سوريا وتداعيات الصراخ والعويل

بقلم : سامي جاسم آل خليفة

يغالبني شعور وأنا أتابع أحداث سوريا أن نيرانها تصيب قلوب المعسكر الخارجي وتبتعد عن سوريا وأهلها حتى غدا القوم في بكاء وعويل يزداد بزيادة الأيام ووجدنا في صراخ سلفيي الكويت ومطالبتهم بهدر دم السفير السوري أنموذجا حيا لذلك الصراخ والتباكي على إخوانهم الإرهابيين في حماة وحمص وجسر الشغور الذين يظنون الإسلام في رمي جثث الأبرياء في نهر العاصي ويقطعون الطرق تحت قانون البغي والعدوان على المسالمين ولا أدري هل في طلبهم الفتوى لإهدار دم السفير السوري بحاجة إلى أذن وفتوى بعد أن رأينا نسختهم الدموية في سوريا على مدار الشهور الماضية تقتل وتمثل بالجثث في طرقات سوريا وأزقتها أم أنهم يستخدمون التقية التي ينكرونها من أجل مخادعة العالم وتأجيج عواطف أصحاب المؤخرات المفخخة التي رأينا صنيعها في العراق على مدى سنوات ليحولوا سوريا سوقا جديدة لقنابلهم وإرهابهم العفن الذي يمارسونه على الأبرياء.

وما تلك الصيحات التي نادى بها أصحاب أبو هايف والطبطبائي وتجمع ثوابت الأمة الكويتية إلا بوقا للنيل من آخر حصن للمقاومة العربية وركوب العاهرة الإمريكية جهارا والتمتع بالصهيونية في زواج لا يخلو من مصياف أو مسيار تحت نغمات العرضة العربية الموالية للشرق الأوسط الجديد والتي سيفتحون بكارتها على حدود سوريا المقاومة وبشريعة بأي ذنب قتلت.

إن الأحداث الجارية في سوريا الأسد كشفت العورات العربية وصنفتها بكل وضوح ولعل التباكي على سنة سوريا من قبل بني يعرب أمر يبعث على الحيرة في بلد عرفناه يمقت الطائفية والحديث عن المذاهب والفرق. ولعل وصف الحكومة السورية بالحكومة النصيرية تارة والعلوية تارة أخرى يفضح زيف دعاوي النصرة الكاذبة التي يتشدق بها سلفيو الكويت وغيرهم. فالإنسان السوري بإنسانيته وتنوعه الأيدلوجي لا يشكل في ميزان عدالتهم المزيفة أي وزن فالمهم عندهم إفراغ حقدهم الطائفي على الأبرياء من أبناء سوريا بتعدد أطيافهم الدينية. وقد قلتها في مقال سابق أنه لو تهيأ لهم أن يحكموا سوريا لوجدنا رؤوس المسيحيين والدروز والشيعة والعلويين وحتى أبناء السنة تتدحرج رؤوسهم في أحياء دمشق وضواحيها تحت صيحات الله أكبر والله برئ من أعمالهم وقتلهم النفس بغير حق.

أكاد أجزم أن ارتفاع الأصوات السلفية في الكويت إنما جاء لتداعيات السياسة السورية الهادئة التي شاهدنا تماسكها في السفارات السورية في مختلف بلدان العالم والتعامل بمنطق البيت السوري الكبير الذي جمع المعارضة من أول يوم جرت فيه الأحداث واحتضن الوفود السياسية من مختلف الدول برحابة صدر وتشاور وبحرفية إعلامية فضحت إدعاءات العفن الإعلامي الذي تقوم به بعض القنوات التحريضية ولم يجد القوم وسيلة غير الصراخ والتباكي لعلهم يحصدون أمراً تقر به أعينهم ويملأ قلوبهم المسودة بالطائفية اللعينة فرحا وبشرى بسقوط يهنئون أنفسهم به كل جمعة تحت مسميات وعناوين لا تخلو من صرخات الألم واليأس.

باعتقادي أن الساسة السوريين توقعوا هذا السيناريو الذي سيجري على سوريا وقد كانت أولى خطواته الاجتماع الثلاثي الذي جرى في فبراير من العام الماضي بين الرئيس الأسد والرئيس الإيراني أحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وهذا الاجتماع إنما جاء كرد أولي على دعوات واشنطن إلى سوريا لفك ارتباطها مع إيران وإسقاط خيار المقاومة من حسابات الحكومة السورية. وبفشل هذه الدعوات تجددت النية لواشنطن وعزمت أمرها على إسقاط حكومة الأسد أو الفوز ببعض التنازلات باستثمار ما يسمى بالربيع العربي وتحريك نواعير حماة السورية عبر سفيرها روبرت فورد.

ومع نجاحها في تحريك بعض العصابات الإرهابية إلا أنها فشلت في زعزعة عرين الأسد وأثبت النظام في سوريا تماسكه وقوته ولعل زيادة الضغط الخارجي المتواصل على سوريا في الفترة الأخيرة من باب الفشل على الصعيد الداخلي الذي راهنت عليه واشنطن حينما وظفت آلاف الأشخاص في ضواحي سوريا وأريافها واستغلت صياحهم وعويلهم وخسرت أكثر من اثنين وعشرين مليون سوري وقفوا ضد مخططاتها في إضعاف سوريا ومقاومتها الشريفة.

وفي هذا الصدد أجد نفسي معنيا بالإفصاح عن خسارة كبرى ستلحق بالدول التي أضرت علاقتها بالدولة السورية في حال انتهاء هذه الغيمة السوداء التي تمر بالسماء السورية وهذه الخسارة تأتي في المقام الأول للدول العربية التي فقدت حليفها الأبرز حسني مبارك وفقدت معمر القذافي بعد أن منحت الضوء الأخضر لغزو ليبيا ولم تجن غير الوحول في المستنقعات الإفريقية وها هي تضطرب بوصلتها من جديد في الساحة السورية. وأشد تداعيات هذه الخسارة هي المكاسب التي ستجنيها إيران في تقاربها مع سوريا وتوطيد لخارطة جديدة أكثر من مجرد حدود بين سوريا وإيران والعراق بدت بوادرها في اتفاقية نقل الغاز الإيراني عبر العراق وسوريا إلى أوربا عبر البحر المتوسط وهذه المكاسب السياسية لن ينفع معها الصراخ الكويتي ولا غيره فالسياسة الخارجية للدول لا ترسم بالفتاوي التكفيرية وبعض أصوات النشاز لبعض النواب والشخصيات التي يقول أحدها إن نظام بشار نجس ومن يؤيده آثم عليه أن يغتسل سبع مرات ولا أدري هل نسى هذا الطارق باب الفتوى أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا وأسأله أيهما أشد إثما وعذابا القاتل أو النجس.

أخيرا أقول إن بروز جماعات تكفيرية داخل الدول العربية وأخص الخليجية منها تخرج عن نطاق سياسة دولها وشؤونها الخارجية وتمرر سياسة فكرها الأيدلوجي وخلفياتها المذهبية أمر ينذر بالخطر على تلك الدول وعليها أن تقف بالمرصاد لكل من ينتهج تلك السياسة الملتحية تحت عباءة الورع والتدين فمصير الحكومات وعلاقتها ببعضها لن تهدمها فتوى أو رأي فقهي على رأي فلان من الناس أكبر همه إرضاء طائفيته ونفسيته المريضة بعظمة تدينه في نفسه وتكفيره لغيره.

سامي جاسم آل خليفة

sksp@maktoob.com