلمات وخلاصة الخلاصات، ولا ننتهي منه ومن إمعان الذهن والتفكير والحواس كلها فيه، بغية تأويله وتفسيره وفهم معانيه بعمق. أما الرواية فمقفلة بنهايتها، أي بتلك النقطة اللعينة التي توضع في آخر كلمة من السطر الأخير، منهية كل شيء دفعة واحدة. * في وقتنا الراهن من هو الشاعر، كيف تصفه؟ - الشاعر في وقتنا الراهن، وفي كل الأوقات أيضاً، هو الكائن الذي يعيش في الظِّل والعزلة التي تقيه من الضجيج والغبار حين يكون في غمار الإبداع والشعر. هو الذي يخوض التجارب الكثيرة، ويقرأ بلا هوادة، ويدوِّن ما يمليه عليه جموح الخيال وفتنة الكلمات. مهمته أن يعلِّي من شأن الجمال، وسبر أعماق النفس البشرية ومهاويها السحيقة. والقيام بطرح الأسئلة تلو الأسئلة تلو الأسئلة. فالشاعر يضع كل شيء في الحياة موضع الشك والمساءلة وذلك من خلال رؤيةٍ ثاقبةٍ إلى الكون والعالم، متسلحاً بلغة فريدة وراعفة. * هل الشعر زائد عن الحاجة، أم أنه ضروري جداً لتغيير عالمنا البائس نحو الأفضل، وهل الشعر قادر على ذلك؟ - ما دام هناك أسئلة لم يجاوب عليها بعد، وتمور كالنار في أعماق النفس البشرية، وتحتاج إلى الغوص فيها والقيام باكتشاف عتمتها ومجاهيلها السحيقة. ومادام هناك قلق وحب وبغض وكراهية وجنون وطفولة. وما دام هناك ذكر وأنثى على وجه الأرض، فالشعر باق وخالد ووجوده ضروري، ولا يمكن الاستغناء عنه أبداً.
أما أن نقول بأن وجوده ضروري لتغيير عالمنا البائس نحو الأفضل فهذا ما أشك به حقاً. فالشعر ليس بمقدوره التصدي للحروب والكوارث، أو القيام بتحقيق العدالة والمساواة أو تحسين الظروف نحو الأفضل والأجمل. ليس من مهامه رفع الظلم والبؤس والذل والهوان عن كاهل بني البشر. لكنه يستطيع أن يتخذ موقفاً صريحاً منها. يصرخ في وجهها، ويدينها على طريقته الخاصة. لكن عليه قبل كل هذه الأشياء أن يحافظ على جماليته، وأن لا يفقد قيمته الفنية وإلا تحول إلى خطاب مباشر ومبتذل يضر بالقضية التي يتناولها ويهوي بها إلى الحضيض بدلاً من رفع مستواها إلى مستوى الأعجوبة والجمال.
فالشعر بحسب الشاعر الأميركي دلمور شفارتس "أهم وأنفس وأشد فتنة من شلالات نياغرا ومن الغراند كانيون ومن المحيط الأطلسي" أليس ما قاله صحيحاً، أليس حرياً بنا أن نؤمن مثله بقيمة الشعر؟ * حين تكتب، هل يكون القارئ أو الناقد في مخيلتك، يجلس إلى جانبك، ويرسم معك وجهة القلم وخارطة القصيدة؟ - حين أكتب لا أفكر لا بالقارئ ولا بالناقد. أكتب ما يمليه عليَّ خيالي وجنون الكتابة فقط. بعد ذلك أعمل على ما أكتب، ولا أتركه في راحة بال حتى أراه في صيغة معقولة، متجاوبة مع ذائقتي ورؤيتي النقدية، فأنا الناقد الأول لعملي قبل صدوره، أما بعد الصدور يصبح ملك الآخر ويستطيع ذلك الآخر سواء أكان جمهوراً أو ناقداً أن يقوم بتقييمه سلباً أو إيجاباً حسب رؤيته وذائقته، وما يمتلكه من أدوات معرفية. * هل تكتب باللغة بالكردية أم أنك لا تتقنها؟ - أتقنها، وأكتب بها أيضاً. فاللغة الكردية هي لغتي الأم، أي أنني رضعتها مع حليب أمي وتهدجت أولى كلماتي بها. إلا أنه يمكن الاعتراف بأنني تعلمتها كتابةً في وقت متأخر بعض الشيء، والسبب وكما يعلم الجميع، إلى أننا الكرد في سوريا محرومون من التعلم بلغتنا في المدارس والجامعات، ويكاد يسمح التكلم بها خارج إطار البيت والعائلة والأصدقاء.
