سوريا في خطر: صوت من الأغلبية الصامتة

بقلم: د. فاضل فضة

كان الصمت ثرثرة وإعصارا داخليا تمدد في مساحات الحزن والألم على وطن، فيه من تراث الإنسانية ما يدعو للفخر والإعتزاز الكثير. وكان الصمت حكاية عدم التخندق في صف هذا او ذاك، بسبب مصير اخرجه الزمن في خيار إنساني مجرد ينضم تحت لواء الهجرات الجماعية التي اصابت سوريا وغيرها في فترات متلاحقة.

مع ان الغيوم تراكمت عبر السنوات السابقة لتشكل اكثر من غيمة تهدد بالرعد والعواصف في احلام الغفلة او اليقظة، في بيئة كانت محتقنة بما فيه الكثير من الرغبة في حق بشري بقيم تقاليد عالمية محتضنة بمعنى الإنسانية، كانت عدسة المصورين في وسائل الإعلام المتنوعة مصرّة على تقديم نسخة خاصة بعضها اسود وابيض وغيرها ملطخ بالدم وأخرها اشياء تقلق عندما لا تصب في مصلحة الشعب السوري.

قد يكون الحقد ردا وانتقاما لسياسات سابقة، وقد تكون بعض سياسات الدول "المدن"، ذات الأبواق المشابهة للفوفوزيلا الأفريقية، ساعدت في بعض الحالات من اظهار حراك الشارع العربي في اكثر من بلد قامت به الثورة. لكن ان تغيب المهنية عن معاييرها، وان تصبح الحكاية تحد بين نظام وشعب، وبين صورة اعلامية وتحريض متصاعد لا يشابه الواقع إلا في جوانب خاصة، تصب في مشروع عام للمنطقة، قد يكون في صيغته النهائية، اعادة الهيكلة لمكونات وضعت تحت ضغط القلق الإستراتيجي، في سياق الإرتماء في حضن المكون المذهبي لمناطق متشعبة التركيب، وجغرافية متسائلة، عن حالة ناضجة على مستوى المؤامرة، او المخطط السري، قد يكون كل هذا حالة ضبابية يمكن للمرء التأمل بها بصدق وواقعية بحثاً عن مصلحة الشعب السوري اولا واخيراً، بعيداً عن طبيعة نظام من عصر الشموليات، وبعيداً عن اجندات بدأت تحتضنها مصالح دول، وبعيداً عن مصالح فئوية مجسدة بانتهازيات انية لا تعرف من القيم والإنتماء ومصالح شعب إلا غرائزها المموهة مرات في ايديولوجيات لم تصلح يوماً لأي شعب في التاريخ.

هذا الشرر الغاضب في وجوه الحيارى خوفاً من المجهول وخوفاً من سيناريوهات مخيفة ومرعبة غير مقبولة لأي وطني شريف وعاقل، تسمح لنا بالقول وبصوت عال ان سوريا في خطر، والشعب السوري يواجه اول تجربة حقيقية في مخاض صعب بين سلطة سياسية لم تواجه مثل هذه الحالة، وبين حراك شعبي حقيقي في معظمه، متأزم بفعل التجربة السابقة للحزب الواحد، الذي اكتملت صيغته الشمولية بعد تجربة الإنقلابات المتعددة التي واجهتها سوريا، بمؤامرات خارجية في معظمها.

فمن الإنقلابات الصغيرة التي مهدت عبر الوحدة الفاشلة بين مصر وسوريا، إلى نظام البعث والنظام شمولي، بكل سلبياته، واثاره التي يواجهها الشعب السوري اليوم. في امتحان قد يضع المكونات السورية بكل اطيافها ونسيجها في صراع تعود جذوره لفترات الحكم العثماني، بأربعمائة عام من العبث في طبيعة سوريا انذاك. يمكن للمرء ان يتساءل عن قدرة ما ندّعي به من وعي للشعب السوري، في مواجهة الإنحدار العامودي والأفقي في مواجهات قد تكون قاسية ولا عودة عنها بعد تمهيد بشكل او بآخر من خلال تداخل العوامل الداخلية والخارجية لتحرث كل ما هو جميل او حتى مقنع على الأرض والمجتمع السوري.

