سُهير أياد..بين انطلاقتها واعتزالها فيض من الإبداع

بقلم: مصطفى القرة داغي
متألقة كنجمة

متألقة كالنجمة في تمثيلها، تلقائية حد البساطة في أدائها، تشعر وأنت تتابعها في هذا الدور أو ذاك بأنها نفس وذات الشخصية التي تجسِّدها، وليست مُمثلة لها ومؤدية لدورها.

ففي مسلسل "المسافر" الذي أدت فيه دور البطولة الى جانب المطرب كاظم الساهر بظهوره الأول والأخير على شاشة التلفزيون، إضافة للنجمة آسيا كمال والراحل عبد الجبار كاظم والعملاق خليل شوقي، لعبت الفنانة سُهير أياد دور بَطلة المسلسل "نماء" ابنة عم وحَبيبة بَطل المسلسل، وغنى لها الساهر بالمسلسل واحدة من أروع أغانيه وهي "محروس".

لقد تألقت سُهير أياد بدورها هذا أيّما تألق، وفاقت بروعة أدائها للدور وتلقائيتها في تجسيده أغلب من شاركوها تمثيل المسلسل، مع كل احترامنا وتقديرنا لهم وعلى رأسهم المُطرب المتألق والممثل الأقل تألقاً كاظم الساهر، الذين كان أداؤهم للأدوار مُتكلفاً غابت عنه العَفوية التي لم نلمسها سوى بأداء سُهير، التي وصَلت بالمُتابع للمسلسل الى مرحلة عدم التفريق بين سُهير الممثلة ونماء الشخصية.

أما في مسرحية "قصة حب معاصرة" التي أبدعت سُهير أياد في تجسيد دور بطلتها الى جانب الفنان القدير والرائع هو الآخر بعظمة أدائه التمثيلي وعفويته جواد الشكرجي، والتي أراها من أجمل وأروع وأجرَء ما قدّمه المسرح العراقي بداية التسعينات، فقد كان أداء سُهير أياد فيها رائعاً بشكل لا يوصف، عندما نجحت بامتياز في تجسيد دور بطلتها الصعب المُركب، والذي يعيش صراعاً إنسانياً عميقاً يعكس واقع حال الفرد العراقي الممزق، بين خيار صعب بالبقاء في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية صعبة، وخيار آخر لا يقل عنه صعوبة تمثل في فكرة الهروب والرحيل الى المجهول بحثاً عن واقع ومستقبل أفضل.

لقد كان دوراً صعباً لا تقوى على تجسيده سوى مُمثلة مُتمَكنة وقديرة بمستوى سُهير، وهو دور أراه الأبرز والأهم والأكثر خلوداً على طول مَسيرتها الفنية القصيرة بعُمرها لكن الطويلة جداً بنتاجها وإبداعها.

لقد ساهم هذا الأداء الرائع لسُهير أياد وجواد الشكرجي، الى جانب قوة إخراج النص المسرحي وجرأة فكرته في تخليد هذه المسرحية بأذهان العراقيين وحصولها على جوائز مختلفة بمهرجانات دولية عديدة، وباتت تشكل علامة فارقة في تأريخ المسرح العراقي الغني بأعماله المُتميزة.

تنتمي سُهير أياد الى جيل من الفنانات أنار بإطلالته الجديدة شاشات العراقيين في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهو جيل مُبدِع مِعطاء يضم بالإضافة للفنانة المبدعة سُهير الفنانات المتألقات هديل كامل وسُهى سالم وشُعاع وغيرهم، جيل إستطاع أن يَشق طريقه ويثبت حضوره في الواقع الفنّي العراقي بواحدة من أصعب المراحل السياسية والاجتماعية التي عاشها العراق.

لقد كان حضور الفنانة سُهير أياد على الشاشة متميزاً وله فعله على المشاهد العراقي المَعروف بصعوبة إرضاء مَزاجه المُتقلب، والذي نادراً ما تتقبّل ذائقته الفنية الغريبة والغير ناضجة شيئاً عراقياً، بسبب رأي سَلبي مُسبَق عن أي عَمَل عراقي ناتج عن وعي جمعي مغلوط عمره عشرات السنين.

فالفيلم والمسلسل العراقي بالنسبة لكثير من العراقيين فاشل ولا يستحق المُشاهدة، هكذا دون أن يروه وقبل أن يشاهدوا حلقة من حلقاته ومشهداً من مشاهده.

المسلسلات العراقية الوحيدة التي كسَرت هذا التقليد وأجبرت العراقيين على متابعتها والتسَمّر أمام التلفاز لمشاهدتها هي نادية، عنفوان الأشياء، ذئاب الليل بجزئه الأول والأماني الضالة وكان لسُهير حضور بارز وأدوار متميزة في الثلاثة الأولى منها، وكان لها بكل واحدة بَصمة واضحة لا تتركها سوى فنانة قديرة بمستوى سُهير أياد بتمثيلها وأدائها الرائع الذي يَسحر المشاهد ويتملكه.

جدير بالذكر أن الفنانة المبدعة سُهير هي ابنة الفنان أياد البلداوي، الممثل وكاتب البرامج المعروف، الذي قضى أكثر من نصف قرن في دروب الفن التمثيلية والإذاعية والمقيم حالياً في أميركا، وهي أخت نصرت أياد الذي عرفه المشاهدين فناناً صغيراً مُبدعاً في برامج الأطفال والدراما التلفزيونية وهو الآن طبيب وعازف غيتار معروف يقيم في بريطانيا، لذا فسُهير هي ابنة أسرة فنية أصيلة قدمت الكثير للفن العراقي.

لقد ابتعدت سهير أياد عن الشاشة منتصف التسعينات، ثم غادرت العراق بنهاية العقد نفسه، ويقال إنها تقيم حالياً في الأردن، طبعاً لا نعلم ما هي الظروف والأسباب التي دعت فنانتنا القديرة سُهير أياد الى الاعتزال، لكن مايجب أن يقال ويسُجل هنا للتأريخ هو أن اعتزالها للفن والتمثيل أدى الى خسارة المسرح والتلفزيون العراقي واحدة مِن ألمع وأفضل ممثلاته التي لم ولن تُعَوّض.

تحية لفنانتنا العزيزة والقديرة سُهير التي نتمنى لها كل النجاح والموفقية، والتي سنبقى نتذكرها كفنانة مُبدعة مُتألقة ونتذكر فنّها الراقي وأدوارها الرائعة المُتميزة التي لا تُنسى، وستبقى رغم اعتزالها للفن والتمثيل نجمة بارزة ومتميزة في سماء الدراما العراقية.

مصطفى القرة داغي

karadachi@hotmail.com