سوريا: بعد الانتفاضة العربية والدولية على النظام الحاكم.. المعارضة يجب أن تقدم برنامجها

بقلم: حسان القطب

خمسة أشهر مضت على بداية الانتفاضة السورية المباركة في وجه الظلم والاضطهاد الذي يعيشه الشعب السوري منذ عقود.. خمسة أشهر توازي في خسائرها وبشاعة جرائمها العقود الخمسة التي مضت على حكم عائلة الأسد لبلاد الشام، موطن بني أمية وأرض نهضتهم الثقافية والفكرية والعلمية.

واليوم وبعد هذه المعاناة الطويلة والمريرة قام العالم العربي بجمهوره وأنظمته بفتح أعينه وكافة جوارحه على ما يجري في سوريا من حمام دم مستمر ومتواصل يستهدف الشعب السوري بكافة مكوناته وفئاته دون أن يراعي هذا النظام حرمة سفك الدم في شهر رمضان المبارك، ولا الفرحة التي يختزنها الأطفال في نفوسهم ابتهاجاً بقدوم هذا الشهر المبارك ومع نهايته عيد الفطر السعيد. فانتزع هذا النظام بممارسة القتل كل معالم الفرح وروح المحبة وبراءة الطفولة وطهارتها، وعوض أن يؤمن فرص العمل للشباب السوري قام هذا النظام بتدمير مستقبل الشباب والأجيال القادمة، وذلك حين أمعنت آلة القتل الرسمية عملها في كافة المدن والقرى والبلدات دون تردد أو وازعٍ من خلقٍ أو دين، مستندةً إلى هذا الصمت المريب والتخاذل الدولي والعربي إلى جانب التأييد الرسمي من حكومة لبنان وحدها دون سواها إلى جانب إيران من بين دول العالم المتحضر والمتخلف على حدٍ سواء.. ولا شك في أن من يؤيد ممارسات من هذا النوع أو انه يتجاهلها يكون جزءاً من المؤامرة بل أداة إضافية في يد الجلاد الذي يمعن في سفك الدماء.

أول تداعيات اليقظة الدولية كان الموقف الروسي الرافض لتجاوز الخطوط الحمر في طريقة معالجة نظام سوريا لانتفاضة الشعب السوري، وتبعته تركيا والأمم المتحدة. واليقظة العربية تجلت في الموقف الكويتي المبدئي، ثم تلاه موقف مجلس التعاون الخليجي، ليتوجه موقف الملك السعودي حين أعلن رفضه ممارسات النظام السوري بحق شعبه ومواطنيه، ودعوته السفير السعودي للعودة من دمشق للتشاور مع حكومته، وهي طريقة لائقة ودبلوماسية لسحب السفير دون إعلان قطع العلاقات ولكنها تشكل بداية جدية وموضوعية لبداية اهتمام عربي ودولي بالشأن السوري الذي تذكرنا مجرياته وأحداثه من شدة هولها بالحقبة الستالينية. هذا الواقع المستجد من الممكن أن تضيفه المعارضة السورية إلى قائمة انجازاتها وانتصاراتها كنتيجة طبيعية لتضحيات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمعتقلين والمهجرين والمشردين من أبناء الشعب السوري ولكن حتى لا يضيع كل هذا هباء في دهاليز السياسية الدولية والتسويات بين القوى الكبرى على حساب الشعوب الضعيفة والمقهورة، لذا يجب أن تستثمره المعارضة السورية بشكل جيد بأن تعمل على:

- تشكيل هيكلية تنظيمية تضم كافة قوى المعارضة السورية وتشمل كافة مكونات المجتمع السوري

- وضع تصور موضوعي للمرحلة الانتقالية التي تضمن انتقالاً هادئاً وآمناً للسلطة من الديكتاتورية إلى الديمقراطية

- تقديم برنامج موحد يتضمن رؤية القوى السياسية والاجتماعية السورية لدولة مدنية ديمقراطية يتم تداول السلطة فيها في انتخابات حرة ونزيهة

- وضع تصور لطبيعة وشكل النظام الاقتصادي المقبل يكون قادراً على الخروج بسوريا من أزمتها الاقتصادية وتأمين فرص العمل لشبابها

- وضع رؤية لطبيعة علاقات الدولة المقبلة مع جيرانها وأشقائها والمجتمع الدولي تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى

- التأكيد على احترام حرية الرأي سياسياً وإعلاميا

- التأكيد على فصل القضاء وضمان استقلاله

- إلغاء الأجهزة الأمنية التي عاثت في سوريا فساداً على امتداد عقود وإعادة تأهيل منتسبيها وتامين انخراطهم في المجتمع المدني من جديد.

النظام السوري الحالي والذي يرى بوضوح أن استمراره بات مستحيلاً نتيجة عجزه عن سحق الانتفاضة الشعبية وبسبب عزوف الدول التي حالفته ودعمته في مرحلة سابقة عن متابعة دعمه وتجاهل جرائمه قد يلجأ لممارسة كل ما يمكنه من تصرفات وممارسات تربك المعارضة أو تتسبب في انقسامها ودب وزرع الخلافات في صفوفها عبر طرح نقاط أو برامج أو مشاريع تسويات بهدف الإرباك ليس أكثر، لشراء الوقت بانتظار متغير دولي ما يعيد خلط لأوراق، وقد يلجأ لبعض أتباعه في لبنان وسواه لارتكاب بعض الهفوات والممارسات التي توحي بأن سقوط النظام السوري الحالي سيشكل كارثة على المنطقة والدول المحيطة، تماماً كما تصرف حين أرسل الشباب الفلسطيني إلى خطوط التماس في الجولان ولبنان بالتعاون مع حماس وحزب الله للإشارة إلى الفوضى التي ستحدث في حال سقوط النظام الحالي.

لذا يجب التنبه من كافة محاولات هذا النظام لضخ الحياة في جسم حكمه المنهار والمتهالك والعمل بوعي وحكمه للمساعدة على خروج سوريا من هذه الفترة المظلمة من تاريخها وعودتها للصف العربي وهي أكثر تماسكاً وقوةً ومنعة..

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات