شاعرات أردنيات يستحضرن هواجس أنثوية دفينة

عمان ـ من نضال برقان
نوال العلي ترسم شعورا أنثويا مخبوءا

من خلال أمسية شعرية ذات طابع أدائي مسرحي، اختتم بيت تايكي في العاصمة الأردنية الأحد في فضاء مركز الحسين الثقافي فعاليات الندوة التكريمية التي أقامها بالتعاون مع الدائرة الثقافية بأمانة عمان الكبرى للشاعرة والأديبة الدكتورة ثريا ملحس التي كانت قد أثرت المكتبة العربية بما يزيد عن خمسين كتابا، في مختلف صنوف الأدب على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان.
وقد شاركت في الأمسية كل من الشاعرات مها العتوم وزليخة أبو ريشة ونوال العلي، فيما قدمت الفنانة ربى صقر مجموعة من مؤلفاتها الموسيقية والغنائية، في حين قدمت الفنانة والمخرجة المسرحية ساندرا ماضي مجموعة من قصائد الدكتورة ملحس من مجموعتها الشعرية الأولى التي كانت قد صدرت نهاية الأربعينيات من القرن المنصرم تحت عنوان "النشيد التائه".
ورغم اختلاف الأجواء التي تحركت فيها كل شاعرة عن الأخرى، إلا أنهن جميعا قد حملن ذات المقولة العليا التي تفصح عن هواجس الأنثى الرازحة تحت وطأة المجتمع الذكوري من جهة، كما تفضح "الذكر" بصفته غير قادر على رؤية شيء من الوجود العظيم الذي يحيط به سوى ذاته، ما يجعله دائم الحركة في دائرته الضيقة وفقا لما عكسته الشاعرات في مرايا نصوصهن.
من جهتها تحركت الشاعرة زليخة أبو ريشة منحازة للفضاء الصوفي على صعيد الظاهر من العبارة، في حين كانت حركتها باتجاه مختلف تماما على صعيد باطنها، حيث تقرأ أنوثتها تارة في مرايا الذكر المغبرة، والتي لا تعكس ما يقابلها على حقيقته قصورا منها من جهة، كما تقرأ خسران ذلك الذكر وهزائمه في مراياها الناصعة من جهة أخرى:
بانتظار صباح مستحلب من وجهنا
هم قاعدون على الدرج
بانتظار البرق الذي يتكرر في الطرقات لحضورنا
يحملون بأيديهم مراوح يهفّون بها
من أجل العطر الذي سيراق على ذِكرنا
هم استمرار للسلالات في الشعر
للألوان الزاهية التي لا تحتاج إلى بيان
يمضغون في الأثناء تبغهم المنتخب
ويعجبهم أنه على أفخاذ سمراوات شهيات قد لُفّ حديثا
هم لا يغفلون عن زهر الكرز وهو يتبرعم كأصابعنا
ولا عن شبه عيوننا في الفلك
صامتون كأنهم الصور
ولكنهم يتحركون في قلب الفكرة كآهة إثر آهة.
في حين ذهبت الشاعرة الدكتورة مها العتوم باتجاه الذات القريبة من الواقع والمعاش، مستحضرة ألفة البيت وحكايات الأجداد والكثير من الأسرار المتعلقة بذكريات الطفولة بحميمية تكشف غربتها في الراهن الذي ساد فيه الفقد على صعيديه الفردي والجمعي مستفيدة فيه من توظيف الموروث الشعبي والأيديولوجي في غير نص، ومما قرأت:
أمي رأت في منامي خطاي على غير دربي
فصاحت لأصحو ولم أك بعد غفوت على كتفها
كي تراني وتعرف أن عظامي
تصرصر من جزع غامض لم يكن في العظام
وأمي تلم خطاي من الطرقات التي لم تسعني
ولم تتسع لرؤاي
رأت في المنام النجوم على راحتي فخافت
ولم تك تعرف أني حرقت يدي
لتعلو فوق النجوم يداي.
بينما اختارت الشاعرة نوال العلي الترك في فضاء ذهني تأملي ذي طابع قصصي، لا يقرأ الواقع بقدر ما يطل على ما خلفه من خلال استحضارها لحالات شعورية مكثفة ومؤطرة في صور فاضحة لقسوة الراهن وأسياده الذكور، كما استحضرت العلي عذابات الأنثى الداخلية والخارجية الناجمة عن قصور نظر الذكر حيالها دون أن تبتعد عن الجوهر الإنساني الذي من شأنه أن يعزز مقولتها:
في طريق مجنحة بالسراخس خلف البناء
عاش أبي في شبابه
قال إنه يختنق، فعلمته كيف يبكي
بكاء عودتني عليه نساء وحيدات تربيت في حضنهن، أمي.. أخواتي.. عماتي.. خالاتي.. ثلة من الأرامل والمطلقات والعوانس الدميمات.
كنّ بائسات بحق، لا يشغلهن سوى تأخر الطمث وبضع نكات إباحية يكررنها على نحو مبك، تلف أصابهن ورق الدوالي باحتراف، يرمين به في قدر أخذت تصغر عاما بعد عام، لم يبق سواي وشقيقتي، تحاول كل منا أن تبقي النار هادئة، تحت قدر "اليخنة" التي تكفي لشخص واحد على الأكثر.
يشار إلى أن تكريم الدكتورة ثريا ملحس كان قد جاء ضمن توجه "بيت تايكي" المؤسسة الثقافية المعنية بالأدب النسوي، في سبيل تسليط الضوء على منجز المبدعات الأردنيات والعربيات وتكريم الرائدات منهن.