سَمِها يا سريري سفينةَ أهوائنا العالية

أيهذا البعيد الجميل الأحد

أسرعتُ كي أصل للمنفذ الذي يوصلني لأول الفراغ، ولم يكن ذلك الفراغ محسوساً لأنه ناتجٌ لفعلٍ مرادفٍ لطريق لم أرهُ منذ سنين لم ولم أجلس قبالته يوماً، لقد صنّعت لي مُخيّلتي تلك الهوة الفاصلة ما بين عالمين، عالمٌ محتوى بأشياءٍ كثيرةٍ، وعالمٌ أخرُ فسيحٌ ومتمددٌ ومتشعبٌ في طُرقهِ اللامنظورة وهو يعطيك أكثر من قوّته إن جدحتَ لهُ بومضةٍ فتنتقل منه إلى ما تشاء وتظل بذلك العالم إلى متى تشاء خارج العد الرقمي لعقرب الساعة لتجد ما تريد من الحكايا والصور غير المعلقةِ والألوان وأصناف الزهور الغريبة والأجساد التي لا تُصح إلا بالتأويل وتنعم بقراءةِ الماءِ عليها.

ولعل أغرب ما في ذلك الفراغ ذلك التوالد المستمر الذي يلحق فراغا بفراغ ومستويات من النظرِ بأخرى ولا يعلق بمسار خطوطهِ علامات أو رسوم توضيحية لمعرفة اتجاهات سكونه أو سيره، لذلك ومهما كان حراكي كنت أصل كل يوم لذلك المنفذ وأجلب أرزاقي منه متيمناً بما بقي في ذاكرتي وما شربت منها من الشهوات ومن مَن رأيتهم ملتفين حول الحوض الباخوسي العتيق، وأنا أدندنُ بنفخ مزماري أمام النار الملتهبةِ كي تخرج العربةُ من ذلك الرماد ولن يستطيع بعد ذلك أحدٌ أن يحرمني من طبيعةِ دوراني في الدائرة ورغبتي في شد فكيَ وفك الحصان كي نكون ضمنياً واحداً لحين بلوغ أخر الفراغ الذي سيقودنا لبدايته، لذلك اشتهيت:

عَرفتْ.. كيف تحتاجنا

في مضيق جراحاتنا،

في برازخِ شهوتها الهاذية

عرفتْ،

كيف تطغى، تهيئُ أعضاءنا

للوقوف على بابها

للدخول إلى جذرها،

للتفجرِ فيها

سَمها يا سريري

سفينةَ أهوائنا العالية

سفينةَ أهوائنا العالية

عند ذلك لمحت ما تم تعريفه من الموج، وكانت أطرافٌ لي قد إتسعت وملأت مقدمة الشاطئ تريدني أن أتفردَ بما تمنحه اللحظةَ من اقتباساتٍ تأتي من منقار الطبيعةِ حينها سمعت دقات الأصوات التي ملأت المسطح الزماني الذي يرسل الإضاءات البطيئة وكان لا بد أن أستعينَ بالذين يركعونَ أمام أصوات الأجراس فأمتدح غرائزهم تارةً وأجيب إجابات نصفيةٍ عن أسئلتهم وهم يلمحونَ لذلك البعد من المسافةِ التي تنقطع عيونهم عندها، لم يستبشروا بما قدمت ولم يتصافحوا كي يتوافق بعضهم مع الآخر لكنهم فتحوا صدورهم وقالوا سنتطابق في حين ازداد قرع الأجراس وأوصلوا أسماءهم بالتناوب إلى أعالي المحيط، أما النسوة فكن يكلمن أجسادهن وبعضهن يوعدن أنقاضهن بالنمو وبمحو الآثام القديمةِ وتأجيج الشهوات في الدائرة وينشدن ويدرن حولها وكان الموج قد سمع أصواتهن التي تنوح، ومرة ثانيةً اشتهيت:

يدها في يدي

وكلانا غريب

وكلانا غداً ميتٌ

في فراشٍ بعيد

سربليلنا بأوهامنا..

وبأشباحنا يا أساطير أيامنا

واضطرب.. واقترب

أيهذا البعيد الجميل الأحد

أيهذا الجسد.

وللتو عدت من سرعتي تلك وفضتُ بما حملت، ولم أشرح ما لدي، لم أشرح ما لدي، لأنه كان مكشوفاً يُقرأُ بالملامسةِ قبل أن يُقرأ بالبصر بل يحتاج لعودةِ أمواج جديدةٍ أو مجذفين يوجهون الريح والأشرعة حتى أخذ سمعي ما رأه متوافقاً مع احتياجاته للسنين القادمةِ وخمن كم سيهذي بدءا من تلك اللحظةِ وكم سيرى بقعا ملونة من تلك الدماء وتيقنت حين سأنظر لتلك المرآة المعلقة في فتحة من فتحات ذلك الفراغ سأرى من يهزج ومن يدق الطّبل ومن يشم الجسد في الاسطوانة وكيف سأستمع لشكل آخر لما أريد، ومرة ثالثة اشتهيت أن أكمل طقوس عزائي كي أغلق الكتاب:

عزائيَ ..

أن هذا المكان الذي جئت منه

لا يزال يوشوش أسراره للزمان

وأن الزمان الذي أنتمي إليه

لا يزال يجدد ألوانهُ

ويقلب أوراقهُ

في كتاب الشجر

والى هذا الحد لم تأت مرات أخرى ولا نسب من المتوقعات ولم أعد أطيق الدخول إلى الأشياء المحددة المعلومة حين أدركت الريحُ قصدي وراحت تدفعني بعيداً بعيداً. .. بعيداً.

• المقاطع الشعرية لأدونيس