سيناريو مرعب بين الشيخ والجنرال

بقلم: د.خالد غازي

يخشى "الثوار" من مخاطر هائلة كامنة في نتيجة الانتخابات؛ ففوز الفريق أحمد شفيـق شكل "لطمة" هائلة لقوى الثورة، فهو يؤكد أن النظام السابق الذي خدم في ظله ما زال يتعين تفكيكه، في الوقت الذي يهدد فيه فوز محمد مرسي بـ"دكتاتورية" دينية قد تثير الفتنة الطائفية ويصعب التخلص منها ومن آثارها.

ويؤمنون إنه من دون "رئيس ثوري" لن يكون تغيير ثوري في مصر، ويرون أن الانتخابات كانت فرصة حقيقية للشعب لاختيار رئيسة، سيما وأنه خضع على مر التاريخ لحكم "الفراعنة، والسلاطين الملوك وقادة الجيش"، وأن الأمر بلغ درجة أن بعض الناخبين المسنين الذين بلغت أعمارهم حوالي 75 سنة يقولون إن هذه أول مرة في حياتهم ينتخبون فيها رئيساً لمصر.

(1)

انتهت الانتخابات الرئاسية في جولتها الأولى بإعلان الإعادة بين د.محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، بنسبة أربعة وعشرين وثمانية من عشرة في المائة، والفريق د.أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك الأخير، بنسبة ثلاثة وعشرين وسبعة من عشرة بالمائة، مما يبين الغياب التام للرؤية التي يتحدد بناءً عليها اختيار الرئيس.

وتمثلت "المفاجأة" غير المحببة في خروج حمدين صباحي المرشح الثوري، ود.عبد المنعم أبو الفتوح المرشح الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية، وعمرو موسى، الذي على الرغم من أنه محسوب على النظام السابق وذيوله، إلا أن التوقعات كانت تعتبره "المرشح الأقوى"، والحصان الأسود في الحصول على أصوات مؤيدي النظام السابق وأنصار حزبه المنحل.

هذه النتيجة المحيرة تضع "الناخب" أمام اختيار صعب، عليه أن يختار بين جمهورية تحكم بالشريعة، وبين دولة ليبرالية أو ديمقراطية موجهة يضمنها الجيش ويقبض بتلابيب السلطة فيها من راء الستار، وما إن كانت جماعة الإخوان المسلمين التي تهيمن على البرلمان، وهي ما زالت قوة كبيرة ستقف إلى جانب الجيش الذي حكم البلاد لعقود طويلة، وربما سيواصل حكمه لعقود مقبلة أيضاً!

والسؤال: هل سيحترم المصريون نتيجة الانتخابات مهما كانت، ومهما كان رفضهم للرئيس القادم؟ خاصةً أن هنالك شعوراً بأن الليبراليين لن يخاطروا بالنزول إلى المظاهرات والتعرض للضرب والقتل لتمهيد الطريق لانتخاب رئيس من جماعة الإسلام السياسي، وأن الإسلاميين لن يرضوا باختيار شخص من نظام مبارك الفاسد، وأن العديد من المصريين ما زالوا يتساءلون عن نوع الدور الذي يخطط المجلس الأعلى للقوات المسلحة للعبه في الحكومة الجديدة.

(2)

لقد باتت مصر على شفا حفرة تقترب من الانزواء فيها، والوقوع بين سندان "مرسي" المرشح الإخواني الإسلامي الذي تستطيع حركته السياسية الوصول إلى كل طبقات الشعب المصري في مختلف أماكنها، تستطيع الوصول إلى "الفقراء، الأغنياء، المثقفين، البسطاء، الثوريين، بل وبعض المحسوبين على النظام السابق"، ومطرقة "شفيق" الذي يستند على تأييد كبير من أنصار النظام السابق، وتأييد طوائف دينية، وتأييد من شرائح شعبية تخشى انفلات الأمن، لكنه وصوله لمقعد الرئاسة يجعل كثيرون يرون فيه أن النظام السابق خرج من الباب ثم قفز داخلاً من نافذة شفيق.

لقد فجرت الانتخابات زلزالاً من المفاجآت ضرب جماعة الاخوان في معاقلها الاستراتيجية، مثل محافظات الشرقية والقليوبية، وهو ما دفعهم للبحث مجدداً عن خطة الاستحواذ على الكرسي بحشد الأنصار، وخطب ود التيارات الإسلامية التي اختلفت معها قبيل الانتخابات.

وتفسيراً لهذه النتائج فإن وصول مرشح الإخوان لصدارة المتنافسين يرجع إلى التنظيم الجيد للجماعة والدور الذي لعبته بدقة بالغة خلال وقوفها وراءه، رغم الهزة التي ضربت التنظيم الإخواني؛ بسبب أدائها الباهت في مجلسي الشعب والشورى، فيما استفاد شفيق من مخاوف الانفلات الأمني، وبحث المواطنين عن شخصية قوية تعيد الاتزان إلى مؤسسة الحكم.

