سوريا تواجه القنبلة السكانية

دمشق
2.4 بالمائة

يقود ابراهيم عيسى سيارته الاجرة وهو يرتدي جلبابا أزرق، وبمرح يقول ان لديه تسعة ابناء من زوجتين وانه يعتزم الزواج بالثالثة قريبا.

وهو يرى أن انجاب الاطفال بيد الله وأنه ليس من حقه التدخل فيه باستخدام وسائل منع الحمل. ومثله مثل جميع سائقي سيارات الاجرة في دمشق يشكو من تكاليف المعيشة ومدى صعوبة تغطية نفقات الحياة بمبلغ 300 دولار هو ما يجنيه شهريا.

يهز عيسى (43 عاما) كتفيه غير مبال عند سؤاله ان كانت مسؤولية اطعام كل هذه الافواه تجعل حياته أصعب ويبتسم قائلا "كلا. أنا سعيد".

ويبلغ عدد السكان في سوريا الان 20 مليون نسمة اما معدل النمو السكاني فيظل واحدا من أعلى المعدلات في العالم وهو 2.4 بالمئة. وتقول الهيئة السورية لشؤون الاسرة انه بدأ يتراجع منذ بلغ 3.2 بالمئة في المتوسط خلال الفترة من عام 1947 الى 1994.

وقال نبيل سكر الاقتصادي السوري الذي كان يعمل سابقا لدى البنك الدولي "لا شك أن لدينا مشكلة سكانية. ويمكن أن تصبح عبئا على تنميتنا ما لم نتعامل معها".

وأضاف أن القوة العاملة تنمو بنسبة نحو 4.5 في المئة في العام بسبب نمو السكان في العقود السابقة بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد السوري على توفير فرص عمل لربع مليون شاب ينضمون الى سوق العمل كل عام.

وقال "وجود تعداد سكاني كبير للغاية يعني عبئا ثقيلا على الخدمات الحكومية مثل التعليم والكهرباء والرعاية الصحية. معدل النمو قد ينخفض خلال 20 عاما الى 1.5 في المئة مثل مصر لكننا سنواجه خلال تلك الفترة مشكلة بالفعل".

ويبلغ معدل البطالة الرسمي نحو عشرة في المئة لكن تقديرات مستقلة تشير الى أنه يفوق 25 بالمئة.

ومتوسط عدد الاطفال الذين تنجبهم المرأة السورية 3.6 وان كان الرقم يخفي الفوارق الكبيرة بين المدن والريف.

ومن المتوقع أن تنخفض معدلات الانجاب في دمشق وثلاث محافظات أخرى من ما بين 2 و2.5 طفل لكل امرأة حاليا الى 1.4 الى 2 بحلول عام 2025.

وفي المحافظات السبع الاقل تنمية بين محافظات سوريا الاربع عشرة يبلغ المعدل ما بين 3.8 و6.2 طفل. ومن غير المتوقع أن يتراجع المعدل كثيرا في الاعوام الخمسة عشر القادمة.

ويقول خبراء ان التمدن وانتشار التعليم خاصة بين الفتيات من اهم العوامل التي تكبح جماح النمو السكاني على مستوى العالم.

وتعطي الاقلية المسيحية بسوريا مثالا جيدا وغالبية أفرادها من سكان المدن المتعلمين تعليما جيدا.

قال سامر لحام مدير الشؤون المسكونية ببطريركية الروم الارثوذكس في العاصمة السورية "كان لجدي ثمانية ابناء ولوالدي أربعة أبناء أما أنا فلدي اثنان فقط".

وتابع "بعد خمسة أعوام ربما يكون لكل أسرة طفل واحد بسبب المشاكل الاقتصادية وتكاليف التعليم ونفقات المعيشة".

ويرى الخبير السكاني اللبناني رياض طبارة أن الدين ليست له صلة بهذه المسألة ويقول "التنمية تأتي بالتعليم وهو عامل حاسم لانه يزيد تكلفة تربية الابناء. متى يدخل التعليم والتحديث تتراجع معدلات الانجاب".

وتخرج سوريا الان من اقتصاد يعتمد على الادارة المركزية على الطراز الاشتراكي.

وقال طبارة "ما يؤثر على معدلات الانجاب ايضا التفاوت بين دخل الفرد ومستواه الاجتماعي".

وأضاف أن الاتصال بالعالم الخارجي يعطي الناس لمحة عن السيارات أو السلع الاخرى التي لا يستطيعون تحمل تكلفتها الا بأن يكون لديهم عدد أقل من الابناء. وتابع "في سوريا جاء ذلك التعرض ببطء وما زالت معدلات الانجاب عالية لكنها تتراجع".

وتتزايد تطلعات السوريين مع انتشار القنوات الفضائية والهواتف المحمولة والانترنت.

وقال دبلوماسي غربي "ستكون لدى المواطنين الشبان على الارجح تطلعات اكبر مما لدى ابائهم مع اطلاعهم على وسائل الاعلام الاقليمية والدولية. حتى القرى النائية بها أطباق استقبال البث الفضائي. كما أن كثيرا من السوريين يعملون بالخارج ويعودون".

وربما يؤجل الشبان الزواج في أماكن مثل دمشق الى ما بعد استكمال تعليمهم العالي ثم يمضون سنوات بعدها بلا زواج لانهم لا يستطيعون تحمل نفقاته.

وقال خريج فلسفة يبلغ من العمر 32 عاما انه لا يزال أعزب ويعيش مع والديه لانه لا يستطيع تحمل تكلفة الشقة التي ستطلبها العروس رغم أنه يقود سيارة أجرة لزيادة دخله الذي يجنيه من عمله بمستشفى حكومي.

وأضاف الشاب الغاضب "هناك كثيرون مثلي. هذا يكفي لدفع الناس الى ارتكاب الجريمة".

وفي المناطق الريفية تكون الاسر كبيرة العدد عادة لان تكلفة تربية الابناء منخفضة نسبيا الى أن يبلغوا التاسعة او العاشرة من العمر وهي سن يمكن أن يبدأوا فيها العمل في الحقول او جني أموال من أعمال أخرى.

والى أن تدفع عجلة التحديث المواطنين لتغيير مفاهيمهم من المرجح الا تلقى نصائح تنظيم الاسرة صدى. وقال طبارة "قبل ذلك لا أحد يريدها وبعد ذلك لا أحد يحتاجها".

وقالت عتاب التقي من صندوق الامم المتحدة للسكان الذي يتعاون مع الحكومة السورية ان تعليم الفتيات عنصر ضروري في مواجهة التحديات السكانية في سوريا.

وأضافت أن بعض الجهود على مستوى المجتمعات في الشمال الشرقي أسفرت عن نتائج بسيطة لكنها مشجعة.

وقالت "في واحدة من أفقر القرى كانت الفتيات تقول: نريد استكمال تعليمنا لكننا نحتاج الى حافلة لان اباءنا لا يسمحون لنا بالذهاب الى المدرسة بمفردنا. المسألة كانت في غاية السهولة.. مجرد توفير وسيلة لنقلهن".