سوريا واسرائيل: نذر حرب مفتاحها اميركي

بقلم: نقولا ناصر

ان التقارير الاعلامية تفاقم حمٌى حرب محتملة بين سوريا وبين اسرائيل، مباشرة او بالوكالة او كلا الامرين معا، لكنها ليست دخانا بلا نار، فالاستعدات لها على "الجبهة الداخلية" كما على الجبهة العسكرية جارية على قدم وساق، وبالرغم من نفي الطرفين الرسمي على ارفع المستويات لاي نية في الحرب فان مقدمات اندلاعها ملموسة على الارض فعلا يعززها الاختناق في كل قضايا التماس السياسي، وخصوصا اللبنانية والفلسطينية، غير ان واشنطن تمسك بفتيل اشعالها، والكثير سوف يعتمد على حدوث اختراق "سلمي" تشير كل الدلائل الى انه لن يحدث لا على المسار الفلسطيني ولا على المسار السوري، مما يبقي خيار الحرب هو الوحيد المعلق بضوء اخضر اميركي.
وفي الاقل فان الولايات المتحدة خلال الشهور الثمانية المتبقية حتى انتهاء ولاية الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش مهياة لمغامرات عسكرية جديدة في الشرق الاوسط وهذه الفترة سوف تمتد لاربع سنوات لاحقة بشكل مؤكد ان فاز في انتخابات الرئاسة الاميركية المقبلة مرشح الحزب الجمهوري، جون ماكين، الذي كرر اعلان التزامه بنهج بوش في السياسة الخارجية في حال فوزه وفي هذه الحال سوف تصبح امكانية اندلاع حرب سورية اسرائيلية اكثر احتمالا.
وقد التقط الرئيس السوري بشار الاسد اشارة وجود مفتاح الحرب بيد واشنطن يوم الاربعاء الماضي عندما قال انه يجب تحليل الوضع من منظور المصالح الاميركية لان الحرب الاخيرة في لبنان اظهرت ان اسرائيل عند نقطة ما منها ارادت وقف القتال لكن الادارة الاميركية ارغمتها على مواصلتها، مضيفا انهم في دمشق يعرفون بانه يوجد في الادارة الاميركية من يريدون هذه الحرب. ويكاد يكون من شبه المؤكد ان دعاة الحرب موجودون في البنتاغون الذي ارسل بوارجه الحربية قبالة السواحل السورية واللبنانية مؤخرا لتكون في مواقعها جاهزة لعمليات مشتركة مع اسرائيل ضد سوريا مباشرة او في لبنان.
ان عجز القوة الاميركية الاكبر في التاريخ عن الحسم العسكري في الحروب التي تشنها في افغانستان والعراق والصومال، والطرق المسدودة التي تواجه مشاريعها السياسية للهيمنة على لبنان وسوريا وللتسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي، وبخاصة في شقه الفلسطيني، وبالتالي عجزها عن تحقيق الاهداف السياسية والاقتصادية لحروبها، توفر ارضية مناسبة تماما لعقلية المحافظين الجدد الحاكمين في واشنطن لكي يرجحوا الحلول العسكرية التي اعتادوا عليها على الحلول السياسة للاستعصاء العسكري والسياسي الذي جعل مخططاتهم في الشرق الاوسط تراوح مكانها على خط فاصل بين النجاح وبين الفشل.
لقد كان اعلان بوش لسوريا وايران ركنين اقليميين لما سماه "محور الشر" العالمي دليل انذار على ادراك ادارته المبكر بان خريطة الشرق الاوسط الكبير او الجديد التي ترسمها للمنطقة انطلاقا من العراق وفلسطين يمكن ان تتعثر او حتى تتحطم على حدود البلدين نتيجة مصالحهما المتناقضة او المتعارضة مع الخريطة الاميركية. والملاحظ ان هناك اجماعا اميركيا بين الحزبين اللذين يتناوبان على الحكم في واشنطن على "احتواء" البلدين وعلى "الفصل" بينهما والفارق بين الحزبين ان الجمهوريين يسعون الى احتوائهما والفصل بينهما عسكريا بينما يسعى الديموقراطيون الى احتوائهما سياسيا.