قد يكون للشعب السوري قدرة على الصبر اكثر من غيره من الشعوب، وقد يكون الحذر المجتمعي من الوقوع في أتون حرب اهلية صامدا ضمن حدود نسبية معينة لا احد يدري ما هو فتيلها. وقد تكون المصالح الداخلية للتجمعات الكبيرة على مساحات المدن قادرة على قياس مدى الخسائر الأنية والمستقبلية والحدود التي يمكن الصمود امامها في صمت وقناعات من ان الحراك قد يكون مدّمراً.

ومع ذلك فإن التحريض الخارجي في بعض من جوانبه، قد تجاوز حدود العقل والمصلحة العامة للشعب، من خلال اجندة افتراضية بدأ يظهر بعض من ملامحها، في وسائل اعلام لا ترغب إلا في نتائج قد تكون مدّمرة على الأرض بسبب تجاهل طبيعة مكونات الشعب السوري في تجربة لنضوج وعي وطني بانتماء اسمه سوري لم تحل مشاكله عبر فترة ما بعد الإستقلال. كل هذا لا يبرر من طرف آخر طريقة واداء النظام في مواجهة تلك الإحتجاجات التي وصل ضحاياها قرابة الألف وخمسمائة ضحية.

كما ان انقسام المجتمع السوري عبر المدن والمكونات المذهبية والقومية، قد يضع تساؤلاً كبيراً وقلقا مغلفا بالخوف والرعب من ضبابية المعادلة في مستقبل متسائل عنه، امام المواطن الذي لا يهمه من الأمر إلا امان المواطنين وحقهم في عيش كريم، وكرامة انسانية تشابه تلك التي يتمتع بها أي انسان في وطن ديموقراطي حر.

ضمن هذه المعادلة المعقدة لرغبة البعض في دفع اي ثمن من حياة وتاريخ الشعب السوري للوصول إلى هدف الحرية والأمن والديموقراطية، يتساءل المرء عن درجة المصداقية في الإهداف المعلنة حرية وعدالة ومساواة وديموقراطية، عندما تغلف بالكثير من معايير الإيديولوجيات الدينية او تلك المرتبطة باجندات تصب في النهاية في مخطط الهدم واعادة هيكلة المنطقة على حساب الشعب بأكثرية لا ترغب او مشاركين لا يعلمون او امتداد عاطفي مندفع، ومهما كان الثمن في الإنهيار المجتمعي للتعايش المسالم الذي ساد تحت مظلة الحكم الشمولي، كما حصل في العراق بعد الغزو الأميركي له والتحرر من نظام صدام حسين، حيث سلمت مقاليد الأمور للمؤسسات الدينية والمذهبية، لتنتج ما لم يفعله اي حاقد في وطن، من قتل وتهجير وفساد قد لا يخرج العراق سليماً منه بعد عقود عدّة.

وفي المواجهة المعلنة والمخفية للنظام مقابل هؤلاء، ما زال الشعب السوري يدفع الثمن الكبير بشرياً واقتصادياً بفاتورة ترتفع بتقدم الأيام، وبرفض الحوار بين تنازلات النظام، التي يرغب هؤلاء الذين اصبح البعض منهم اداة بيد الآخر، الخارجي، وبين بعض الذين بدأوا يرددون بقبول تدخل غربي، عسكري، او بهيمنة عثمانية، كانت بغيضة لكثير من فئات الشعب السوري، او حتى بحرب طائفية مهما كان شكلها، كونها لن تقدم اكثر من الشكل الليبي او العراقي او اللبناني السابق.

