سياسة حافة حرب طويلة الأمد ضد سوريا

بقلم: نقولا ناصر

بالرغم من الصوت المرتفع لقرع طبول الحرب ضد سوريا وإيران، فإن مجموعة من العوامل الاقليمية والدولية لا ترجح أن تكون الحرب وشيكة في المشرق العربي ومحيطه، لكن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية الذي يقرع هذه الطبول قد استعاض عنها بسياسة حافة الحرب طويلة الأمد، وهي سياسة محفوفة بمخاطر واقعية يمكنها أن تنزلق في أية لحظة الى حرب فعلية لسبب أو لآخر. وتقف سوريا اليوم في مركز سياسة حافة الحرب بقدر ما تقف في مركز حرب محتملة قد تنزلق هذه السياسة اليها.

ولم تكن المناورات العسكرية الصاروخية التي أعلنت دمشق عنها الأسبوع الماضي تعبيرا عن حالة "يأس" كما قال وزير حرب دولة الاحتلال الإسرائيلي ايهود باراك، بل كانت إعلانا عن تصميم سوريا على الدفاع الوطني والقومي بكل الوسائل في حال فرضت عليها حرب فعلية، لكن الأهم أن تلك المناورات كانت أحدث مؤشر ملموس إلى كون القيادة السياسية السورية والجيش العربي السوري مؤهلين بدورهم لممارسة سياسة حافة الحرب.

وبصورة مماثلة، فإن انتهاك طائرة تجسس أميركية دون طيار للأجواء الإيرانية ومخاطرتها باختراق هذه الأجواء الى مقربة من مركز البرنامج النووي الايراني والدفاعات المكثفة التي تحميه قرب مدينة قم كان مؤشرا آخر الى تصعيد سياسة حافة الحرب الأميركية بقدر ما أشار إسقاط تلك الطائرة إلى استعداد ايران بدورها لممارسة سياسة حافة الحرب.

وهذا الاستعداد الايراني يذكر بأهم عناصر العامل الاقليمي لاستبعاد اندلاع حرب وشيكة في المشرق العربي ومحيطه. فقد أوضحت كل من دمشق وطهران أن التنسيق بينهما لن يسمح للتحالف الغربي باستفراد أي منهما، مما ينذر بأن حربا تقودها الولايات المتحدة على سوريا أو إيران سوف تتصاعد إلى حريق اقليمي. وهذا هو الرادع الأول الذي لا يرجح أن تكون الحرب وشيكة على أي من البلدين. فتكرار التجربة المرة للانفراد الأميركي بغزو العراق واحتلاله ولانفراد حلف الناتو بليبيا لا يبدو تكرارا محتملا في سوريا أو إيران.

ولم تترك لا دمشق ولا طهران مجالا للشك في أن أي حريق اقليمي سوف يشمل دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتأكيد، ولذلك ليس من المرجح أن يلجأ التحالف الغربي الى الحرب على سوريا أو على إيران أو على كلتيهما معا ما لم يضمن سلفا حماية أمن إسرائيل ضد ردود الفعل السورية والايرانية. ومثلما أثبت فشل بطاريات "باتريوت" الأميركية المنصوبة في دولة الاحتلال في حمايتها من الصواريخ العراقية عام 1991، وفشل "القبة الحديدية" الاسرائيلية في تحييد صواريخ المقاومة الفلسطينية المنطلقة من قطاع غزة المحاصر، وفي تحييد صواريخ المقاومة اللبنانية عام 2006، بينما ما زالت صواريخ "حيتس" الاسرائيلية المضادة للصواريخ والممولة أميركيا تنتظر إثبات جدواها، فإن عدم وجود ضمانات غربية لحماية أمن دولة الاحتلال الاسرائيلي تحيد ردود فعل سوريا وأيران وحزب الله وحماس يمثل الرادع الثاني ضد حرب وشيكة على سوريا أو إيران.

ويتمثل الرادع الثالث في جبهة دولية صلبة تضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا تحول دون منح شرعية الأمم المتحدة لحرب كهذه وبالتالي تحكم عليها مسبقا كحرب عدوانية سافرة، بينما الحزم الروسي في معارضة التدخل العسكري الأجنبي في سوريا لم يترك مجالا للشك في الاستعداد الروسي لتعزيز الدفاعات السورية.

أما الأزمة المالية والاقتصادية الأميركية – الأوروبية الطاحنة فتمثل رادعا رابعا حفز سحب القوات الأميركية من العراق بنهاية العام الحالي واعلان واشنطن عن سحب مماثل لها لن يطول كثيرا من أفغانستان وبالتالي ليس من المتوقع أن يكون التحالف الغربي قادرا على تمويل حرب جديدة ضد سوريا أو إيران تشير كل الدلائل الى احتمال تطورها الى حرب اقليمية.

ويظل تماسك الجبهة الوطنية الداخلية في كل من سوريا وإيران هو طبعا الرادع الحاسم.

وهذه العوامل وغيرها مجتمعة تستبعد حربا وشيكة ضد سوريا وإيران، لكنها تترك سياسة حافة الحرب طويلة الأمد الخيار الأفضل لاستنزاف وإرهاق سوريا بصفة خاصة.