وحمى الحرب تجتاح وسائل الاعلام العربية والاقليمية فعلى سبيل المثال بدات هيئة اذاعة جمهورية ايران الاسلامية الاسبوع الماضي دورة تدريبية لمراسلين حربيين يكونون بعد انتهائها جاهزين للذهاب الى سوريا ولبنان فور اندلاع القتال، بينما نسبت "الوطن" القطرية لمسؤولين سوريين انهم يتوقعون الحرب اواخر ايار/مايو المقبل او اوائل الشهر الذي يليه، في وقت رفعت فيه دمشق مستوى الانذار على امتداد حدودها ونشرت ثلاث فرق مدرعة وتسع كتائب مشاة وقوات خاصة قرب وادي البقاع اللبناني على ذمة "القدس العربي" اللندنية فيما طلبت "الشروق" التونسية مساهمة هذا الكاتب في ملف عن احتمالات الحرب وسيناريوهاتها نشرته الثلاثاء الماضي، الخ. وهذه الحمى الاعلامية ليست دخانا بلا نار.
فطبقا لوكالة الانباء السورية "سانا" لا احد في سوريا يمكنه ان "يستبعد خيار الحرب" كما قال الاسد الاربعاء، مضيفا انهم يعملون وكان الحرب "وشيكة" وانهم "يستعدون" باجراءات دفاعية وقائية لما يقولون انه هجوم اسرائيلي مرتقب بدعم اميركي نشط.
وقد لوحظ التوقيت المتزامن لاستعدادات الجانبين في "الجبهة الداخلية". فعندما اعلنت دمشق قبل اقل من اسبوعين عن تمرينات غير مسبوقة لاختبار مدى جاهزية جبهتها الداخلية لمواجهة "الكوارث الطبيعية وغيرها من حالات الطوارئ" اعلنت اسرائيل في اليوم التالي عن بدء اكبر مناورات في تاريخها تنفذها "قيادة الجبهة الداخلية" بالتعاون مع "هيئة الطوارئ الوطنية" التي انشئت حديثا لاختبار جاهزية الجبهة الداخلية لمواجهة هجمات صاروخية باسلحة نووية او كيماوية او بيولوجية. وكان تاهيل الجبهة الداخلية للحرب هو القاسم المشترك بين الجانبين، في "سابقة" لكليهما، اذ لم يسبق للجبهة الداخلية الاسرائيلية ان تعرضت للهجوم الا في حربها الاخيرة على لبنان بينما كانت الحروب الاسرائيلية العدوانية المباغتة على دول الجوار العربي تاخذها دائما على حين غرة قبل ان تؤهل جبهاتها الداخلية للدفاع.
كما لوحظ حرص الجانبين وعلى ارفع مستوى على استبعاد الحرب، فالرئيس الاسد قال الاربعاء ان الاستخبارات السورية لا تشير الى حرب "في الافق" ومثله فعل نظيره الاسرائيلي شمعون بيريس قبل ان يطمئن رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت جمهوره في مقابلة مع يديعوت احرونوت يوم الجمعة الماضي بان الجانبين كانا يتبادلان الرسائل "حول المسائل الساخنة"، مضيفا: "انهم يعرفون ماذا اريد منهم وانا اعرف جيدا جدا ماذا يريدون منا".
غير ان الحقائق السياسية والوقائع على الارض تتعارض تماما مع هذه "التطمينات". فبيان مجلس الامن الدولي يوم الثلاثاء الماضي الذي صدر بالاجماع مجددا دعوة المجلس الى "التنفيذ الكامل" لجميع بنود قراره رقم 1701 الذي اوقف الحرب الاسرائيلية على لبنان في آب/اغسطس عام 2006 وخصوصا البند الخاص بتجريد حزب الله من السلاح وحل الصراع بين لبنان وبين اسرائيل لا يمكن تفسيره الا كمؤشر الى احتمال اللجوء الى القوة المسلحة لتنفيذه بعد اقل من عامين على صدوره دون ان ينفذ، وليس سرا انه يجري تحميل سوريا المسؤولية الاولى عن عدم تنفيذه ومن هنا الضغوط الاميركية التي ساهمت في الانقسام العربي الذي سبق ورافق قمة دمشق واعقبها.
