شاعرة سعودية تتحرر من الخوف والضعف عند الكتابة

أجرى الحوار: عبدالسلام فاروق
أتفتح مثل وردة

إنها الواحدة ليلة رأس السنة...
وغزّة إمامي بأهلها تحترق...
تكفن شهداءها وأطفالها وتزفهم إلى المقبرة
بهذه الروح الأسيانة تكتب ندى الرشيد.
ندى شاعرة سعودية، بدأت تنشر دواوينها مؤخرا، رغم أنها تكتب الشعر من طفولتها، أسهمت شبكة الإنترنت فى نشر إبداعها، حتى تزايدت ثقتها في قصائدها، فنشرت ديوانين: "كل عام وأنت لي"، ثم "رسائل الندى"، وكلاهما في مصر في نفس العام 2010.
ندى الرشيد تعمل في مجال الإدارة، ولها كتابات علمية في مجال التغذية الإكلينيكية نشرت في الصحف والمجلات والصحف.
في هذا الحوار، تكشف الشاعرة عن عوامل تكوينها، وعن همومها كامرأة عربية مبدعة، وعن مشاعرها وآمالها وآلامها. * قارىء ديوانك يرى جذورا عراقية أصيلة للشاعرة ندى الرشيد، هلا حدثتينا قليلا عن (ما قبل الشعر) أي عن النشأة والمؤثرات؟ ـ ولدت في العراق من أب نجدي وأم عراقية في البصرة. ومدينة البصرة كانت ليست فقط مسقط رأسي، وإنما روحي ونشأتي وتعليمي. تعلمت أبجديات اللغة في روضة كانت تعتبر من أرقى رياض الأطفال آنذاك اسمها "روضة المعارف". وأحتفظ بدفاتري وشهادة تخرجي منها في الستينيات.
بعد ذلك كانت النشأة والتعليم والشباب والصديقات، لكني وجدت نفسي عالقة بكتابة الشعر في وقت مبكر، تقريبا في سن الرابعة عشرة. شعرت وأني من خلاله وجدت أيضا القدرة علي التعبير عمّا يدور في نفسي ربما عن معاناتي كأنثى ومعاناة الأخريات من بنات جيلي خاصة أني كنت أعيش في مجتمع ربما لا يختلف عن المجتمع المصري كثيرا.
فالمجتمع العراقي أيضا مجتمع مثقل بالبؤس والفقر والمرارة وويلات العيش، لكنه مجتمع مفتوح. الطالب الفقير يجلس إلى جانب الطالب الغني على نفس مقعد الدراسة وفي نفس الصف والمدرسة، هذا على سبيل المثال، لذا كان التعارف بين فئات المجتمع في غاية السهولة، وكان لي من الصديقات الفقيرات والثريات أيضا.
أذكر أني عندما كتبت أول قصيدة في سن الرابعة عشرة، وأعطيتها لوالدي ليقرأها, فقرأها ثم طواها قائلا إنها حلوة، لكني أفضل أن تبتعدي عن كتابة الشعر كي لا تلهي عن دروسك ففهمت حينها أنه لا يريدني أن أدخل هذا الوسط، لكن دافع الكتابة كان قويا بداخلي، لذلك واصلت الكتابة منذ ذلك الحين، لكني لم أنشر أبدا.
