شات... رواية العصر

بقلم: أحمد بزون
لا استرخاء مع الرواية الرقمية

يكفي أن نضغط على الموقع الالكتروني www.arab-ewriters.com/chat لنغرق في قراءة رواية عربية تتقن السباحة جيداً في أثير الشبكة العنكبوتية.
فمن دون أن تكون هناك ضرورة لتحديد عنوان الناشر ما دام افتراضياً، ولا اسم دار النشر ما دام حضر البديل منه، صدرت حديثاً الرواية العربية الرقمية الأولى، على الأقل من حيث شكلها، حاملة عنوان 'شات'.
يمكن أن نعتبر هذه الرواية، التي كتبها وأخرجها مؤلفها الأردني محمد سناجلة، حدثاً على مستوى النشر العربي، وإن كان بعض رواد القلم يستهين، حتى الآن، بمسألة النشر الالكتروني أو النتاج الإبداعي الالكتروني، ويعتبرها نوعاً من 'الخزعبلات'، فارداً عبارات الحنين إلى بياض الورق ورائحته التي لا أظن أنها تسرّ أحداً.
'تورطنا' في قراءة الرواية، وصاحبها هو رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب، فأدخلتنا بالفعل في مناخ جديد من الكتابة والقراءة، يتماهى ومزاج جيل الكومبيوتر أو جيل العصر الالكتروني، مثلما يتماهى ولعبة جديدة يتنافس فيها الأدب مع الفنون البصرية الجديدة الممعنة في تهميشه.
الرواية مؤلفة من 13 فصلاً أو صفحة مركبة، تقارب ترقيم المسلسلات التلفزيونية.
تفتح الشاشة فينهمر من أعلاها إلى أسفلها شلال من تكرارات الرقمين صفر وواحد اللذين يحكمان لغة الكومبيوتر، لنجد أنفسنا أمام مشهد طبيعي صحراوي سينمائي، وتصدح موسيقى، وبعد ذلك تتوالى الصفحات، من دون أن تتكرر أشكالها كما هي العادة في الكتاب/ الرواية. فتارة يُخترق النص بمقطع سينمائي يعود إليه حوار الشخصيات، أو بمشهد مصوّر يصفه النص، أو بصورة لوحة يأتي على ذكرها، أو بفلاشات متوهجة تحيلك على هوامش معلوماتية، أو على شاشات تراسل SMS وتقنيات الشات والماسنجر.
الرواية ليست مزحة أو لعبة أطفال، كما يمكن أن يعتقد البعض. فنحن لا نريد هنا أن نناقش المضمون الذي أتت به، ولا الأفكار التي تضمنتها، فهذا أمر آخر، وهي لا تدّعي صفة ما يسمى ب’الرواية الكبرى>>، إنما من الضروري أن نتعرف على هذا الأسلوب السردي الجديد الذي يحقق انقلاباً فعليا في نظام الكتابة والقراءةً، فبدلاً من أن تكون الكتابة النصية مهيمنة تماماً على أساليب السرد، صارت هذه الكتابة جزءاً من الرواية الرقمية، أو عنصراً واحداً من عناصر ما يسمى 'المالتي ميديا'، وهي تضم، إلى الكلام، الصورة والصوت والمشهد المتحرك والألوان.
الأسلوب السردي في الرواية الرقمية تحوّل إلى لعبة فنية متعددة الأدوات، تشبه في أحد وجوهها كتابة السيناريو، إنها كتابة مفصلية، متقطعة، تتحدد فيها نقاط العبور إلى التقنيات البصرية المشاركة في فنية السرد.
أنت لا تستطيع أن تقرأ باسترخاء تام، لأنك تبقى مدفوعاً بأمواج متلاحقة من المفاجآت والمؤثرات، تجعلك مشدوداً ومستفَزّاً ومنجذباً إلى تبدل الألوان والتماعات الصور والتقلبات المفاجئة في طقس الرواية.
هي ليست الرواية الرقمية الأولى في العالم، ولعل تجارب كتب الأطفال كانت سباقة في هذا المجال، لكنها الرواية الرقمية الأولى بعد تجربة رواية سابقة لسناجلة حملت عنوان 'ظلال الواحد' لم تبلور التجربة كما هي مع 'شات'.
صحيح أننا لا نقرأ الرواية الرقمية بالاسترخاء المعروف لقراءة الرواية، إلا أننا ندخل في فتنة ألذّ، من التأرجح بين الواقع والافتراض، حيث للخيال ملعب يتسع لكل بني الخلق. (الموضوع نشر ايضا في السفير اللبنانية) أحمد بزون