في هذه المواجهة المعلنة والمخفية في اجنداتها لكل من الطرفين، توجد اغلبية صامتة سورية، تراقب بحذر وخوف ووجل. اغلبية ترغب في الإصلاح الجذري للنظام السوري، وترغب في العيش بحرية وكرامة وحق المساواة العادل لكافة ابناء الوطن السوري. اغلبية لا تريد لسوريا ان تكرر التجربة الليبية او العراقية او اللبنانية. اغلبية تكره العنف والمطلق وترغب بحل المسائل السورية داخل البيت السوري بهدوء وروية.

فالنظام السوري اليوم لن يكون وبأي شكل مشابه لما قبل تاريخ 15 أذار 2011، والأغلبية الصامتة مع الأقليات التي لم يتحرك احد منها إلا بعض اليساريين والعلمانيين، مترددين بسبب الثقافة العثمانية التي كانت سائدة خلال فترة الإستقلال وما قبلها، كنتيجة اربعمائة عام من القهر العثماني للأقليات التي ابعدت عن محتوى الحياة والمشاركة بشكل متساو مع ابناء الوطن الواحد. هذه الأغلبية الصامتة ترغب بوضوح شامل وكامل عن طبيعة نوع العقد الإجتماعي لمكونات المجتمع السوري المطلوب بناء العلاقة بين ابنائه في سوريا الحديثة. وهي مسألة لا يرغب البعض التطرق لها او الخوض بها، إلا من خلال العموميات. ويجب ان لا ننسى ان التاريخ البعيد للشعب السوري، قد اسس لكل مدينة ثقافة خاصة بها. كما ان لاريافها في تنوعها الأقلياتي المضطهد تاريخياً بتشريع ثقافي عثماني مازالت اثاره حاضرة في ادبيات الحالات الخاصة من المتطرفين في ثياب الثورة والإحتجاجات الحالية على صفحات مواقع تنتشر هنا وهناك، تعبر من خلال روادها على هذا النمط من التفكير المرفوض في معايير الديموقراطية الكاملة والحرية والكرامة والمساواة.

لذا يمكن القول بإن مصلحة الوطن السوري لدى الشرفاء قد تكون اولى من اي تدخل خارجي او اية اجندة خاصة او اية صيغة ترغب بإعادة سوريا إلى عصور انظمة مصدرها الدين، في زمن اثبت لكافة البشرية ان الحلول الحقيقية لأي مجتمع مدني متطور هو فصل الدين عن الدولة وحق المساواة المطلق لأبناء الشعب في الفرص، وديموقراطية حقيقية مستندة على وعي انساني يحقق المصلحة العامة.

ولا بد التذكير بفترة عهد الإستقلال السوري والإنقلابات بمؤامرات خارجية بمعظمها، كيف كانت سوريا كرة يتلاعب بها من قبل دول الجوار، من السعودية والعراق ومصر وغير ذلك من الدول الأخرى. كما هو حاصل اليوم في لبنان، وزعاماتها السياسية المتعددة، ولا نشك ابداً من خلال ما نرى اليوم من ان جزءا محدودا من المعارضين السوريين بدأ في الإرتماء باحضان بعض من القوى الخارجية بسبب عدم قدرتهم على ايجاد صدى معنوى او عملي لهم في الشارع السوري، ليكونوا المقدمة اللبنانية المستقبلية لسوريا ممزقة سياسياً، بإسم وجاهات وشيوخ ومدن وطوائف وعشائر.

وقد يكون عدم نضوج الإنتماء للوطن السوري، دوراً في هذه المعادلة بسبب المبالغة في تغليب الإنتماء العربي، والقومي او الإسلامي، على حساب مكونات الشعب السوري. كما ان حلم البعض في تجمعات دينية كالأخوان المسلمين ومحاولة امتطاء موجة الثورات العربية، اساساً في رفض فئات كبيرة من المجتمع السوري لأي حراك يبنى على اكتافهم، بسبب الذكريات الأليمة الطويلة في تاريخ سوريا، من اضطهاد للأقليات، الذي ما زال البعض يصر به عبر عدم القبول بحق المساواة بين ابناء الشعب السوري على هذا الأساس الديني بكل بساطة.

