سينما المانجا

المرء إذا أمسك بالصورة فإنه تمكن من الإمساك بالروح

عنوان الفصل: المشاعر التي بدأت تنبت أصبحت تتلون، تحلم باليوم الذي يأتي فيه الربيع. وبينما كانوا يرسمون سألته: إلى أي بلد تفكر بالسفر للدراسة، فيخبرها أنها بلد صغير، وأن سفرته ليست للدراسة، وإنما لمساندة الدول الفقيرة قائلاً: في حياتي أردت أن أرسم لوحاتي مع الأطفال المساكين، وهذا هو حلمي.

كان ذلك فصلاً من قصة المانجا المشهورة بعنوان "من قصص المانجا اليابانية ذات النكهات المختلفة"، والتي مكنتهم من اختراق العالم لتكون مفردة ثقافية يابانية تؤهلها لتحويل الثقافة القادمة لتكون آسيوية بامتياز.

نعم، عن القصص اليابانية المصورة المسماة (المانجا) أتحدث، ولم أقصد بالعنوان أية إشارات ساخرة من السينما المصرية أو العربية على حد سواء، ليس لأنها لا تستحق، بل يبدو أن وصف المانجا صار وصفاً عالمياً راقياً لا يمكن أن نصف به السينما العربية الحالية مع ما تعاني منه من الكثير من التردي والترهل، والأكثر من الإسفاف والابتذال، بينما تنعم المانجا اليابانية بحالة نادرة من الرقي والوعي الثقافي.

إنها المانجا الوحيدة التي تُرسم، تُقرأ، وتحكي تاريخا عريقاً، تلك المانجا التي تُثمر أُطروحات فكرية، وثقافية مكنت اليابان من ارتداء قفازاتها الحمراء وهي تسيطر على عقول وقلوب الكتيريين.

لقد ارتقت المانجا من مجرد قصصٍ ورقيةٍ ورسومٍ هزليةٍ ترسم في أغلب الأوقات بالقلم الرصاص لتكون ظاهرةً اجتماعيةً يقبل عليها اليابانيون ويقدمونها للعالم نصاً أدبياً بصرياً وحيوياً متحركاً وجاداً ومبهجاً وأنيقاً معاً الأمر الذي يخلق تساؤلات كثيرةً عن ماهية المانجا، وقدراتها العارمة على الانتشار، ودلالة هذه الظاهرة الثقافية.

• تاريخ المانجا

المانجا قصص مصورة في لفافاتٍ ورقيةٍ تتميز بصغر حجمها، وترسم بالأبيض والأسود، وقد أضيف لها مؤخرا بعض الاقلام الملونة، تعالج موضوعات الحياة كافة (الرومانسية، والمغامرات، والمشاكل الاجتماعية، والسياسية، والحروب والتاريخ والخيال العلمي وغيرها في أوراق بسيطة محققةً المتعة والتسلية في محاولةٍ عبقريةٍ لربط الإدراك والوعي بالصورة والرسم، وتعود أصولها لما قبل ٨٠٠ عام، في المعابد حيث رسوم الأرواح والحيوانات، غير أن بداياتها القصصية ترجع لبدايات القرن ١٨، وتطورت القصص المصورة على يد الفنان الياباني الشهير (كاتسوشيكا هوكوماي) الذي بلغت أعماله الفنية أكثر من ٣٠٠٠ لوحة فنية، ليصطبغ بعد ذلك الأدب الياباني بالصبغة المصورة والحركية ولتتطور المانجا بشكل ذاتي داخل المجتمع الياباني لتظهر بقوة أثناء الحرب العالمية الثانية (١٩٤٥- ١٩٥٢).

ويعتبر (بيزوكا أوسامو) من أشهر مؤلفي المانجا وقتئذ، وتعد أشهر أعماله (كيمبا الأسد الأبيض) والذي استوحت منه والت ديزني فيلمها الرائع الأسد الملك، وتتطور أكثر لتتحول لفنٍ شعبيٍ، وطريقة للحياة، فلا توجه للأطفال فحسب، بل لمختلف الأعمار بإطروحاتٍ وموضوعاتٍ كثيرةٍ وتتعامل مع الحياة بأكملها في صور حركية بسيطة، وتختلف المانجا بعد الحرب العالمية الثانية لتأترها بالكوميكس الاميركي، وأفلام الانيميات لتحقق معادلة التراث والعصر معاً فتربط بين الفن القديم بثقافة المحارب السامواري وأخلاقيات بوشيدو من الولاء والمثابرة والصدق والوفاء، وبين الموضوعات الاجتماعية المعاصرة التي تحمل رسالات ثقافية للشباب، وأفكار علمية مستقبلية تصلح لتقدم للعالم بأسره.

وكان النمو الحقيقي للمانجا عالمياً في الثمانينيات فتصبح فرنسا ثاني أكبر سوق للمانجا، وتحصل على شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا والشرق الأوسط. فالجميع يتذكر كابتن (تسوباسا) أو كابتن ماجد ذلك المسلسل الذي أحدث ضجة عالمية.

