'سيسيهم' جدع و'سيسينا' أجدع

تابعت، ساعة بساعة، أحداث مصر كلها من البداية إلى النهاية، وبالأخص تفاصيل ترشيحات الانتخابات الرئاسية، وجميع الأحاديث واللقاءات والبيانات التي رافقتها. لم يصدم سمعي ولا نظري شيء معيب. لا شتائم ولا اتهامات بالخيانة والعمالة والاختلاس.

ثم رافقت، بجدية، جميع مراحل الاقتراع، خارج مصر وداخلها، ولاحقت جميع ما صدر عن هيئات مراقبة الانتخابات الأوربية والأفريقية والعربية والمصرية، ثم جلست أمام الشاشة، بعد ذلك، لأشاهد مراسم تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي.

راقبت جميع حركات الرئيس المؤقت عدلي منصور وسكناته، من أول تسلمه الرئاسة وإلى تركها فهالني وقار الرجل ونزاهته وحياده وصرامته ووطنيته الصافية. ثم دققت في خطاب وداعه القصر الجمهوري فهزني قوله "إن مصر القوية بشعبها ويمؤسساتها الدستورية أثبتت أنها عصية على الانكسار". وقوله "إن مصر استطاعت العبور إلى بر الأمان، برغم الكثير من المعوقات والعمليات الإرهابية الجبانة التي استهدفت أعز أبنائها". هذا الرجل العملاق الذي لم يستطع بريق السلطة أن يُفقده توازنه وعقلانيته وعدالته. جاء من القضاء وعاد إليه وهو نقي اليد والقلب واللسان.

نحن أيضا لدينا قضاة لا يقلون عنه زهدا ونزاهة وعدالة ووطنية وشجاعة.

رئيس مجلس قضائنا الأعلى مدحت المحمود (صاحب فتوى الكتلة الأكبر بعد الانتخابات)، والقاضي محمود الحسن (صاحب فيديو توزيع سندات الأراضي) بعضُ ما عندنا.

ثم تابعت عبدالفتاح السيسي فرأيت أنه، وهو رئيس جمهورية، نفُسه المرشح للرئاسة. نفس الابتسامة، نفس الهدوء، نفس الصدق والصراحة، نفس الهيبة والقوة والأمانة. لم يخدع شعبه، باعهم أملا فقط، وأكد لهم أنه سيعارك الشدائد ويواجه الصعاب، وقال "سأعمل مع جميع المصريين من أجل تحقيق الحرية والعدالة الإجتماعية". ووعدهم بعودة هيبة الدولة. وبإصرار ووضوح كرر وعده بدولة مدنية يحافظ كل من فيها على مكانه ودوره، لا دينية ولاعسكرية ولا قيادة موازية، بل قيادة واحدة، وكرر وشدد: "قيادة واحدة"، وسأل: هل هذا واضح؟

وفي انتخابات شهدت أوروبا وأفريقيا والجامعة العربية ومئات منظمات المجتمع المدني بنزاهتها وشفافيتها، حصل السيسي على 23 مليونا و780 ألفا و104 أصوات من 25 مليونا من الناخبين، وليس على 700 ألف نصفها عسكر ونصفها الآخر حرامية. يعني أنه فاز بذراعه وبصدقه ووطنيته ونزاهته، فلم يأمر القوات المسلحة بالتلاعب بالصناديق لحسابه، ولم يطلب من مفوضية الانتخابات أن تماطل في الفرز والعد، وأغلبُ موظفيها أعضاءٌ في حزب الرئيس.

فاز السيسي بهذه الملايين دون صرر دولارات تنثر على شيوخ القبائل ورؤساء المليشيات وأئمة الحسينيات، ولا وعود بوظائف مؤجلة، ولا سندات قطع أرض مسروقة من الدولة، ولم ينفق على دعايته الانتخابية إلا أقل من القدر الذي حدده بالقانون، ولم يدفع من خزينة الدولة عشرات الملايين للفضائيات والإذاعات والصحف لكي تطنطن له ولصهريه ولبعض خدمه المقربين، وفي المقابل تلفق لخصومه الفضائح والتهم، وتضرب كبيرهم قبل صغيرهم تحت الحزام.

حتى مقريء القرآن في حفل تنصيب الرئيس المصري كان مدنيا وغير معمم. ولم أشاهد في الصفوف الأولى نائبات مدثرات بالسواد، ولا عمائم سودا وخضرا وبيضا سوى عمامة شيخ الأزهر وبابا الأقباط.

كان السيسي يبتسم باستمرار، ولم أشاهده مكشرا غاضبا متكبرا على مشاهديه. ولم أسمعه يشتم فئة من مواطنيه ويتهمها بالعمالة والإرهاب، ولم يهدد أحدا بالتهميش والملفات الملفقة، بل أعلن أن مصر للجميع وأنه هو أيضا، للجميع وليس لطائفة ولا لحزب ولا لمدينة. لم أجد رئيس مليشيا أدانه القضاء جالسا منتفخا في الصفوف الأولى مع كبار الضيوف.

لم يهاجم دولة من دول الجوار ويتهمها برعاية الإرهاب، رغم أن حكاية قطر وتمويلها لجماعة الإخوان المسلمين ليقتلوا أشقاءهم (الكفرة) جنود الجيش وأفراد الأمن والشرطة والمواطنين المدنيين الأبرياء، حكاية مكشوفة ومعروفة ولا تحتاج لكلام.

سمعت السيسي يعد المصريين باستعادة هيبة الدولة، ونبذ العنف أيا كانت دوافعه، والإرهاب أيا كانت بواعثه.

وسمعته أيضا يخاطب شعبه قائلا: "لنعوض ما فاتنا، ونصحح أخطاء الماضي، سنؤسس لمصر المستقبل دولة قوية، محقة عادلة، سالمة آمنة، مزدهرة تنعم بالرخاء، تؤمن بالعلم والعمل، وتدرك أن خيراتها يتعين أن تكون من أبنائها ولأبنائها".

ولعل أهم ما قاله هو هذه العبارات المؤثرة: "نختلف من أجل الوطن وليس على الوطن، يكون اختلافنا ثراءً، تنوعا وعطاء نضفي به روح التعاون والمحبة على عملنا الوطني المشترك".

وما أحزنني كثيرا هو ذلك الحضور الدولي والعربي المكثف. إنه إشارة واضحة إلى احترام مصر الجديدة وهي تتجه نحو المستقبل.

ونحن أيضا. قصور المنطقة الخضراء تعج بالملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ ورؤساء المنظمات الدولية والعربية، وليالي العاصمة عندنا لا تنام من كثرة المؤتمرات والمهرجانات.

"سيسينا" أحلى من "سيسيهم" وأرقى وأعقل وأكثر احتراما وهيبة. ولا يدعي بغير ذلك إلا ناكر لجميل السيد الرئيس.