س: مالذي يوحد العرب حاليا؟ ج: التخلف الشامل

بيروت
محمود سويد.. صوت واقعي من زمن الاحلام

يحمل الكاتب والباحث اللبناني محمود سويد في كتابه "الوطن الحلم يبقى حلما" صوتا رائعا مشبعا بالحزن قادما من عهد الاحلام لكنه صوت واقعي جدا.

تحدث الكاتب عن قوة شديدة استطاعت وحدها حتى الان توحيد العرب وقال ان هذه القوة هي التخلف الشامل الذي وصفه بأنه حليف اسرائيل.

ويأخذ محمود سويد لا على الحكومات العربية فحسب بل على النخب والجماعات والاحزاب عامة انها لم تتمكن من ان تقف لتشهد للحقيقة ولادانة الظلم بل بررته بأسباب مختلفة. والمفارقة ان العرب يفعلون ذلك بينما هم ضحية الظلم بامتياز. ومن يتخلى عن ادانة الظلم والظالمين فقد تخلى دون ان يدري عن قضيته او اضعفها في احسن الاحوال.

يعيد ذلك تذكيرنا بمرارة تتجسد في ما سمي طرفة. قيل ان لبنانيا او عربيا سئل عن حصيلة جمع اثنين مع اثنين. المفجع المبكي كما تقول الطرفة انه رد لا بجواب بل بسؤال اخر عن "العملية" فهو يريد ان يعرف ما اذا كانت عملية "قبض" او عملية "دفع" لان النتيجة -لبنانيا وعربيا على الاقل- تتأثر بذلك.

ومن كثير مما اورده محمود سويد وما يورده امثاله القلائل الان من مثقفي تلك الفئة التي شكلت بعض الجيد من ثمار فترة الاحلام التي شملت قسما كبيرا من القرن العشرين المنصرم نتذكر تلك الاقوال عن الحلم والواقع وان ما يبدو مثاليا للبعض قد يكون هو الواقعية بعينها.

محمود سويد المدير العام لمؤسسة الدراسات الفلسطينية ورئيس التحرير المشارك لمجلة الدراسات الفلسطينية يتكلم في مقالات كتابه بصوت هادىء دون صخب وضوضاء. الا ان صوت العقل الهادىء هذا يدوي ويهز ويحزن. انه صوت شاهد على عهدين قد يصح وصف احدهما بعهد الاحلام والاخر بعهد هو الى الكابوس اقرب اذا لم يكن هو الكابوس.

لسويد العديد من المساهمات في الشأن اللبناني والفلسطيني والعربي كتبا ومحاضرات ومقالات.

مقالات سويد عقلية تحليلية لكنك عند قراءتها قد يصعب عليك الا تكون عاطفيا اي انك ستنفعل على الارجح لا لجروح جديدة يحدثها الكتاب بل لانه يقوم بعمل ضروري وشجاع اذ ينكأ الجروح القديمة. ومن هنا نبدأ كما قيل.

ورد الكتاب في 167 صفحة متوسطة القطع وصدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت.

نستشهد هنا بما ورد في الكتاب وحمله غلافه وفيه اختصار للكثير. قال "على الرغم من توزيع مقالات هذا الكتاب على ثلاثة ابواب تعالج شؤونا لبنانية وفلسطينية وعربية فان مواضيعها متداخلة ومتواصلة. النظام العربي هو نفسه. وأمراض المجتمعات العربية وتشوهاتها واحدة. والشعوب العربية تشكو من خلل في التكوين فهي لما تنتقل من مرحلة التجمعات العائلية والعشائرية والدينية والمذهبية الى مرحلة الانصهار في شعب واحد.

"ونشكو من خلل في الثقافة القائمة عموما على التسليم والطاعة وامتدادهما في الزبائنية والتبعية والولاء الاعمى. ومن هنا فان البحث عن الخلل من فوق اي من النظام والسلطة وادعاء "النضال" لتصحيحه هراء وهدر للوقت.

"فالتصحيح يجب ان يبدأ من تحت والطريق الى ذلك مجربة واضحة.. العلم والديمقراطية والعلمانية. والى ان تقتنع "شعوبنا" بذلك سنشهد الكثير من الحروب الاهلية وسفك الدماء والتمزق والاهتراء."

اقسام الكتاب الثلاثة حملت عناوين رئيسية وتحتها عناوين فرعية. الرئيسية هي "في الشأن اللبناني" و"في الشأن الفلسطيني - الاسرائيلي" و "في الشأن العربي".

بعد اهداء مؤثر نأتي الى مقدمة هي شأن اساسي في الكتاب اذ تحمل خلاصات واستنتاجات وافكارا حادة في صراحتها ونستطيع ان نقول دون تردد في موضوعيتها.

قال سويد ان موضوعاته المتعددة تعالج اشكالية واحدة هي "اشكالية بناء الوطن اللبناني والاوطان العربية" وذكر بالاسئلة القديمة التي تناولت سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم او "لماذا تنجح الشعوب المستقلة في بناء اوطانها وتفشل الشعوب العربية في انجاز ذلك." وذكر بقول للمناضل الفلسطيني الراحل الدكتور جورج حبش اثناء "تقاعده" من ان سؤالا هو "لماذا فشلنا؟" حيره واقض مضجعه وقال الكاتب انه توفي دون جواب عنه.

