سوريا ولبنان: حكومة واحدة لمواجهة شعبين...

بقلم: حسان القطب

لقد اعتاد الشعب اللبناني بكل مكوناته أن يكون إلى جانب الشعوب المظلومة والمقهورة دون تردد، ولطالما سارت التظاهرات الشعبية في شوارع بيروت وسائر المدن اللبنانية تأييداً للثورات الشعبية المنتفضة ضد الاستعمار والأنظمة الديكتاتورية المتسلطة. ولم يكن يدرك أو يظن أي مواطن لبناني انه سيمنع يوماً من التعبير عن رفضه وإدانته لمسلسل القتل والاعتقال والتعذيب الذي تمارسه القوات السورية بإمرة بشار الأسد وشقيقه ماهر ضد الشعب السوري الذي خرج سلمياً ليطالب بحقوقه المشروعة في العيش الحر والكريم. فعصابات التزلف والانتماء لمحور العبودية التي هاجمت المعتصمين بوحشية أمام السفارة السورية تأييداً لمطالب الشعب السوري، ما كانت تفعل ما أقدمت عليه لولا أنها تحظى برعاية وعناية وتغطية من قوى مهيمنة على كل القرارات والمؤسسات، فغابت القوى الأمنية، واختفت أجهزة المخابرات التي لطالما اعتقلت بعض الإسلاميين بتهمة "التفكير" وليس التنفيذ، ولم يكلف جهاز امني واحد نفسه عناء شرح ما جرى أو الإشارة إلى متهمين مفترضين. ولم يطلب وزير صحة حركة أمل في حكومة اللون الواحد والرأي الواحد، من المستشفيات رعاية المصابين جراء اعتداءات عصابات "الشبيحة" على المواطنين الأبرياء على حساب وزارة الصحة كما جرت العادة عندما يقع اشتباكات بين قوى محلية.

وزير خارجية حركة أمل وحزب الله (عدنان منصور) اجتمع مع السفير السوري وتباحثا في كيفية مواجهة البيان الرئاسي لمجلس الأمن، باعتبار أن لبنان هو ممثل المجموعة العربية في الأمم المتحدة.. وكان من الأجدى أن يساءل وزير الخارجية لو كان يمثل كل لبنان، السفير السوري عن سبب اعتداء شبيحته المحليين والمستوردين على مواطنين لبنانيين أرادوا التعبير عن رأيهم بحرية وبسلمية مطلقة.

هذه الحكومة مع الأسف بسياستها الخارجية لا تمثل لبنان ولا الشعب اللبناني بل تمثل سياسة فئة تمارس الفئوية والانخراط في سياسات إقليمية ومحاور دولية تفرض رأيها وسلطتها بقوة السلاح والمسلحين على جمهورها وأبناء شعبها، وما يجري في سوريا من إحداث مؤلمة وجرائم تصفية توازي التطهير العرقي والديني الذي مارسته الفاشية في زمانٍ غابر ويعاقب عليه القانون الدولي، والمشاهد التي تبرزها شاشات التلفزة تقشعر لهول فظاعتها كل الأبدان، باستثناء السلطة اللبنانية التي تهربت من مسؤوليتها الإنسانية تجاه الشعب السوري الشقيق وتجاهلت أناشيد الوحدة العربية وثقافة شعب واحد في وطنين التي أتحفنا بها نظام سوريا خلال تسلطه على لبنان وشعبه، لتشارك نظام الأسد هواية التنكيل بأبناء الشعب السوري والإمعان في إطالة أمد عذابه وأوجاعه، عبر الامتناع عن التصويت، ولا ادري كيف يقول سماحة مفتي الجمهورية أن الرئيس ميقاتي هو ابن دار الفتوى وهو الذي يتجاهل عذاب اللبنانيين في شارع الحمراء وأمام السفارة السورية دون أن يحرك ساكناً، ويوافق على سياسات أمل وحزب الله الفئوية المؤيدة لنظام سوريا الذي يمعن في شعبه قتلاً وتنكيلاً، ويتجاهل المشردين من النازحين السوريين القادمين إلى لبنان هرباً من آلة القمع الرسمية السورية.