هذا إضافة إلى أن كون البصرة مدينة جميلة هادئة وخضراء خصبة وهي ملتقى النهرين دجلة والفرات تجري بها أنهار عدة ويشقها شط العرب نصفين يعني أينما تولي عينيك تجد الماء والخضرة والناس الطيبين والبسطاء، وكل منهم يحمل بداخله شاعرا وقاصا وكاتبا فكيف لا أصبح شاعرة! وبالتالي سيجد القارئ أصولا وملامح عراقية وحسا عراقيا واضحا في كتاباتي، لأن ثقافتي بالأصل هي عراقية من حيث التربية والتعليم والذكريات والصديقات وأسراري الأولى لكني لم أنس جذوري النجدية من حيث العادات والتقاليد والدين والأخلاق أولا وآخرا فأنا تربيت في بيت محافظ إلى درجة معقولة. • يحفل الديوان بالتعبير عن المعيش اليومي، لكنه مكتوب بصدق واضح. كيف يصوغ الشاعر واقعه رغم كل هذا التشابك المخيف فى حياتنا؟ ـ حقيقة لا أدري بالضبط ماذا تقصد تحديدا بالتشابك المخيف في حياتنا، ولأني امرأة بسيطة وصادقة مع نفسي ومع الآخرين، ولا أعطي الأمور أكثر ولا أقل من حجمها، وفي رأيي لا يوجد مشكلة إلا ولها حل، فأنا دائما أستعين بالله لأنه ولي كل شيء وعليه أتوكل. ومنذ أن كنت صغيرة لي هاجس ويقين أن عين الله ترقبني حتى وأنا جالسة وحدي أفكر وأتأمل وكبرت على هذا النحو لذا تراني عندما أكتب أعبر بصدق وشفافية وبلغة بسيطة غير معقدة ولا مبالغ بها مثلما أقرأ لبعض الكتاب صدقني أحيانا لا أستطيع تكملة ما يكتبونه لكثافة المفردات وتعقيد النص.
وفي رأيي أن الأسلوب البسيط والسلس والصادق هو ما نحتاجه لأننا شعوب أصلا حياتها معقدة ومفاهيمها لا تخلو من الازدواجية فكفى تعقيدا. • قضية الأنوثة في كتاباتك، تمثل قضية الإنسان بشكل أشمل، والإنسان العربي بشكل خاص. كيف تنظرين للأنثى بداخلك؟ ـ لا أدري أن كنت ستصدقني أم لا لو قلت لك أن والدي رباني تربية رجال، وكان يعاملني على أنني بنت بعقلية رجل، وكان يثق بي ثقة مطلقة، ويعطيني حرية الاختيار أحيانا لكن بشروط مرات لا أطيقها، بالإضافة إلى أنني الأخت الكبرى في البيت على مستوى الذكور والإناث، وكلمتي مسموعة، وكنت مسئولة عن أمور كثيرة في البيت، ولو صادف أن وقعت مشكلة فالتي ستأنب تأنيبا عنيفا هي أنا.
لم أنظر إلى نفسي على أنني أنثى فقط، ولها مشاعر وأحاسيس شأنها شأن بنات سنها بالرغم أننا لو تكلمنا عن المظهر فقد كانت لي صفات أحسد عليها من قبل بنات سني لكني لا أذكر أنني أوليتها اهتماما، وكان هذا أكبر خطأ ليس خطأي إنما خطأ والدتي التي كانت تربيتها تربية شبه عسكرية. ولهذا لا توجد مفردات كالتي تقرأها في كتابات الأخريات. ثم نحن أمة ابتلاها الله بحروب متتالية وحضارات وفرض عقوبات وشهداء وانقسامات. أمة عرضة لأطماع الآخرين وملعب لأذاهم، حتى أطفالنا لم يسلموا من الأذى. شيء أكيد أتأثر وأولا وآخرا أنا عربية ومسلمة. • المجتمع السعودي أباح للمرأة دورا متزايدا، وإن صدق ظني، فأنت وافدة على هذا المجتمع. ما شهادتك على واقعه الأدبي خاصة ما يختص منه بالمرأة ؟ بالرغم من أني سعودية بالدرجة الأولى، ولي كافة الحقوق مثلما علي من الواجبات، لكني أعتبر وافدة عليها وذلك بحكم الظروف. إذ لست أنا التي هاجرت من نجد إلى العراق إنما هو جدي الراحل، وها أنا عدت إلى وطن الأصل والجذور ولو كنت مكان جدي المهاجر لما هاجرت أصلا لأن الهجرة صعبة ولها سلبياتها.
أما من ناحية الواقع الأدبي للمرأة السعودية، فأنا أراها في تألق مستمر وقد شهدت الساحة الأدبية السعودية ميلاد كاتبات وشاعرات متميزات وجريئات ومبدعات وهن في تزايد مستمر. • حقيقةً لم أسمع أصواتا أخرى بداخل قصيدتك، كانشغال كثير من الشعر العربي بترديد صوت نزار أو درويش أو دنقل أو غيرهم. ما طبيعة رؤيتك للشعر؟ وكيف تتشكل القصيدة بداخلك؟ مع احترامي للجميع لا أحب أن أردد أصواتا معينة. قرأت لنزار ودرويش وغادة السمان وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة والسياب وغيرهم، وتأثرت بهم لكني أحب أن يكون لي الصوت واللون الخاص بي وأرجو أن أكون قد وفقت لأني لا أستطيع أن أكون إلا أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا.
