سوريا و«البيئة الاستراتيجية الجديدة»

بقلم: هشام القروي

قد لا تكون هناك علاقات أكثر تعقيدا والتباسا من العلاقات السورية-الاميركية في العالم العربي كله.
ففيما ينبغي التذكير ان واشنطن لم تغب أبدا عن المسرح السياسي السوري، منذ أيام حسني الزعيم وسامي الحناوي، وسلسلة الانقلابات التي سبقت مجيء حافظ الأسد الى السلطة، فقد بدا أحيانا وكأن البوصلة السورية تميل الى موسكو، في الوقت الذي ظلت فيه دمشق في الحقيقة تتلاعب على التناقضات، بطريقة تجاوز بها حافظ الأسد أستاذه في هذه اللعبة جمال عبد الناصر.
وظلت الولايات المتحدة تراقب سوريا، وتسمح لها بما لم تسمح به لسواها، الى حد ان البعض يتحدثون عن ضوء اخضر امريكي، لولاه لما تمكن السوريون من دخول لبنان والبقاء فيه الى اليوم. ويذهب بعض اللبنانيين المعارضين للوجود السوري الى أن واشنطن حاولت بذلك ارضاء سوريا دون اغضاب اسرائيل. فكأن اتفاقا غير معلن حصل بين الاطراف الثلاثة، ربط بين الصمت السوري عن تدخلات اسرائيل في لبنان الذي يقابله الصمت الامريكي عن وجود سوريا هناك. فلم يحدث مثلا أن أطلق الجيش السوري النار على الاسرائيليين طيلة غزوهم لبنان، ولكن السوريين- بالتفاهم مع الحليف الايراني- جعلوا ميليشيا حزب الله تقوم بالمهمة. وبعد ان انتهت الحرب الاهلية في لبنان، وانسحبت اسرائيل من الجنوب، هل بقي هناك ما يبرر الوجود السوري العسكري هناك؟
وبالرغم من هذا، فان هذه المسألة لم تحتل صدارة الاولويات في الاجندة الامريكية. وظل الدبلوماسيون الامريكيون يؤكدون أن التعاون السوري بعد 11 سبتمبر/أيلول مكن من انقاذ أرواح اميركية- أي انه بفضل سوريا استطاع رجال الامن الامريكي ان يحصلوا على معلومات هامة تتعلق بالمنظمات الاصولية الراديكالية ذات العلاقة مع "القاعدة".
وبقي هذا هو الحال الى ما قبل الحرب في العراق، حتى أن ادارة الرئيس بوش عرقلت اقتراحا في الكونغرس يتعلق باجراءات لمحاسبة سوريا. وذهب بعض المراقبين الى أن الامريكيين ظلوا يغمضون اعينهم عن كميات كبيرة من البترول كانت تصل سوريا من العراق خارج اطار النفط مقابل الغذاء، معتبرين ذلك بمثابة "مساعدة اقتصادية غير مباشرة" لنظام الرئيس بشار الاسد. ولم يحدث أبدا أن اشار أي رسمي أميركي الى الوجود السوري في لبنان بوصفه "احتلالا"، وهي الكلمة التي يستعملها المعارضون اللبنانيون . وظل الامر كذلك الى أن استعمل هذه الكلمة كولن باول كرد فعل اعقب الغاء زيارة اللجنة العربية الى بغداد التي كان يفترض أن تفاوض صدام حسين عن تنازله عن السلطة، لنزع فتيل الحرب. والسبب ان الامريكيين يعتقدون ان سوريا لعبت دورا رئيسيا في اقناع بغداد بعدم استقبال تلك اللجنة، كما لعبت نفس الدور في صدور البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب في 15-16 شباط/فبراير، الذي يقال انه فرض في الدقائق العشرة الاخيرة ووقع تمريره بالرغم من أن ما لا يقل عن 10 دول عربية طالبت باخضاعه للتصويت. وللتذكير فان ذلك البيان كان يدعو الدول العربية لعدم تقديم أي تسهيلات او معونة من أي نوع للولايات المتحدة اذا قررت الهجوم على العراق. ونعلم بأية حال أنه كان بيانا بلا مفعول. وعندما وصلت للامريكيين معلومات تشير الى أن سوريا كانت تلعب دور الجسر في ايصال المعدات العسكرية الى بغداد، في الفترة السابقة للحرب، فان ادارة بوش لم تصر على ضرورة معاقبة المهربين، حيث ظهرت اسماء أشخاص مقربين من السلطة. واكتفوا بالاشارة الى ما يجري عبر الحدود، والمطالبة بأن يتوقف ذلك. وظل الدبلوماسيون الامريكيون يعالجون هذه المسائل بنفس الطريقة التي تعاملوا بها مع سوريا في الماضي، أي بالحفاظ على السرية والتكتم على مواضيع الاتصالات.
بيد أن هذا كله تغير عندما اندلعت الحرب في العراق، ولوحظ ان دمشق فسرت بطريقة خاطئة الاشارات التي وصلتها من واشنطن. وآنذاك، بدأ الامريكيون في تغيير اللهجة، وتخلوا عن التحفظ والتكتم، واعلنوا بصراحة أن سوريا تتصرف بطريقة تلحق الضرر بجنودهم. ولا يخفى أن سوريا فتحت الابواب للمتطوعين العرب والمسلمين لينخرطوا في الجهاد ضد قوات التحالف، بالرغم من ان الحكومة السورية لم تعترف بذلك قط. وتصاعدت الازمة بين الولايات المتحدة وسوريا، من خلال التصريحات الحادة، الى حد ان بعض المراقبين العرب اعتقدوا أن الخطط للهجوم على سوريا كانت جاهزة في وزارة الدفاع الامريكية، أو ان المسألة أصبحت قريبة.
وكان ضرب مركز التجارة السوري في بغداد من طرف الامريكيين اشارة قوية الى وقوع تغيير خطير في العلاقات. ولكن لم يأت يوم 20 ابريل/نيسان حتى كان الرئيس بوش يصرح بأن السوريين أبدوا علامات ايجابية ازاء المطالب الامريكية.
ونذكر الآن ان هذه المطالب التي ذهب كولن باول الى دمشق لتقديمها بنفسه وجس النبض، تمس العديد من المواضيع، منها ما يتعلق بما يسميه الاميركيون اليوم "البيئة الاستراتيجية الجديدة"، والتي تفترض أن تاخذ دمشق في الاعتبار من هنا فصاعدا التغيير الذي وقع في العراق والطريقة التي وقع بها أيضا، وما سيفضي اليه من نشوء نظام جديد محالف للولايات المتحدة. ومنها ما يتعلق بالترتيبات الجديدة في الشرق الاوسط، أي مساعدة حكومة أبي مازن للتوصل الى تسوية مع اسرائيل على اساس خريطة الطريق، ومن اجل ذلك يرى الامريكيون أن اغلاق مكاتب "حماس" و"الجهاد الاسلامي" و"الجبهة الشعبية-القيادة العامة" في دمشق غدا ضروريا، ولا يرون في ابقائها أي فائدة لسوريا. ومنها كذلك ما يتعلق بالوضع في لبنان، خاصة "حزب الله". ومنها ما يتعلق بمستقبل المفاوضات بين سوريا واسرائيل...الخ.
وكل هذا وغيره مما لم اذكر في هذه العجالة، يتطلب ان تعيد سوريا النظر في أولوياتها السياسية، مما يطرح عليها تساؤلات وتحديات، لا بد من الاجابة عنها بطريقة او بأخرى. هشام القروي - باريس