اضاف "ولا تزال هذه الاسئلة تستنزف العقل العربي بل ان الاجوبة المختلفة لا تقتصر على خلافات في الرأي والاجتهاد بل تثير صراعات منهكة واحيانا دامية ولعل اكثرها حدة واستدرارا للعنف ما يطفو اليوم على سطح المجتمعات العربية من حركات اسلامية تؤمن وتصارع (وبعضها يسفك الدماء) دفاعا عن شعار "الاسلام هو الحل" في مواجهة المفاهيم الاخرى وابرزها.. المجتمع المدني/العلماني الديمقراطي هو الحل او الوحدة العربية هي الحل او اقامة الدولة القطرية هي الحل الخ..."

ورأى انه "فيما ينجح "التخلف الشامل" في توحيد الشعوب العربية تحت رايته تمعن اسرائيل وحليفها المخلص "التخلف العربي" وحلفاؤها الاقوياء في الغرب في استغلال حالة الانهيار وغياب الرؤية وصراع الشعارات القاتل وينجح هؤلاء الحلفاء في انجاز صهيوني ثمين.. "نكبة" العراق وترشيح بلاد عربية اخرى لمصائر مماثلة.. السودان.. اليمن.. (لبنان..) والقائمة تكبر يوما بعد يوم."

وقال "وليست الانشقاقات والحروب الاهلية المعلنة وتلك الكامنة والمعدة لتنفجر في الوقت المناسب اقل هولا من اضطهاد الاقليات العرقية و"الدينية" في البلاد العربية والاسلامية واخطرها ما يدبر لمسيحيي الشرق.. استئصالهم من ديارهم الاصلية (غالبا قبل الاسلام) وارتكاب المجازر البشعة حتى في كنائسهم ( العراق) باسم الصورة المتوحشة لاسلام مزور يستدعي عصور الظلام لاطفاء انوار القرن الحادي والعشرين وكذلك ما يدبر من فتنة بين اتباع السنة واتباع الشيعة في الدين الاسلامي مما ينذر باندلاع حرائق لا يقوى احد على اطفائها."

ورأى ان "التحالف" الذي تحدث عنه نجح في ان "يسد طريق المستقبل العربي. ونميل دائما -كعرب- الى التنصل من مسؤولياتنا في اذكاء هذا التحالف فننسبه كاملا الى الصهيونية والغرب الاستعماري بل تحولت الشعوب العربية الى ادوات مطيعة للفتنة فاذا بقميص القضية العربية -وفي صميمها القضية الفلسطينية- يتناثر مزقا بين ايدي الاسلاميين المتطرفين والقوميين والقطريين على اختلاف مذاهبهم وايديولوجياتهم.. يشده كل في اتجاه ان الحقيقة والصواب ملكه وحده."

وتحت عنوان "السودان في مهب اللاعقلانية العربية" الذي كتب قبل الاستفتاء الاخير في السودان تحدث عن المجازر وقرار المحكمة الجنائية الدولية بالقبض على الرئيس السودني عمر البشير.

اضاف انه ما ان صدر قرار المحكمة الدولية "حتى عم الاستنفار لنصرة الرئيس السوداني... العالم العربي رؤساء وقادة رأي وسياسة ومجتمعا مدنيا بأحزابه ومنظماته وجماهيره. وشكل ذلك مرة اخرى... دلالة باهرة على غياب العقلانية والحكمة واصول الحكم الدولية...

"ثلاثمائة الف قتيل في بضع سنوات وملايين المهجرين الذين احرقت بيوتهم وهدمت وسبيت نساؤهم ويقيمون في بؤس المخيمات وجوعها وحرها وبردها لا يستحقون التفكير في اسباب ما الت اليه حالهم. انهم بشر اولا قبل ان يكونوا عربا او سودا افارقة...

"من السهل ان نفهم لماذا يهب الرؤساء العرب للدفاع عن زميلهم الرئيس السوداني.. فأكثرهم مدان بمثل تلك التهم من دون محكمة او محاكمة وشعوبهم تعرف ما يقترفون من كل يوم بحقوقها في العمل والعلم والاستشفاء وحرية التعبير عن الرأي بكل اشكالها...

"ليس من المطلوب من القادة والهيئات الشعبية سواء أكانت احزابا او مقاومة او منظمات اجتماعية في العالمين العربي والاسلامي ادانة البشير وهدر دمه... فالمتهم بريء حتى يدان بل نطلب ان تسود في مواجهة هذه الحالات الحكمة والعقل والمنطق فتشكل مثلا لجنة تحقيق عربية نزيهة وموثوقة تزور الخرطوم ودارفور وتحدد بتجرد غير قابل للطعن الصواب والخطأ في قرار المحكمة الدولية. يضاف الى هذا ان موقفا عربيا يتسم بالاستقامة يقوي ازاء العالم كله مطالبتنا بمحاكمة مقترفي الجرائم من القادة الاسرائيليين."