الثقافة الكردية ممنوعة ومقموعة، لا جرائد، لا صحف ولا كتب يمكن الحصول عليها أو تداولها بسهولة. كل من تعلمها وأتقنها كان بتضحية وبجهود فردية، وغالباً في السِّر، والأمر لم يختلف في حالتي. هنا في أوروبا بذلت جهود كبيرة. تعلمتها جيداً وتعمَّقت بأسرارها إلى حد ما. ومنذ سنوات أقرأ بها كثيراً، وأقوم بفتح القاموس كل يوم، أتعلم منه بعض الكلمات الجديدة وأصحح بعض أخطائي الكتابية إن وجدت. * كيف هي علاقتك مع المبدعين في سوريا، هل من تواصل بينك وبينهم؟ - ليست لي علاقات كثيرة بالمبدعين في سوريا. الذين أتواصل معهم قلة قليلة لا يعدون حتى على أصابع اليد الواحدة. فعالمي ضيق وصغير. أعيش في عزلة شبه تامة. أنطوي على نفسي وقصيدتي وكتبي وقراءاتي الكثيرة. لا وقت لدي، ولا أجيد العلاقات العامة كثيراً. وعلاوة على ذلك فأنا أميل بطبعي إلى الخجل، ويربكني التواصل مع أناس ليست لي علاقات أو صداقات سابقة معهم.
أما على مستوى المتابعة والقراءة، فإنني أعرف أغلب المبدعين السوريين، وأتابع تقريباً كل نتاجاتهم وإبداعاتهم بمحبة وبنفس الأهمية. * هل من أسماء شعرية كردية يمكن أن ينظر إليها بعين الدهشة والإعجاب؟ - أنا لا أنظر إلى الأسماء الشعرية، بل أنظر إلى النصوص التي تبدعها تلك الأسماء. فالذي يحركني، ويدهشني هو النص وليس صاحبه. فالنصوص الجميلة نادرة في كل الأوقات وعند كل الشعوب، والأكراد ليسوا استثناء عن هذه القاعدة.
في بعض الأحيان أقرأ نصوصاً وكتباً شعرية في غاية الرهافة من حيث العمق والحس والجمال. يبدعها شعراء ينتمون إلى تلك الفئة النادرة والحقيقية التي أتحدث عنها. * الشعر المعاصر في أزمة، قول يردد كثيراً في الأوساط الأدبية، ما رأيك؟ - إذا قسنا الشعر بترومتر الجمهور، أي بمستوى جماهيريته فهو حقيقةً في أزمة دائمة، طبعاً ليس في وقتنا الحاضر بل منذ أقدم العصور. دائماً قرَّاء الشعر كانوا وما زالوا من القلة القليلة أي من تلك الفئة المثقفة والمهتمة منها فقط. فالشعر مركبٌ، صعبُ التأويل وحمَّال أوجه ونخبوي جداً، ينأى بنفسه عن الخطابية والمنبرية والمباشرة التي يفهمها الجمهور عادة. أما إذا قسناه بمستوى الأسئلة العميقة التي يطرحها على نفس الإنسان والحفر الذي يقوم بحفره في أعماقها. وكذلك غوصه الدائم في المجاهيل والغوامض التي تحتاج إلى البحث فيها والكشف عنها، أرى أن الشعر يقوم بعمله على أكمل وجه. ثم لماذا نحاول دائماً نفي تهمة الأزمة عنه، بينما هو يستمد صحته من أزمته؟ * هل يوجد تجديد في الشعر العربي المعاصر، أم أن هناك شاعرا واحدا يكتب مئات الدواوين الشعرية ويصدرها بأسماء مختلفة؟ - لن أقول ليس هناك تجديد في الشعر العربي ولن أقول إن هناك شاعرا واحدا يكتب مئات الدواوين الشعرية ويصدرها بأسماء مختلفة، كما ورد في السؤال. بل أقول إن هناك ندرة في الشعر الجيد والجديد، وندرة في الشعراء الذين تهمهم تجاربهم الشعرية ويعملون عليها بكدٍّ وجدٍّ ومثابرة وتضحية بعيداً عن الضجيج والنفخ في القرب الفارغة.
