سوق ساروجة الدمشقي يقاوم الفولاذ والاسمنت

دمشق - من ماهر شميطلي
حمام الورد ما زال يفتح ابوابه

قاومت دمشق المغول وهزمت الصليبيين وأتى دور احد اسواقها القديمة، سوق"ساروجة" المعروفة بـ"اسطنبول الصغيرة"، لتقاوم منذ 16 عاما غزاة من نوع جديد: مقاولو البناء.

وتضافرت جهود بعض السكان وصحافية ومؤرخ شكلوا جبهة تخوض معركة متواصلة من العرائض ضد الفولاذ والاسمنت بغية المحافظة على الحي الذي صنفته اليونسكو تراثا عالميا.

وتعود القضية الى عام 1985 عندما تم هدم بضعة منازل عند مدخل الحي. وقامت بلدية المحافظة باعطاء السكان حصصا في مشاريع سكنية في الضواحي لقاء الاستملاك.

وتم اعادة بيع اراض في سوق ساروجة لاشخاص او شركات. وتعيد الصحافية ابتسام المغربي الامر الى النية في بناء ابراج مرتفعة.

ويقع الحي في قلب المنطقة التجارية في العاصمة السورية التي تضم اربعة ملايين نسمة. واكدت المغربي التي تعمل في صحيفة "البعث" الناطقة بلسان الحزب الحاكم ان "المتر المربع يساوي الذهب".

واثارت عملية الاستملاك والبيع ضجة كبيرة بسبب قيمة الحي التاريخية حيث انه بني في القرن الثاني عشر وهو الحي الاول الذي يتعدى اسوار المدينة التاريخية القديمة.

وقال الدكتور عبد الرزاق معاذ مدير الآثار في وزارة الثقافة "ان بيوت سوق ساروجة وحماماتها ومساجدها تشكل واجهة للفن المعماري لحقبة مجيدة من تاريخ دمشق".

وتشكل تلك حقبة الايوبيين من سلالة صلاح الدين والاتراك المماليك الذين هزموا المغول في معركة عين جالوت عام 1270.

وما زالت ابواب مسجد الورد مفتوحة منذ بنائه قبل 600 عام وكذلك حمام الورد المجاور له.

وشهد الحي اثناء حكم العثمانيين ابتداء من القرن السادس عشر زيادة في وفود الاعيان للسكن فيه ما أدى الى منحه لقب "اسطنبول الصغيرة" نسبة الى عاصمة السلاطين. وقد حافظت سوق ساروجة على مكانتها كحي راق حتى انهيار الامبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين.

ووصفت امرأة تسكن الحي فضلت ان يطلق عليها اسم نجاة بيوت الحي بالقول "بيوتنا قصور". وهي لم تبالغ في قولها.

فالمنزل من الخارج لا يلفت الانظار بواجهته وبابه. غير انه في الداخل يضم باحة تزينها نافورة ماء في الوسط وشجرة ليمون في احدى زواياها ما يخلق جوا يمتزج فيه الضوء والنضارة يتضاربان مع الملامح الرمادية والملوثة المحيطة. ويحيط بالباحة من جهاتها الاربع بناء من طابقين.

غير ان منازل الحي سيئة الصيانة وغالبا ما تخلى عنها سكانها.

واوضحت نجاة "نحن لا نعرف اذا كنا سنتمكن من البقاء أم لا. لذلك لا ننفق اموالا على الترميم". وتبلغ كلفة ترميم المنزل 20 الف دولار على الاقل وهو مبلغ باهظ في سوريا حيث يشكل الحصول على 300 دولار مرتبا جيدا.

وادى بناء مقسم آلي ومرآب عام 1997 في احد العقارات التي هدمت الى تأجيج النزاع.

وعلى مر الاعوام هدم قرابة ثلث الحي وبات المالكون الجدد يشيدون مباني شوهت مكيفات الهواء واجهاتها. واثمرت العرائض والمقالات الصحافية عن نتيجة اولى منذ عدة اشهر فقد تقرر المحافظة على سوق ساروجة ولكن جزئيا.

واعترفت بلدية المحافظة بالقيمة التاريخية للمنطقة السكنية في سوق ساروجة واكدت انها ستشجع السكان على ترميم بيوتهم وتحويلها الى فنادق ومقاه ومعارض فنية بشكل يحول الحي الى نقطة جذب سياحية.

ولكن "السوق العتيق" قد يكون تجاوز مرحلة الانقاذ باستثناء حمام القرماني الذي يعود الى القرن السادس عشر والازقة المجاورة له.

ويؤكد محمود الذي يدير مقهى في السوق الاثرية "يكفي تنظيف السوق العتيق وانارته من اجل اعادة تأهيله".

ويرفض السكان تصديق التطمينات التي اعربت عنها البلدية. وقالت المغربي "يجب المحافظة على اليقظة" وهي غالبا ما تتردد الى الحي للتأكد من عدم وجود اي جرافة فيه.