أما رؤيتي للشعر فهو فن اللغة العربية الأبرز، وقالت العرب زمان إن "الشعر ديوان العرب"، أي إنه يعتبر وثيقة أو مرجعا يعتمد عليه في التعرف عليهم وعلى أحوالهم وبيئاتهم المختلفة وثقافاتهم وتاريخهم ومصائبهم أيضا.
تتشكل القصيدة بداخلي في لحظة معينة ساعة وقوع حدث ما يهز المشاعر سواء أكان الحدث لي أو لغيري أو ربما ذكرى خطرت بالبال أو مناسبة مؤثرة في النفس فتراني أخط جملا أو نصا في ساعتها، ثم أقوم بعد ذلك بتنسيقه وتنقيحه.
وجدت صفحات كثيرة لم أنقحها بعد قد تعجب لو قلت لك أني كتبتها منذ سنين! * وجدت حسا سرديا في نصوصك. كما وجدت لقطات سردية طيبة فى ثنايا القصائد، هل لك تجارب في القصة أو الرواية؟ وهل يمكن التحول إلى القصة أو الرواية فيما بعد؟ ـ نعم كانت هناك محاولة في كتابة القصة منذ سبع سنين، لكني لم أستمر بالرغم من أني انتهيت تقريبا من كتابة الجزء الأول. وعدم استمراري كان بسبب عدم قناعتي بمستوى ما كتبت كنت أبحث عن الأفضل لكني تعبت ووجدت أن من الأجدى لي كتابة القصيدة، أما القصة فهي تحتاج إلى موهبة أكبر ربما توجيهات معينة أو أخذ آراء وإلى آخره. لذا خفت من الخوض في هذا البحر الواسع العميق خاصة أني لا أعرف السباحة، وأعتمد على نفسي في كل شيء. ربما أتحول مستقبلا نحو كتابة القصة أو الرواية لكن بعد أن أنضج نضوجا ثقافيا وأدبيا يؤهلني الدخول إلى هذا المجال. • ديواناك طبعا في مصر. هل المسألة قدرية أم مخططة؟ وما الغرض من ذلك؟ ـ أتشرف بطباعة دواويني في القاهرة، وإن كانت المسألة حدثت بالصدفة، وذلك عبر تصفحي لدور الطباعة والنشر في القاهرة على سبيل أنها المدينة التي يقصدها معظم نجوم الأدب والفن في العالم العربي، وهي محطة انطلاق كل المبدعين على مستوى الأدب والفن والشهرة بالإضافة إلى أن الناس في مصر وفي العالم العربي تفضل قراءة الشعر الفصيح على عكس ما يوجد عندنا في المملكة ودول الخليج، إذ يفضلون الشعر النبطي، ولو أني ألحظ تحولا طفيفا من هذه الناحية وهذا مما يسعدني. • الشعر .. هذا الفرح المختلس بوصف أمل دنقل ماذا أعطاك وماذا أخذ منك؟ لقد أعطاني الكثير، عندما أكتب أتحرر من الخوف والضعف وقلبي يتفتح مثل الوردة وأحمد الله على هذه الموهبة التي تفضل بها عليّ لأن الكتابة عالم آخر جميل واسع ورحب.
يقول بودلير "إن الشعر هو الطفولة عثر عليها ثانية"، والشاعر فعلا يظل طفلا حتى آخر يوم من حياته. وبالشعر استطعت أن أعيد طفولتي وشبابي وأحلاما سُرقت مني أو أحرقتها الحرب وغدت رمادا.
أيضا بالشعر تستطيع أن تنادي على قيم ومبادئ منسية في هذا الزمان مثل الصدق والمحبة والوفاء والأمل والوصال0
وأخيرا وليس آخرا.. الشعر أعطاني لقب "شاعرة" وطالما حلمت به، ولو أني ما زلت أعتبر نفسي هاوية ولست محترفة. أما ما الذي أخذه فأعتقد أخذ مني فقط "وقتي وآهاتي". عبدالسلام فاروق ـ القاهرة