أوردت جريدة اللواء كيف تم اتخاذ موقف لبنان من البيان الرئاسي قبل إعلانه (وبحسب المعلومات، فإن الوزير عدنان منصور طلب تمديد الوقت المستقطع ساعة ونصف الساعة، أجرى في خلالها اتصالات مع الرؤساء الثلاثة، وكذلك جرى اتصال بالعاصمة السورية للاستئناس برأيها، واتخذ في ضوئها الموقف اللبناني المعلن) قبل أن نسمع ما قالته مندوبة لبنان في مجلس الأمن من أن: (ما يصيب لبنان يصيب سوريا وما يصيب سوريا يصيب لبنان وهذا ما يشهد عليه لبنان وقلب اللبنانيين إلى جانب سيادة سوريا ووحدة أرضها وشعبها وامن أبنائها، نعزي ذوي الضحايا ونتمنى أن يثمر الإصلاح في سوريا لكن لبنان يعتبر أن البيان لا يساعد على حل الأوضاع في سوريا لذلك فهو ينأى بنفسه عنه)... هذا الكلام لا يمثل سوى من نطق به ومن أشار بإعلانه، فقلوب اللبنانيين مع الشعب السوري ومع حريته وكرامته وسلامته ووحدة أراضيه، ومع حقه في ممارسة حقه المشروع في الانتخاب الحر وتشكيل الأحزاب وتداول السلطة، ولكن الفريق اللبناني المسيطر اليوم على السلطة نراه مؤيداً للنظام السوري بما هو عليه اليوم، لأن هذا الفريق يمارس السلوك نفسه في لبنان، فنظرة إلى ما يجري من اعتداءات في قرى الجنوب (رب ثلاثين، والعديسة وحولا) وعلى الأراضي في قرى قضاء جبيل (لاسا، والعاقورة والغابات) وبعض قرى كسروان، على البشر والأملاك العامة، ومع ذلك تقف الدولة عاجزة عن ردع المعتدين وحماية المواطنين، ويضاف إلى هذا اعتداءات طالت وطاولت القوات الدولية التي جاءت أصلاً لحماية لبنان واللبنانيين وتطبيق بنود القرار 1701، فإذا كانت القوات الدولية بحاجة لحماية، فمن يحمي المواطن اللبناني من السلاح المنتشر بفوضى شعار ثلاثية "المقاومة والجيش والشعب".

منذ فترة قدم وزير الدفاع الألماني كارل تيودور تسوغوتنبرغ استقالته من منصبه على خلفية الفضيحة التي لاحقته حول قضايا احتيال وسرقة لفصول ومواد ضمنها في أطروحته لنيل الدرجة الأكاديمية الدكتوراه. هذه هي الدول الديمقراطية والروح الديمقراطية التي تؤسس لبناء مجتمعات متقدمة ومتطورة تحترم الفكر والقلم والإنسان وحرياته السياسية والإعلامية، فاستقال الوزير احتراماً لنفسه ولمجتمعه، وما ارتكبه هذا الوزير لا يقاس بما يرتكبه بشار الأسد وقيادته بحق مواطنيه وشعبه، ونحن في لبنان مع الأسف قد أصبح لدينا قيادات من الصنف عينه، فأعضاء في حزب ممسك بالسلطة يرفض قرار اتهامي ويعلن انه لن يتعاون مع القضاء ويبقى في السلطة ولا يستقيل، ويمارس أعضاؤه كافة ما اشرنا إليه من تعديات واعتداءات، دون أن يرف له جفن أو يقدم على الأقل اعتذار ويتحدث عن سلطة الدولة المغيبة في عهد الحكومات السابقة ويمنع القوى الأمنية من التحقيق في انفجار منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية، إلا بعد أن قام بتنظيف مسرح الانفجار، وحزب أخر يبني مؤيدوه آلاف المنشآت على أراضي الدولة العامة وبعض الأراضي الخاصة، ويبقى رئيسه رئيس السلطة التشريعية، ويقدم نفسه حامي الوطن والدستور؟

بناءً على ما نراه ونلمسه فنحن شعبي لبنان وسوريا نعيش تحت سلطة فريق واحد ولكن بأسماء مختلفة ونعاني من سياسة التسلط والقهر عينها ولكن بنسب متفاوتة.. لذا نقول أن انتصار الشعب السوري لا بد آتٍ، وأن عليه بعد أن ينجز التغيير ويبني سلطته الديمقراطية الحرة من أن يعيد النظر في علاقاته مع كل من أساء إليه وتجاهل معاناته واتهمه بالعمالة والطائفية والمذهبية والخيانة وغيرها من أوصاف غير صحيحة وغير لائقة، وان يتعامل بالمثل مع كل من أطال أمد أزمته ومعاناته من قوى دولية ومحلية، وحتى ذلك الحين يمكننا القول أن في سوريا ولبنان حكومة تمارس سياسة واحدة ومهمتها مواجهة وإخضاع الشعبين اللبناني والسوري.

حسان القطب