سينما خالد يوسف والبلورة المسحورة

بقلم: د. نهلة إبراهيم
كشف المستور

سينما خالد يوسف تنفرد بين ثناياها بخط فكري وحس سياسي بالغ الأهمية. فعلى الرغم من كونه قد يلجأ لاستخدام لغة الفن للفن في بعض الأحيان من خلال بعض الأفلام التجارية – التي لاتخلو من مضمون فني بالطبع- مثل فيلم "أنت عمري"، "ويجا"، "كلمني شكراً"، إلا أنك تستطيع أن تلحظ وبوضوح ذلك الحس السوسيولوجي (الاجتماعي) الراقي والقراءة الواعية للأحداث فهو بحق ابن جيله يعبر عن آلامه وآماله وإحباطاته، فيناقش الألم العربي في براعة من خلال فيلمه الرائع "العاصفة" ونراه يراهن على قدرة الشباب الجامعي الثوري وكل شرفاء الوطن في التصدى لتلك العاصفة بعاصفة غضب أقوى وأشد.

وينتقل خالد يوسف بحسه السوسيولوجي الناقد الى كشف المستور عن العشوائيات في سلسلة من الأفلام بدءاً من "حين ميسرة" الذي كان كالصفعة على وجه المجتمع فكشف عن الفقر والعوز والحاجة، وجرائم الشرف، التي تقترن وتجارة المخدرات، والعشوائيات التي صارت عششا ًأو أعشاشا ًللمتطرفين، والبلطجية، وتجار المخدرات.

واذا ما حاولت رصد ظاهرة العشوائيات في سينما خالد يوسف تجدها تمثل همه الشاغل حتى في بعض أفلامه التجارية كفيلم "خيانة مشروعة" تجده يسلط الضوء على أسباب خيانة البطلة المشروعة من وجهة نظرها من خلال مشهد الأيدي المتصارعة على مسح طبق الفول، ومرض رب الأسرة، وبطالة الأخ لسنوات طوال؛ فقر مدقع يجر شهد الى مستنقع الرذيلة والكل يعرف ويغض الطرف حاجة للمال. ويعرض في المقابل لنموذج "مي عز الدين" الصحفية البسيطة التي نشأت في أسرة فقيرة ولكنها- على حد قولها- مستورة. ويأتى على لسانها ذكر أنها ربما لو تعرضت لظروف سيئة مثل التي تعرضت لها الأخريات، فمن العالم ماذا كان سيكون حالها؟!

وإذا ما حاولنا الاستمرار في رصد الخط الفكري لخالد يوسف في أفلامه فإنه يفاجئنا برؤية سوسيولوجي محنك خبير في فيلمه بالاشتراك مع أستاذه يوسف شاهين "هي فوضى" إنه يرصد من خلال صورة أمين الشرطة (حاتم) الصورة المجسدة لبطش بعض رموز السلطة، ويحلل أسباب تسلطه وفساده من خلال تحليل طفولته ونشأته المرضية، ثم يعرج في خفة الى عرض يوم في حياته يبدؤه بلم الاصطباحة "من أهل الحي كل حسب حاجته، وأسلوبه في التعامل مع رؤسائه من الضباط وكيف يرضى المأمور، وكيف يتعامل مع ضابط المباحث. ثم ينتقل الى رصد علاقته بجيرانه وتسلطه عليهم وعلاقته بالمجرمين وفتيات الليل. إنها بانوراما تكشف عن الشخصية التسلطية "لحاتم" الذي فرض في وقت من الأوقات قانونه "قانون حاتم" من خلال قبضه على شباب الحي المتظاهرين وإخفائهم في زنزانة قديمة بالقسم، ومن خلال تعامله مع جارته ومعشوقته وكيف اعتدى عليها بوحشية حينما فقد الأمل في الوصول إليها بأي طريقة شرعية وحتى بالسحر والشعوذة.

وإذا ما حاولنا الانتقال لمحطة أخرى من محطات خالد يوسف الهامه فإننا لا بد أن نقف – لا محالة - وقفة تأمل مع فيلمه "دكان شحاته"، ففيه يلعب خالد يوسف "لعبة الفلاش باك" في براعة متناهية فيعرج بين الماضي والحاضر والمستقبل بتصور محلل مدقق يربط خيوط الأحداث المتناثرة ليصنع منها نسيجا ًمعبراً بصدق عن الحاضر. وهو يطلق صيحات الغضب ويدق أجراس الخطر هنا وهناك. فهو دائماً يرى المواجهة قادمة لا محاله وينبيء عنها في "حين ميسرة" بالانفجارة العظيمة التي يروح ضحيتها النساء والأطفال، والمواجهة شرسة بين رجال الأمن والمتطرفين، وهروب الهاربين بلا دليل.

وهو يدق ناقوس الخطر للمواجهة الشرسة بين الشرطة والجماهير في المشهد الأخير لفيلمه "هي فوضى". ويدير البلورة المسحورة ليستشرف المستقبل القريب لمصر في نهاية فيلم "دكان شحاته"، فبمقتل شحاته رمز الإنسان المصري المتسامح تسود الفوضى، وتنتشر الجريمة وتقف مصر على عتبات الدمار.

وقد نرى في نهاية فيلم خالد يوسف الاستشرافية تلك الكثير من الصحة، ولعل حادثة الشاب "خالد سعيد" تجسد بصورة أو بأخرى جانبا من جوانب الرؤية السينمائية السوسيولوجية الصائبة لخالد يوسف.

ولعلنا نتمنى أن تجد أعماله صدى لدى صناع القرار فيتلافون أسباب الصدام حرصاً على سلامة الوطن حكاماً ومحكومين. وعلى الرغم من اختلافي مع خالد يوسف حول التوظيف السينمائي لمشاهد الجنس واستخدام بعض الألفاظ في أعماله، وعلى الرغم من اختلافي معه في تغليفه للقضايا الاجتماعية الساخنة بمتطلبات السوق السينمائي من مشاهد إغراء، إلا أن ذلك لا ينفي ـ وبحق ـ أنه المخرج الشاب ابن جيله صاحب البلورة المسحورة الذي استطاع أن يضع يده على مجموعة من القضايا الأكثر سخونة في المجتمع المصري حتى أنه أصاب في كثير من الأحيان مواضع الألم في المجتمع المصرى، والخوف كل الخوف من اغتيال المصري البرىء المتسامح فلا نجد أمامنا سوى رؤوس الفساد وأذياله، وتضيع الثورة إن أضعنا الشباب البرىء الذي أشعلها نوراً لا ناراً.

وأرجو من الله أن يقف جموع الشعب المصري حول شباب الثورة حتى يحققوا أهدافها ويلتفتوا لبناء الأمجاد بدلاً من تحولنا لمشهد كابوسي تغوص فيه البلاد حتى أذنيها في مستنقع الفساد والفوضى.

وأخيراً تحية عطرة لخالد يوسف وكل أبناء جيله من الفنانين الشرفاء المهتمين بهموم الوطن.