إن التصعيد الاعلامي حد الحرب النفسية السافرة ضد دمشق، والدبلوماسي حد فرض عزلة عربية وغربية سياسية على سوريا، والاقتصادي حد فرض عقوبات جماعية على الشعب السوري، والعسكري حد الدخول علنا في دبلوماسية "الزوارق الحربية" قبالة السواحل السورية، هو تصعيد يرقى الى سياسة حافة الحرب.

والتصعيد الاعلامي والدبوماسي والاقتصادي يتجه عسكريا بصورة واضحة نحو سياسة حافة الحرب، أو في الأقل نحو حشود عسكرية بحرية قبالة السواحل السورية، أميركية تمهد لفرض حصار بحري أو منطقة حظر جوي من أجل تطبيق العقوبات الغربية والعربية ضد سوريا، وروسية من أجل الحيلولة دون فرض حظر كهذا.

وهذا الحشد البحري العسكري المتشابك والمتداخل في حيز بحري محدود لقوتين دوليتين تجدا نفسيهما على طرفي نقيض في طرق حل الأزمة السورية محفوف بمخاطر جسيمة يمكنها الانزلاق بسرعة الى حرب فعلية.

في الثلاثين من آب / أغسطس الماضي نشر معهد بروكينغز الأميركي دراسة لمدير الأبحاث المتخصص في الشؤون الدفاعية، مايكل ي. أوهانلون، استعرض فيها أربع خيارات أو سيناريوهات لحل الأزمة السورية:

أولها غزو لـ"تغيير النظام" على الطريقة العراقية،

وثانيها فرض منطقة حظر جوي وبري على الطريقة العراقية – الليبية،

وثالثها عملية عسكرية بحرية لـ"فرض تطبيق عقوبات قوية" يمكنها - - بتعاون تركيا والعراق والأردن في إغلاق معابرهم البرية - - أن تفرض "حظرا بحريا" سوف يكون "بسهولة ضمن قدرة أساطيل حلف الناتو" بالتعاون مع "شركاء عرب"،

ورابعها حملة قصف جوي على طريقة فصل كوسوفو عن صربيا تستهدف "مراكز القيادة والسيطرة وأماكن مثل البنوك ومحولات الكهرباء ومرافق حزب البعث. وهي حملة لن تكون قادرة على حماية المدنيين".

ومع أن أوهانلون استدرك بأنه "لا توجد أي ضمانة لنجاح هذه الخيارات" ولذلك "أنا لا أحبذها الآن"، فإن الوقت قد يأتي "للبدء في الحديث عنها والتفكير فيها".

ويبدو أن هذا الوقت قد حان فعلا للنظر في هذه الخيارات بعد العقوبات التي أعلنتها جامعة الدول العربية، والأرجح أن النظر فيها كان على جدول اللقاء الأخير بين الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين في بروكسل لـ"تنسيق" الخطوات الثنائية تجاه سوريا، عشية إعلان الاتحاد الأوروبي عن فرض حزمة جديدة من العقوبات ضد سوريا.

ولأن العقوبات الأميركية والأوروبية هي الأسبق، فإن صانعي القرار الغربي يعتبرون العقوبات العربية استكمالا لعقوباتهم وجزءا منها، بغض النظر عن إعلان الجامعة العربية بلسان أمينها العام بأن عقوباتها تستهدف منع "التدخل الأجنبي" في سوريا.

إذ كان رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني واضحا عندما قال إن فشل الحل العربي قد يقود الى التدويل، وإن القوى الأجنبية قد تتدخل إذا اعتبرت العرب "غير جادين"، وإن الجامعة العربية نفسها قد تطلب التدخل الدولي "إذا لم يأخذنا السوريون على محمل الجد".

ولا يوجد شك في أن التدخل الدولي إن وقع سوف يكون تدخلا عسكريا سواء طلبه عرب أم لم يطلبوه. ومن الواضح أن التحذير القطري من الاحتمالات الواقعية للتدخل الأجنبي، أو التهديد القطري بتدخل كهذا، إنما يصعد الأزمة بدوره الى حافة الحرب.

إن إعلان الجامعة العربية بأنها ستطلب مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في "تسوية" الأزمة السورية سوف يوفر لواشنطن وبروكسل مسوغا كافيا للبدء فعلا في البحث عن آليات عسكرية لفرض عقوباتهم، فهم بالتأكيد لم يعلنوا عن هذه العقوبات كي تظل حبرا على ورق، مما يصعد الأزمة بدوره الى حافة الحرب.

في الثالث والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر نشرت وكالات الأنباء خبر وصول حاملة الطائرات النووية الأميركية "يو اس اس جورج اتش. دبليو. بوش" الى البحر الأبيض المتوسط، حيث يقوم الأسطول السادس الأميركي بدورياته، من الخليج العربي، ورسوها قبالة السواحل السورية، وهي تقود مجموعة حربية بحرية تضم مدمرتين صاروخيتين وطرادين صاروخيين. وقد طلبت الحكومة الأميركية من رعاياها في سوريا مغادرة البلاد "فورا"، بينما طلب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو من مواطنيه عدم السفر الى سوريا وتجنبهم العودة الى تركيا من دول الخليج العربية عبر أراضيها.