إن الوطن السوري في خطر كبير، خطر كبير من طريقة اداء الجميع، والخوف من تحول ذلك بفعل عدّة عوامل مشتركة، منها النظام واصراره على عدم العودة إلى حالة اكثر من قلقة بما يمثل من مكونات لتركيبته الإجتماعية، او بفعل الحالات الخارجة عن مطالب مشروعة، المسلحة في بعض من اجزائها، وتحول ذلك إلى ساحة عراك وصراع، بدلاً من ان يكون الحوار بها اداءً، صراع عراك ومواجهة قد تحول الحالة إلى حرب طائفية لا احد يرغب بها.

قد تصر المعارضة على اسقاط النظام، وقد يصر النظام على الممانعة، ويتزايد عدد القتلى والضحايا، من الطرفين. وقد يؤدي ذلك إلى انشقاقات مجتمعية، قد تدخل بها في مراحل لاحقة، مؤسسات الدولة والأمن والجيش فيما لو تطورت حالة الممانعة من الطرفين إلى صراع معاندة. فالنسيج المجتمعي السوري لا يشابه مصر ولا السعودية او اليمن. سوريا قد تتشابه مع لبنان و17 مكونا اجتماعيا ومذهبيا وعرقيا. وهذه إذا تشعبت وتفرقت وتقاتلت، فإنها ستكون بؤرة حرب طائفية كبيرة لن تنته قبل عقود. بها قد تقسم سوريا جغرافياً في نهاية الأمر.

قد يكون هذه السيناريو سيئاً في نظر البعض، لكنه جزء من افتراض واقعي، قد يصبح حقيقة عندما تدفع إليه البنادق الطائشة من اية جهة كانت، سلطة او معارضة.

وما السعير السياسي الأوروبي للخروج من ازمات اقتصادية كبيرة إلا سبباً اضافياً لهذا التدخل اللاأخلاقي في سياسات عديد من الدول العربية ومنها سوريا، للإدانة ومن بعد التدخل العسكري، كما حصل في ليبيا، الذي كان افتراضياً لحماية المدنيين ثم اصبح بقدرة قادر حربا بين مرتزقة القذافي ورجال الثورة، والآلة العسكرية لحلف الأطلسي. حيث عمل الحلف على ادارة المعركة حسب هواه ومصالحه، بما ادّى وبشكل عملي لتدمير البنية التحتية الليبية، وايقاع عشرات الآلاف من الضحايا من الشعب الليبي، وفاتورة كبيرة قد تحتاج ليبيا المستقبل لعقود لإعادة البناء بها، بما يصب في مصالح الدول المشاركة، والخروج من الأزمة الاقتصادية الأوروبية. كل ذلك تم ويتم على حساب معاناة وألام الشعب الليبي.

لذا قد يكون لدى الشعب السوري من العقلانية والوعي ما يكفي لصد مثل هذه السيناريوهات الصعبة، فيما لو توفرت صيغة القبول بالأخر والعيش المشترك، من خلال انضاج معنى اللحمة الوطنية السورية، كمكون اساسي، بعد ان غاب هذا المعنى من تاريخنا السياسي المعاصر على حساب المغالاة في فضاءات لا تمس الواقع اليومي للمواطن السوري، من مشاريع الوحدة العربية التي لم تحقق من صيغها العملية إلا تحالفات انظمة فرط عقدها عندما اصبح التدخل الغربي بها سياسات املاءات بسبب طبيعة الحكم العربي، وعدم ادائه بما ترغب به شعوبه، في الحرية والعدل والديموقراطية والكرامة.

قد يكون الحوار تنازلاً من قبل فئة، لكنه افضل بالف مرة قبول حوار قد يؤدي بالتدريج إلى حالة متوازنة في مستقبل وطني لا بد مشرق، مقابل احتجاج قد يتحول إلى مسلح او بؤر متفجرة هنا وهناك، سيؤدي بشكل او بأخر في حالاته المتطورة إلى سيناريو ليبي او عراقي او لبناني في الحرب الأهلية، بديلاً.

د. فاضل فضة