كما كان تصريح وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني في قطر الاسبوع الماضي بان الوضع الناجم عن سيطرة حماس على قطاع غزة يمثل العقبة الرئيسية امام قيام الدولة الفلسطينية الموعودة وبالتالي فانها حملت المسؤولية عن فشل المفاوضات التي اطلقتها الولايات المتحدة في انابوليس اواخر العام المنصرم لحماس وسوريا التي تدعمها هو مؤشر آخر الى اختناق سياسي لم يعد هناك وسيلة سوى اللجوء الى القوة المسلحة لانهائه.
لكن الاختناق السياسي الاخطر اقليميا هو ذاك الموجود على المسار السوري الاسرائيلي، والهدف من أي حرب على سوريا او على نفوذها الاقليمي هو اجبارها على "تقسيم مرتفعات الجولان" بين الدولتين لان "اسرائيل تريدا جزءا من مرتفعات الجولان وهذا امر رفضه (الرئيس السابق حافظ) الاسد الاب" كما قال السياسي اللبناني دوري شمعون (يونايتدبرس انترناشونال في 14 الجاري)، الذي لا يمكن اتهامه بانه صديق لسوريا.
ان تواتر التقارير الاعلامية الاسرائيلية والاميركية عن تحريك مسار السلام السوري الاسرائيلي ومزيد من الاتصالات الثنائية التي تنفيها دمشق اضافة الى تصاعد الجدل السياسي بين الاسرائيليين انفسهم حول اهمية تحريك المسار السوري هي مظاهر تخلق مناخا خادعا يوحي بجنوح نحو السلم السوري الاسرائيلي بينما الاستعدادات الاسرائيلية جارية على قدم وساق للحرب.
ان أي نجاح عسكري اميركي - اسرائيلي في لبنان وفلسطين سيكون حربا بالوكالة ضد سوريا وهو امر لا تستطيع الاستراتيجية الامنية الوطنية السورية التسامح معه طالما كان الحليفان الاميركي الاسرائيلي في خانة الاعداء وطالما بقيت الاراضي العربية السورية في الجولان محتلة وطالما حالة الحرب قائمة مع اسرائيل، لان مثل هذا النجاح معناه فقط احكام طوق الحصار حول سوريا حتى تذعن راضية او مكرهة لشروط السلام الاسرائيلي، خصوصا وان عمقها الاستراتيجي الشرقي في العراق قد تحول الى ظهير استراتيجي للحليفين عليها بينما لا تتوقع دمشق في أي وقت ان تطغى علاقاتها في الشمال التي تحسنت كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية مع تركيا على المصالح التركية الاميركية الاستراتيجية في اطار حلف الناتو. ولا يحتاج المرء لان يكون خبيرا في الاستراتيجية العسكرية لكي يدرك ان أي مخطط استراتيجي في وزارة الدفاع السورية لا يمكنه ابدا ان يترك الخاصرة اللبنانية الرخوة لميمنة الجيش العربي السوري فريسة لاي قوى معادية تتخذ منها قاعدة عسكرية او سياسية ضد سوريا او تنزع من لبنان القوى الوطنية المقاومة لاي توجه كهذا.
واذا كانت سوريا قد سوغت تاهليها لجبهتها الداخلية بمواجهة "الكوارث الطبيعية" فان اسرائيل، حسب اذاعتها، لم تخف ان تاهيل جبهتها المماثلة كان لمواجهة على جبهتين الاولى مع حزب الله والثانية مع سوريا، بينما لا يستطيع أي مراقب ان يستهتر بتصريح اولمرت بان الحرب "لا يمكن تجنبها" في المنطقة فلا ياخذه على محمل الجد، خصوصا في ضوء تصريحات وزير دفاعه ايهود باراك بان الخطة لعملية عسكرية كبرى ضد قطاع غزة جاهزة وتنتظر فقط موافقة اولمرت عليها وفي ضوء استعدادات باراك القائمة على قدم وساق لاسترداد "قوة الردع" الاسرائيلية وبخاصة في مواجهة حزب الله اللبناني اضافة الى المناورات الاخيرة التي اطلقها مؤخرا لتصليب الجبهة الداخلية في أي حرب مقبلة ناهيك عن برنامجه الحثيث لتطوير الصواريخ المضادة للصواريخ.