وقبل وصول حاملة الطائرات الأميركية كانت ثلاث سفن حربية روسية قد رست قبالة طرطوس السورية. وأعلنت موسكو رسميا أنها كانت سترسل الى سوريا اسطولا حربيا بقيادة حاملة الطائرات "الأميرال كوزينيتسوف". وفي الثاني من الشهر الماضي أعلن رئيس الخدمات الفدرالية للتعاون الفني العسكري الروسي، ميخائيل دميترييف، أن عقد تزويد سوريا بصواريخ متقدمة مضادة للسفن "يجري تنفيذه" بالرغم من الجهود الاسرائيلية والأميركية لوقف تنفيذ العقد المبرم بين روسيا وبين سوريا عام 2007. وتتمتع موسكو بتسهيلات بحرية في ميناء طرطوس السوري لا تتمتع بمثلها في أي ميناء آخر في البحر الأبيض المتوسط، ويوجد أكثر من (100) ألف مواطن روسي يعيشون في سوريا.

لقد نفى رئيس الأركان العامة الروسية، نيكولاي ماكاروف، أن يكون للقوة البحرية الروسية في المتوسط أي علاقة بالوضع في سوريا وقال إنها موجودة كجزء من تدريبات بحرية مقررة سابقا. وقال الناطق باسم سلاح البحرية الروسي إن "توقف السفن الروسية في طرطوس" ليس "رد فعل على الأحداث في سوريا" وإن "هذا التوقف كان مقررا منذ عام 2010" عندما "لم يكن هناك شيء" في سوريا. ونفى الأميركيون بصورة مماثلة نفيا غير مباشر أي علاقة لانتشارهم البحري قبالة سواحل سوريا بالوضع فيها عندما قالوا، على ذمة "انترفاكس" الروسية، إن وجودهم الحربي قبالة السواحل السورية هو "للقيام بعمليات أمنية ومهمات دعم بحري كجزء من عملية الحرية الدائمة (في أفغانستان) وعملية الفجر الجديد (في العراق )".

لكن الأدميرال فالنتين سليفانوف، رئيس أركان سلاح البحرية الروسي السابق، قال في مقابلة مع "سفوبودنايا بريسا" في الثالث والعشرين من الشهر الماضي: "إذا كانت سفن ما تتمركز في مكان ما، فإنه من غير الممكن طبعا أن تحلق فوقها ببساطة كي تقصف مكانا ما. فحتى الأميركيين لن يكون في استطاعتهم تجاهل وصول سفننا قبالة ساحل سوريا ... إن ظهورها في شرقي البحر الأبيض المتوسط سوف يكون إشارة لكل العالم تفيد بأن لروسيا مصالح هنا، ولا يمكنكم سحق وتدمير وقتل أحد دون أخذها في الحسبان".

ومن المؤشرات الأخرى الى تصعيد الأزمة السورية نحو حافة الحرب التقرير الذي نشره موقع "ديبكا فايل" وثيق الصلة بالاستخبارات الاسرائيلية في السابع والعشرين من الشهر المنصرم عن "الحشد البحري" الأميركي والروسي قبالة السواحل السورية. فقد نسب التقرير الى "مصادر عسكرية" اسرائيلية قولها إن ألوية مسلحة إسرائيلية اندفعت نحو مواقع متقدمة على "الحدود اللبنانية والسورية"، ووضعت تركيا "ثلاث ألوية مسلحة وسلاحها الجوي وبحريتها في حالة تأهب"، و"مثل ذلك" فعل حزب الله اللبناني والقوات المسلحة اللبنانية والأردنية.

أما التقارير الاعلامية التي تحدثت عن جسر جوي تركي – قطري لنقل "المتطوعين" والأسلحة من ليبيا الى تركيا للقتال الى جانب "الجيش السوري الحر" الذي يتخذ من الأراضي التركية قاعدة له فإنه مجرد مؤشر آخر الى التصعيد نحو حافة الحرب، وإن كان أحد هذه التقارير الذي لم يتأكد بعد وذكر بأن رئيس المجلس العسكري في طرابلس الغرب، علي بلحاج، كان من ضمن أولئك "المتطوعين" الليبيين يثير اسئلة جادة عما إذا كان الوضع في ليبيا قد استتب حقا حد الاستغناء عن خدمات قادة مثل بلحاج في العمل من أجل استتبابه.

ولا شك أن هذا النزر اليسير الذي تسرب الى وسائل الاعلام عن استعدادات حافة الحرب هذه ليس الا قمة جبل جليد فحسب. وهذه هي على الأرجح الخلفية التي استند اليها وزير الخارجية الفرنسي، الان جوبيه، عندما أعلن بأن ايام الحكم الحالي في سوريا قد أصبحت "معدودة".

نقولا ناصر

كاتب عربي من فلسطين

nicolanasser@yahoo.com