استمد مرسي قوته من ماكينة الدفع الإخوانية وقوتها التنظيمية الهائلة وتأثيرها في الشارع ـ وإن كانت قد فقدت نسبة عشرة بالمائة من قوتها بعد انتخابات مجلس الشعب لضعف أداء نوابها البرلماني ـ لذا خلا الملعب للفريق أحمد شفيق وتوفرت له الظروف المناسبة والتوقيت الصحيح لاستغلال بعض الملفات المهمة والقضايا الشائكة للتأثير على الناخبين، وتخديرهم و"سلب" الأصوات، فكان الرجل القوي أمام الكثير من المصريين.

(3)

لكن رئاسة شفيق يهددها احتمال حدوث "سيناريو رعب"، رغم أنه من المفروض احترام إرادة الناخب حتى تمر الفترة الانتقالية، وتسليم السلطة، لأن رفض النتائج والنزول للشارع يعني استمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة في السلطة، وسوف يسانده الشارع في ذلك، خاصة الكتلة الصامتة، بل قد يصل الأمر إلى مطالبة العسكري بفرض الأحكام العرفية بالفعل؛ فالقوى السياسية لا بد لها من قبول الرئيس القادم مهما كانت ميوله السياسية، إذا كانت جادة في إنهاء الفترة الانتقالية وتسليم العسكري للسلطة.

ورغم وجود "شكوك" حول نزاهة الانتخابات في ظل المادة 28 من الإعلان الدستوري، وشكوك تدور حول "أعضاء اللجنة"، لكن علينا قبول الظروف التي تمر بها البلاد، وقبول الرئيس القادم مهما كان اسمه أو لونه السياسي، سيما وأن إجراء الانتخابات جرت في مناخ ديمقراطي نزيه وشفاف بعد التعديلات الأخيرة التي وضعها مجلس الشعب حول قانون الانتخابات الرئاسية، التي قضت بفرز الأصوات في مقار اللجان الفرعية ومراقبتها، ما سمح لمندوبي المرشحين معرفة الأصوات التي حصل عليها موكليهم، وتجميع تلك الأصوات في جميع اللجان ما يمكن المرشح من معرفة ما حصل عليه من نتائج في الصناديق دون الحاجة لإنتظار إعلان لجنة الانتخابات النتائج النهائية.

هذا التدبير لا يسمح للجنة الرئاسة إعلان نتائج غير التي حصل عليها المرشحون، ولن تتيح الفرصة لتزوير كما حدث في الانتخابات البرلمانية.

لكل هذا فإن الجميع مطالبون باحترام النتائج مهما كانت هوية الرئيس، واحترام القانون وتطبيقه على كل من يخرج إلى الشارع لإحداث الفوضى، وأن "سيناريو الجزائر" الذي يدور في بعض الأذهان لا يمكن تكراره أو إعادة إنتاجه في مصر، لأن طبيعة الشعبين مختلفة، والصراع السياسي الداخلي أيضاً مختلف عما يحدث في الجزائر.

(4)

لكننا لا نستبعد حدوث أزمات وحرب أهلية حال صدور نتائج الانتخابات النهائية بغير ما يرضى عنه الإسلاميون، ما قد يضطر الجيش لإعلان الأحكام العرفية والانقلاب العسكري، وهو سيناريو يقول الكثيرون إن المجلس العسكري تحسب له لمثل هذا اليوم، وقد يكون الإخوان سبباً في حدوثه.

إذن فجميع السيناريوهات محتملة، ومن بينها سيناريو إلغاء الانتخابات في الإعادة أو بعدها بسبب رفض وصول مرشح من ذيول النظام السابق للرئاسة، سيما وأن التشكيك بتزوير الانتخابات بات ممكناً في ظل المادة 28 من الإعلان الدستوري، والتي يرى محللون أن المجلس العسكري وضعها لضمان وصول رئيس للبلاد يرضى عنه.

لكل هذا يترقب العالم ووسائل إعلامه الانتخابات الرئاسية، سيما وأن الرأي العام العالمى يميل إلى اعتبار أن "دائرة الثورة" التي ظهرت بداية العام الماضي ستكتمل مع الانتخابات التي بدت حرة ونزيهة.

الانتخابات التي جرت وإن لم تكن كاملة، لكنها أقرب ما تكون إلى الديمقراطية التي يسعى إليها الشعب منذ عشرات السنين، رغم المصير الذي ما زال غامضاً حول من سيكون رئيساً لمصر في نهاية المطاف، لكنها ـ في كل الأحوال ـ ستحدد مستقبل البلاد على المدى القريب، بل يمكن أن تحدث تغييراً جذرياً في الشرق الأوسط، لأن الحكومة الجديدة من المقرر أن تقوم على الأسس التى طالبت بها ثورة الشباب التي أنهت حكم الفرد الواحد بداية العام الماضي.

د.خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة

K@K-GHAZY.COM