ان المؤسسة العسكرية للدولة العبرية ملتزمة علنا منذ انشائها بمبدأ "الحرب الوقائية" الذي سوغت به ستة حروب عدوانية كبرى للتوسع الاقليمي على حساب الدول العربية المجاورة ومثلما اكدت الحرب الاسرائيلية الاخيرة على لبنان فان تل ابيب ما زالت ملتزمة بهذا المبدأ الذي تفاقم خطره على الامن الاقليمي والاستقرار في الوطن العربي وجواره الشرق الاوسطي بعد وصول المحافظين الجدد الذين يتبنون المبدأ نفسه الى قيادة الحزب الجمهوري والدولة الاميركية، الراعي الاستراتيجي لدولة الاحتلال الاسرائيلي.
لقد جددت سوريا مؤخرا بصورة جلية واضحة لا تترك مجالا لاي شك بانها لا تريد مواجهة عسكرية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي ويكفي التزام دمشق الصارم باتفاقيات وقف اطلاق النار منذ عام 1973 لمنح صدقية كاملة للموقف السوري، وهو الالتزام الذي يتخذه خصوم سوريا السياسيون في الداخل والخارج حجة عليها للتشكيك في دوافع دعمها للمقاومة اللبنانية والفلسطينية.
لذلك لا يمكن تفسير التقارير الاسرائيلية المبالغ فيها عن تدريبات للدفاع المدني واعادة نشر للقوات السورية الى مواقع دفاعية الا في سياق تهيئة الراي العام للحرب عليها كمسوغ اضطرت تل ابيب الى ترويجه لان السوريين لم يتركوا لها أي ذريعة للعدوان عليهم، ومثل ذلك التقارير الاعلامية عن حملة تسلح سورية جديدة مرة من ايران واخرى من كوريا الجنوبية وثالثة من روسيا حيث يكاد يكون المصدر لهذه التقارير جميعها اسرائيليا في ضوء تعامل دمشق مع تسليحها ومصادره كاسرار عسكرية لا تتطوع بافشائها لا هي ولا مصادر تسليحها.
ان الغارة التي انتهكت حرمة الاجواء السورية وشنها سلاح الجو الاسرائيلي على موقع سوري في قرية تل ابين قرب دير الزور في ايلول/سبتمبر الماضي كانت استفزازا وانذارا مبكرا اشعل الضوء الاحمر في وزارة الدفاع السورية بان الهدوء الذي التزمت دمشق به على حدودها التزاما صارما منذ حرب عام 1973 مهدد تهديدا جادا. وقد سبق هذا الاستفزاز في صيف عام 2007 تحركات عسكرية اسرائيلية مريبة تمثلت في تعبئة للقوات المحتلة على امتداد حدود الجولان فيما تحدثت تقارير الصحف الاسرائيلية عن دعوة (70%) من قوات الاحتياط للمشاركة في مناورات في هضبة الجولان المحتلة بينما اعلنت اسرائيل آنذاك ان "لواء الجولان" اكمل مناورات حربية مكثفة.
لقد الف كثير من المحللين العرب القول الشائع انه لا حرب عربية مع اسرائيل دون مصر ولا سلام معها دون سوريا، غير ان ما اعقب معاهدتي الصلح المصرية والاردنية مع اسرائيل ثم اتفاقيات السلام الفلسطينية الاسرائيلية من سلام حكومي بارد تكافح القيادات الثلاث لحمايته على علاته من الرفض الشعبي له وفشل هذه المعاهدات والاتفاقات في منع اندلاع حروب اقليمية وكذلك في الحيلولة دون تطور ظاهرة المقاومة التي نجحت فيما لم يسبق ان فعلته الجيوش العربية النظامية من تهديد للجبهة الداخلية الاسرائيلية لاول مرة حد ان تضطر دولة الاحتلال الاسرائيلي لخوض حروب "طويلة" ضدها لا تعتمدها في استراتيجيتها العسكرية التقليدية التي تعتمد الحرب "القصيرة"، ان كل ذلك وغيره يمثل اتجاها سوف تعززه على الارجح أي حرب جديدة تندلع ضد سوريا مباشرة او بالوكالة لتثبت ان الحرب وقعت وتقع دون مصر لكن السلام الاقليمي لن يستتب دون سوريا.
نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com