سُنة العراق... مشروع دولة البغدادي!

الجماعات الدينية لا تجيد سوى الهياج الطائفي

تكشف تصريحات المسؤولين السياسيين وبعض القادة الأمنيين ومسؤولي محافظات سنّة العراق عن (ضبابية) شديدة في إدراك الواقع، مع أن الواقع واضح وجلي.

القيادة العراقية كالسكران تدفع بالأحداث إلى التعقيد والفشل، لتبدو المسألة معقدة جداً وغير قابلة للحل في الأمد القريب، وبالتالي تركها رهن تحولات القدر والوقت!

لقد بات كل عراقي يدرك جيدا أن النازلة التي تعصف بالعراق اليوم ليست شرا محضا بل هي شر فيه خير عظيم، خيرها في تنشيط الروح الوطنية التي أفقدتها الخصومات السياسية بريقها وجمالها، ووقفت حجر عثرة في طريق بناء الروح الوطنية العراقية التي هي وحدها من يستطيع مواجهة مشروع دولة البغدادي، كما أن الانقسامات الطائفية والقومية والمناطقية في العراق هي من تقتل دائما الغيرة الدافعة إلى حماية الأرض والعرض والدين والنفس..التصدي لداعش قضية يتشارك في حملها كل أهل العراق.

والأمر الأكثر تعقيدا في أعقاب الانهيار الأمني في الموصل، كان في بروز محاولات من كتاب وصحفيين لإثبات أن هناك اتفاقا بين القوى السنية المسلحة (سلفية أو إخوانية أو صوفية أو بعثية) من جهة وداعش من جهة أخرى، وهذا جاء بسبب اعتمادهم على قرائن منها رفع صور صدام حسين وعزة الدوري، وظهور بيانات تعلن تعيين اللواء في الجيش السابق أزهر العبيدي محافظا للموصل، هذه المحاولات الإعلامية كانت تريد ان تدفع إلى تصفية حسابات طائفية والانتصار لمسائل حزبية بحتة، في ظل تجاهل تام لضرورة إثبات الحقيقة المجردة!

هذه المحاولات جاءت لخلط الأوراق، وغالبا ما كان خلفها التسرع غير محسوب العاقبة، والعاطفة التي تروج للطائفة، في مقابل تهديدات توسع مشروع داعش في جغرافية سنة العراق.

الواقع أن أحد أهم أسباب بسط نفوذ داعش في مناطق سنة العراق يكمن في سببين رئيسين:

أولهما؛ سنة العراق يتفقون بالأصول العقائدية والفقهية مع داعش، وان كانوا يختلفون معهم في مسائل التكفير وأحكام الجهاد والموقف من الشيعة.

ثانيهما؛ التهميش السياسي والحكومي الذي يتعرض له سنة العراق، لتكون دولة البغدادي هي المخلصة والمنقذة والحامية لهوية سنة العراق.

صورة دولة البغدادي وأنصارها بالمحافظات السنية صورة مليئة بالدماء المتبادلة، والصورة الداعشية لسنة العراق مبنية على فكرة جاهلية وكفرانية تلك المجتمعات.

يدرك البغدادي وجنوده أن طموح الخلافة الإسلامية لا يقوم بمجرد التوسع وفرض البيعة، بل لابد ان يتمثل بقبول المكون (السني)، وهذا محال في مثل هذا الزمان لحتمية الأسباب الشرعية، ولأن معظم سنة العراق هم ليسوا مؤهلين لقبول خيار العيش في ظل أحكام الدولة الإسلامية هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن سنة العراق تميزوا بتعددية مرجعياتهم الدينيّة والسياسية والعشائرية وكلهم متعلقون بحب الرئاسة وساعية إليها.

ويرغب زعماء سنة العراق ومعهم دول الجوار في وصف سنة العراق بالأقلية، وهذا الوصف صمام أمان لهم في إشباع شهوتهم بحب الرئاسة، حتى ولو كان هذا يساهم في إضعاف المكون السني من حيث تحصيل حقوقه!

هذه الرغبة التي تبقي سنة العراق أقلية، هي رغبة داعش وأنصارها، وهي تعمل لذلك منذ أيام الزرقاوي، وداعش اليوم ذات أثر كبير في الساحة العراقية والسورية، وهي قادرة على مسك الأرض، لكنها اضطلعت بدور أكثر اتساعاً وتأثيراً من خلال رغبتها في تنمية دورها في الجهاد العالمي !

الإعلام العربي في الشرق الأوسط كان دوماً يعطي دولة البغدادي ما لا تستطيع أن تحققه منفردة والحالة العراقية والسورية خير شاهد، وكل محافظة سنية تسيطر عليها داعش تسلب ثرواتها وتهجر أهلها وتجعل أرضها ميدانا للمعارك .

دولة البغدادي لا يمكن فهمها بعيداً عن (سنة العراق) التي نجحت في تقسيمهم إلى قسمين؛ قسم موال لها تغلب عليهم العاطفة والشعور بالمظلومية ويقترن معها الجهل المركب، وقسم معارض لا يتحذر من مباشرة قتالها والصدام معها.

إن الإشكالية الكبرى التي كانت، ولا تزال، تواجهها سنة العراق في مقابل مشروع دولة البغدادي تعدّ غياب مشروع سني حقيقي لمواجهة الأطماع والتوغّلات خلايا دولة البغدادي في المحافظات السنية، تارة تحت غطاء وحدة العقيدة والمذهب، كمزاعم قيادة السنة في العراق، وطورا تحت راية نصرة سنة العراق من المد( الصفوي الإيراني).. بينما الهدف الحقيقي تسجيل مكاسب سلطوية وغنيمة الثروات، وتشكيل قاعدة شعبية، وبناء خلايا نائمة وأذرع عسكرية موالية لداعش في العراق.. في ظل ضعف وشتات قيادات سنة العراق!

لذا فإنه أصبح من الضرورة بمكان البدء في تشكيل تحالف سني معتدل مكون من الأحزاب السنية والفصائل المعتدلة والزعامات الدينية والعشائرية والنخب والمثقفين، يوقف المشروع التوسعي لداعش في جغرافية سنة العراق، ويضع حدا لتهديد داعش للمجتمع السني من خلال خلاياه المثيرة للعنف والقلاقل في المنطقة السنية، الذي يصب في نهاية المطاف في خدمة دولة البغدادي، حتى وإن ظهر ذلك بنكهة طائفية وصراع من أجل الهوية، بينما هو في واقع الأمر مشروع لفرض بيعة البغدادي ولبسط النفوذ وتكثير الثروات!

هاشم الهاشمي

كاتب عراقي