سوريا: المنتجات الأجنبية تهدد مستقبل الصناعات التقليدية

دمشق
الموزاييك الدمشقي..تحفة نادرة تتلاشى

كانت الصناعات والحرف التقليدية بكافة أنواعها تلبي احتياجات المجتمع السوري في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إضافة إلى التصدير إلى الأسواق العربية والأجنبية وتلبية احتياجات السياح الذين يحبون اقتناء القطع التراثية عندما يزورون سوريا حاملين معهم هذا الإرث الرائع كتذكار من أرض الحضارات.

ولعل تطور الحياة الاجتماعية والانفتاح على المجتمعات الأخرى جعل الناس تقتبس من الدول الأخرى صناعات جديدة متطورة حلت محل الصناعات اليدوية إلى حد كبير كما يقول مزيد حتويك وهو صاحب ورشة للنقش على النحاس في ريف دمشق ما جعل تلك المهن تعاني من خطر الاندثار.

وأضاف حتويك أنه منذ ثلاثين عاما يعمل بالنقش على النحاس كالسيوف والخناجر ومصبات القهوة والصواني وغيرها وبشكل يدوي وأن لديه في ورشته الصغيرة عمالا يساعدونه إلا أنه يعتمد بشكل كبير على نفسه بسبب عشقه لهذه المهنة والرسم بشكل دقيق ومتناسق وانيق رغم أن القطع أحيانا تحمل تفاصيل صغيرة جدا وتحتاج إلى جهد إضافي.

ويرفض صاحب هذه الحرفة إدخال الآلة الحديثة في عمله على الرغم من أنها ستدر عليه أرباحا كبيرة ويقول إن سيطرة الآلة على المنتجات اليدوية دفعت الكثير من أصحاب المهنة إلى التخلي عن هذه القيمة التاريخية القديمة التي تعتبر جزءا هاما من تراثنا الذي نفتخر به أمام السائحين العرب والأجانب في أسواقنا القديمة واستبدال الوسائل اليدوية التقليدية بحجة أنها لاتدر بالربح الكبير وأنها تحتاج إلى وقت طويل من العمل والجهد بالآلات المتطورة وصنع أصناف مماثلة للبضائع الأجنبية أو الاستغناء تماما عن هذه المهنة والتحول الى مهن أخرى أو أساليب أخرى كاستيراد البضائع الأقل تكلفة والأكثر ربحا من الدول الأخرى.

ويعرب جورج حداد وهو حرفي في الرسم على الزجاج عن أسفه لهذا الغزو الكبير للمنتجات الأجنبية في السوق السورية ومنافستها للصناعات الوطنية وخاصة القديمة ويبدي تخوفا من فقدان هذا الإرث التاريخي العريق ليس فقط في حرفته وإنما في بقية الحرف الأخرى.

فيما يقول بسام الصغير وهو نجار مفروشات في سقبا إن سوريا اشتهرت منذ القديم بحرفة النجارة وأن النجارين السوريين يعتبرون من أبرع نجاري العالم نظرا لكونهم يتميزون بمهارتهم اليدوية وخبرتهم المهنية وحسهم الجمالي ورغبتهم في إبداع كل ما هو جديد وجميل مشيرا إلى أنه يلبي طلب الأسواق الخليجية بشكل كبير وهو يقوم بالسفر بشكل مستمر للمشاركة أيضا في المعارض الدولية.

وأضاف الصغير أن "المنتجات السورية من المفروشات وغيرها تلاقي إقبالا كبيرا في الخارج لذلك يجب أن يكون لهذه الحرفة أسسا وقواعد تساعد على حمايتها من الاندثار أو التقليد أو التشويه أو إدخال أي أساليب أجنبية تضيع هويتها الشرقية خوفا على أصالتها وعراقتها من جهة وكونها قد ورثت من الأجداد والآباء إلى الأبناء للمساهمة في الحفاظ على هذا الإرث الرائع الذي يبدعه الحرفيون منذ أقدم العصور لدرجة أن تلك الصناعات والحرف ارتبطت بأسماء أصحابها لتصبح ككنية أو لقب يلقبون فيه على مر التاريخ وتعاقب الأجيال كالمنجد والخباز والمبيض والقباقيبي والدباغ والطرابيشي والحداد والعطار والحايك الخ".

وأشار إلى أن لكل حرفة شيخ كار يحرص على تعليم أصول المهنة إلى أبنائه لينقلوها هم بدورهم إلى الأجيال القادمة.

ويقول أبو محمد القباقيبي إن "الإقبال على صناعة الموزاييك التي تنحصر في سوريا وفي دمشق بشكل خاص دون سائر بلاد العالم والتي انتشرت في بلادنا منذ حوالي مئتي عام قد تضاءل بالنسبة لسكان المدن وانتقلت الرغبة في اقتناء أثاث الموزاييك إلى الريف ولكن على نطاق محدود".

وأوضح أبو محمد أن الحفر على الخشب والتطعيم بالصدف والعظم والقصدير والنحاس والتي كانت تصدر للخارج وبأسعار باهظة باتت تعاني من الإهمال والغبار المتراكم عليها كما أضحت مجرد زينة في المتاحف والبيوت الدمشقية القديمة وبعض المحال التي مازالت تتمسك بالتراث القديم والطقوس القديمة للحرف وذلك بسبب تضاؤل الإقبال عليها مع غزو المفروشات الأجنبية بأشكالها العصرية وسهولة نقلها وتنظيفها وصغر حجمها بما يتلاءم مع مساحات البيوت اليوم ويبدو أن الحال ليس أفضل في بقية الحرف السورية كما يقول جبران صاحب أحد المحال لعرض الصناعات النسيجية والخشبية والموزاييك في باب شرقي والذي يقصده السواح لاخيتار هدايا من دمشق لعشاق الفن الأصيل أينما وجدوا منذ أقدم العصور.

ويشير صاحب محل آخر لبيع الشرقيات إلى أن الصناعات السورية باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى على أبواب تنافس كبيرة مع تطور الصناعات المحلية والغزو الكبير للمنتجات الأجنبية في الأسواق المحلية وأنها بحاجة إلى لفتة كبيرة لحمايتها كونها تعبر عن هويتنا العربية السورية من جهة وتساهم في ازدهار اقتصاد البلاد وتشغيل الكثيرين من جهة ثانية إضافة لأنها حلما للسائحين لاقتناء تلك الروائع الفنية التي تزين بيوتهم وتغني موسوعتهم الفنية بنفحات من الشام وعبقرية أهل الشام.(سانا)