كما نتذكر المسلسل الاجرامي الكارتوني (المحقق كونان) وتتابع السنوات لتحقق فيها المانجا نفوذا وشعبية هائلة، وتحجز مكاناً لها في قلوب أطفال العالم، بل تصبح محركا ثقافياً مهماً في توجيه الرأي العام الياباني، ومرآة تاريخية، وبوابة للمستقبل والتقنيات الحديثة.

والطريف أنها استطاعت أن تبقي الأطفال أوفياءً لقراءتها، وتصبح نقطة تواصل عبر الأجيال، فمثلاً سلسلة (شونين دراجون بال) استمرت مغامراتها لمدة عشر سنواتٍ منذ ١٩٩٥، فإن كان عمر قارؤها عشر سنوات فإنه سينتهي من قراءتها في عمر العشرين، لذا ليس بمستغربٍ بدا أن تصل عائدات المانجا الاسبوعية ما يعادل العائدات السنوية لصناعة القصص الأميركية وهذا يدل على أمرين هاميين أولهما: تطويع البعد القصصي والروائي لصالح المشهد التربوي للأطفال، فقد اعتبرت المانجا جزءاً من المنظومة التربوية من طرف وزير الثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني عام ٢٠٠٠، وتم وصفها كمجال ثقافي عام ٢٠٠٢ وتسجيلها كجزء من الفن، وإضافتها للبرامج التعليمية، كما بنيت لها مقاهي ومراكز ثقافية كاملة للمحافظة عليها كشكل من أشكال الثقافة الاكاديمية.

ثانيهما: اعتبار المانجا محركاً أساسيا وفاعلاً في الاقتصاد الياباني واعتبارها تجارة مزدهرة، حيث وصلت مبيعات المانجا ٢ تريليون وخمسمائة بليون ين ياباني سنويا.

ولم تقف المانجا عن هذا الحد، فبعد حصول اليابان في مطلع ٢٠٠٣ على الأوسكار لأحسن الأفلام المتحركة عن فيلم "المخطوفة" أو رحلة "تشيهيرو" رائعة زاكي هاياو، فأخذ المسؤلون لنشر ثقافة المانجا عالميا من خلال عدة جوائز عالمية ومهرجانات دولية تسعى للتبادل الثقافي وتعميق المانجا في ثقافة الشعوب، منها جائزة المانجا الدولية التي تأسست ٢٠٠٧ بناءً على مبادرة من وزير الخارجية آنذاك (تارو سو) وأن الفائز بالاضافة للجائزة المالية سيحصل على دعوة لزيارة اليابان مما يجعلنا نتأكد من أن هذه المبادرة ليست سوى نوع من الدبلوماسية الثقافية التي تمكن اليابان من كسب النقاط على حساب جدول أعمال الآخرين، وأنها بارعة في استخدام مفرداتها الثقافية محققة بقلمها الرصاص ما تعجز عنه سياسات عظمى.

وحتى تتغلب على العائق اللغوي أطلقت عام ٢٠١٣ المسابقة العالمية للمانجا الصامتة لتكتفي بالرسوم والحركة لتكون أكثر عمقاً، علماً بأن عام ٢٠١٤ فازت بالمركز الثاني عن هذه المسابقة الفنانة الاردنية ديانا العبادي عن عملها A pure love.

إن الحديث عن المانجا لا ينتهي، لكنه في الحقيقة يطرح أمورا جدلية وفارقة في مسيرة الحياة الثقافية مما يجعلني أطرح تساؤلات على هامش الموضوع.

إن المانجا تؤكد أن الصورة أكثر نفاذا في عقل وقلب الطفل، بل إنها حضارة بأكملها بأسلوبها وقيمها وتوجيهاتها ورموزها. فأين نحن من القصة المصورة؟ وأين أطفالنا منها؟ ولماذا يشح أدب الطفل العربي؟ بل لماذا ندخل للطفل من الباب الدعوي والتبشيري والخطابي؟ ولماذا نؤصل ثقافة الذاكرة دون الابداع؟

بل إنه لمن الطريف أن المانجا اليابانية لم تجد ترحيبا واسعا من بعض الدول العربية لاعتبارات سياسية ودينية وإنها تتسلل عبر الانترنت، غير بعض المجلات المحدودة مثل مجلة "خيال الامارات" فإذا كنا مختلفين مع طرحهم القصصي والثقافي فأين بديلنا نحن؟

عموما عندما أقرأ المانجا اليابانية تؤلمني جدا ذاكرتي وأنا أبحث عن السندباد البحري، وعلاء الدين، وقصص كليلة ودمنة، وغيرها من القصص التراثية التي لم تعد في حياتنا الآن.

وقبل أن أنهي موضوعي قفزت لذهني عبارة أفلاطون في محاورة فيدون:

"إن المرء إذا أمسك بالصورة فإنه تمكن من الإمساك بالروح".