نعم هناك شعر جيد، وهو نادر بطبيعة الحال. وهناك شعر (إذا جازفنا بتسميته شعراً) ميت وهو السائد أيضاً بطبيعة الحال! * بعض النقاد ومعهم دعاة الشعر الكلاسيكي يحاصرون الشعر الحديث من كل الجهات، ويحاولون أن يقطعوا عنه أوكسجين الحياة إذا استطاعوا، هل أنت معهم أم ضدهم؟ ولماذا؟ - لست ضدهم ولست معهم بل لا أعيرهم أية أهمية تذكر. إن الذي يحاول أن يضع العصي في عجلة التجديد والتحديث باسم قداسة التراث والكلاسيك، إنما يحاول أن يوقف الزمن عند حدود تفكيره الأبله والضيق بكل المعايير. فالحياة متشعبة وواسعة، والشعر يستطيع عبورها من كل الطرق والمداخل الممكنة وغير الممكنة، وبالشكل الذي يرغبه ويهواه ولا أحد يستطيع أن يقف في وجهه مهما كانت قوته وطغيانه. * سواء اعترف النقاد بقصيدة النثر أم لم يعترفوا بها، فإنها موجودة على الساحة الأدبية، من هنا أسألك، ما رأيك بقصيدة النثر؟ - قصيدة النثر تعبر عن روح العصر وعلى كل شاعر حقيقي أن يندفع إلى كتابتها، ليختبر قدراته أولاً، وليتعرف على قيمتها الحقيقية ويكتشف جمالياتها من الداخل ثانياً. برأيي أن قصيدة النثر نضرة، جديدة وطازجة رغم التشوهات التي تلحق بها أو استسهالها من قبل بعض صغار الكتبة هنا وهناك. * هل كل ما يكتب باسم الشعر، يعتبر شعراً؟ - طبعاً ليس كل ما يكتب، يمكن تصنيفه في خانة الشعر أو اعتباره شعراً رفيعاً يستحق التصفيق والغبطة والمباهاة كما يحدث الآن. هناك ركام هائل من الكتابات تقدم تحت اسم الشعر، والشعر المسكين براء منها. كتابات لا معنى لها ولا طعم ولا رائحة، ولا حتى لمحة ذكاء صغيرة. وأي غربلة لها، ستجدها خلال ثوانٍ قد صارت في الحضيض، ولن يتبقى منها أي شيء يذكر. * كشاعر ما هي رؤيتك للأنثى؟ - الأنثى هي نسغ الحياة والخصوبة الدائمة التي نستمد منها مبررات وجودنا في هذا العالم. هي مملكة عظيمة للحب، تهبه لنا بسخاء وبلا حدود وبقلب عامر بالفرح والبراءة والغبطة الدائمة. هي ينبوع النقاء والعطاء الذي لا ينضب ماؤه العذب أبداً. حين نحزن نتوسد صدرها، وحين نفرح نأخذها بالأحضان. في حضرتها تتهذب أنفسنا وأرواحنا وقلوبنا. أعتقد أن نصف الحياة قليل عليها، فأنا أهبها حياتي كلها. لذلك لن أكرر ما قاله عنها ابن عربي، بل أقول إنها أكبر بكثير مما قاله هذا الشاعر والفيلسوف والمتصوف الأكبر. الأنثى قصيدة الله الرفيعة والفاخرة على وجه الأرض. * هل أنت راضٍ عن كل ما كتبته؟ - طبعاً لا، فالشاعر الذي يرضى عن كل ما كتبه ويكتبه هو شاعر بائس يستحق الشفقة والرثاء. الشاعر ابن الشك والقلق والضلال، لا يليق به اليقين، لا نهايات عنده وليس من خصاله الرضا والاطمئنان، ما دام يخوض غمار الكتابة وينشد من خلالها المستحيل.
بالنسبة لي أضع كل ما أكتبه في موضع الشك والمساءلة. قد أنجذب جمالياً إلى بعض قصائدي وأراها جيدة وأحبها أكثر من غيرها، لكن هذا لا يعني أنني راضٍ عنها كل الرضا، فالرضا مقتلة للشعر ونهايته. * أنت تعيش في الغربة فهل من هموم ترهقك وتعيش معك باستمرار؟ - لا بد أن يكون لكل إنسان من هموم ومشاكل خاصة، تؤلمه وتكسر عزيمته في بعض الأحيان سواء أكان ذلك في الغربة أم في أي مكان آخر. وأنا أيضاً لدي الكثير من هذه الهموم والمشاكل.
لكنني لم أعد كما كنت في السابق أتذمر من غربتي أو أهجوها بقسوة. فهذه الغربة منحتني أشياء كثيرة ما كنت أحلم بها في الوطن. فقد منحتني حرية الإبداع والتفكير والحركة دون قيود أو تابوات تذكر. منحتني فرصة نادرة لإعادة صياغة روحي ووعي وثقافتي صياغة جديدة ومختلفة، وفتحت أمامي آفاق واسعة للتأمل والشرود والجنون معاً. منحتني حرية التجوال والسفر دون مشاكل أو تعقيدات، فأتجول في البلدان الأوروبية متى رغبت وبمنتهى السهولة كأنني أنتقل من "شيخ الحديد" إلى "قرمطلق" أي من قريتي إلى القرية التي تجاورها. ومن خلال سفري وتجوالي هذا أتعرف على وجوه جديدة وأناس من مختلف الأثنيات والثقافات واللغات والحضارات. كل هذا يساعد على إغناء تجربتي الوجودية والكتابية.
أؤمن أن الشعراء غرباء في كل الأزمنة والأمكنة، وهم لا ينتمون إلا إلى قصائدهم وإبداعاتهم وجنونهم فحسب، وأنا أعتبر نفسي أغرب الغرباء دوماً.