سوريا والسباحة عكس التيار

بقلم: معقل زهور عدي

كتب الدكتور عبد المنعم سعيد في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية للأهرام مقالا بعنوان "عودة السياسة لمصر" يرصد فيه تغير المناخ السياسي في مصر، وازدحام الساحة بالحراك السياسي، ويدرك من يتابع تطور الوضع الداخلي المصري أن المشاركة الشعبية في السياسة تزداد باطراد، وان الهامش الديمقراطي يتسع رغم مقاومة القوى المحافظة التي تريد دفع أقل ثمن ممكن مقابل بقائها في السلطة لأطول فترة.
في مرحلة انتقالية كهذه فان المؤشر الأكثر دلالة ليس نوعية القوى السياسية التي قامت باختراق ترتيبات السلطة المسبقة للانتخابات ولكن عملية الاختراق ذاتها كتعبير عن بداية تحرر الارادة الشعبية، ولو جاء هذا التحرر ناقصا وبدائيا ومشوبا بالعنف.
في العراق جرت الانتخابات على أرضية سياسية مختلفة عن كل ما سبقها، فلأول مرة تقرر قوى سياسية مرتبطة بالمقاومة عدم اخلاء الساحة أمام القوى الأخرى، وبخلاف الاستنتاج الذي قد يذهب اليه البعض فذلك لن يضعف المقاومة، ولكن سيكسبها بعدا سياسيا طالما احتاجت اليه.
يتكرر مثل ذلك التكتيك – مع الفارق- عند حماس في الانتخابات الفلسطينية، فهي تخوض منذ سنوات العمل السياسي جنبا الى جنب مع العمل المسلح، ومن اجل منعها من تحقيق انتصارات في صناديق الاقتراع فقد اضطرت الولايات المتحدة والمفوضية الأوربية للضغط على حكومة عباس لاستبعاد حماس من الانتخابات، ويظهر ذلك التدخل الفظ ليس مدى النفاق في مسألة الديمقراطية فقط، ولكن – وهو الأهم – الخوف من تمكن حماس بفضل صناديق الاقتراع من التحول الى قوة سياسية ديمقراطية ترسخ من خلالها خط المقاومة.
هكذا من مصر الى العراق الى فلسطين مرورا بلبنان ينفتح بالتدريج الباب أمام الشعوب للتعبير عن ارادتها، ليس بفضل الاحتلال وقوى الاستبداد ولكن رغما عنها، فلا النظام المتداعي في مصر كان يرغب في خروج الانتخابات عن المسار الذي خطط له بعناية، ولا الاحتلال الامريكي للعراق كان يمكن ان يتساهل في مشاركة قوى محسوبة على خط المقاومة لولا ما فرضته المقاومة في ميدان الصراع من حقائق في ميزان القوى، وكذا حال حماس التي لن يمكن منعها من المشاركة بالانتخابات حتى مع استعمال سلاح الابتزاز بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية.
وسط تيار واسع كهذا يتقدم ببطء ولكن بثبات عبر المنطقة العربية تبدو سوريا وكأنها تحلق خارج السرب.
فهامش تساهل السلطة في التعبير عن الرأي، وهو المؤشر الوحيد المتوفر حاليا لقياس التقدم في المسألة الديمقراطية (لاحظ أين نقف!!) ما برح يضيق حتى وصل الأمر بعد اغلاق منتدى الأتاسي ومنع أي اجتماع في سوريا لا تدعو له السلطة ولو لعدة أفراد الى احالة السيد حسن عبد العظيم الناطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي الى محكمة عسكرية بتهمة حيازة مطبوعات غير مرخص بها ! وهو الرجل الموصوف بالاعتدال من قبل البعثيين أنفسهم، وقبله السيد حسن زينو بالتهمة ذاتها.
فالى أين نسير؟
وهل قرر الحكم في سورية السباحة عكس التيار؟
أم أن أحدا من أهل النظام لا يكلف نفسه عناء القاء نظرة عما يجري حول سوريا، بل عما يجري في العالم.
الممانعة والمماطلة في دفع استحقاق الاصلاح السياسي لا يمكن ان تستمر، ومثلما هو الحال في دفع الديون المستحقة فلن يفيد التأخير سوى في تراكم الاستحقاق وازدياد الصعوبة في تسديده.
لقد أصبح واضحا تحرر الحكم في سوريا مؤخرا من بعض الضغوط الخارجية التي تفاقمت في الأشهر الأخيرة مسببة حالة من التشنج في تعاطي الحكم مع الوضع الداخلي.
فهل سيلتفت الحكم مجددا لمسألة الاصلاح؟ أم ان شعوره باستعادة المبادرة سيدفعه الى مزيد من التشدد الداخلي؟
فقط قبل أن تقرروا أيها السادة منحى الاتجاه انظروا من النافذة الى جواركم والى العالم فليس من الحكمة الإمعان في السير عكس التيار. معقل زهور عدي