سوريا الرمضانية: التصعيد الامني المفتوح

بقلم: أسعد حيدر

الحزم الذي هددت بثينة شعبان ملاقاة وزير خارجية تركيا احمد داوود أوغلو به، تحول بعد بضع ساعات الى مبادرات حسن نوايا. وسلسلة من الوعود بالتغيير ضمنا لا يبدو حتى الان انها اقنعت احد، خصوصا الاتراك لان باطن القرارات لا يوحي بذلك. ذلك ان مختلف القراءات تؤشر الى التصعيد الامني على أمل الحسم قبل عيد الفطر المبارك بحيث يتمكن الرئيسٍ بشار الأسد من إداء صلاة العيد بطمأنينة، وليبدأ بعد العيد حملة سياسية مزدوجة: داخلية باتجاه الاصلاح كما يقرره وليس كما تريد المعارضة فرضه عليه بالمظاهرات والمواجهات في الشارع، وخارجيا العمل على اعادة الساعة الى الوراء وفك العزلة عنه كما حصل معه في السابق على قاعدة ان الاخرين بحاجة اليه وليس هو فقط.

في الساعات الاربع والعشرين الماضية خرج "النظام الأسدي" بجملة قرارات ابرزها:

• اعلن انسحاب الجيش السوري من مدينة حماه بعد الانتهاء من "المهمة النوعية التي تجسدت في حماية المواطنين المدنيين وملاحقة فلول النظيمات الارهابية المسلحة". هذا الاعلان وصف بأنه "هدية" لاوغلو قبل وصوله الى دمشق لما لحماه من رمزية بالنسبة له ولتركيا في الحالة السورية. لكن هذا الانسحاب الذي من غير المعروف مدى صحته الى أين؟ وهل هو نهائي او مؤقت؟ وما هي ردة فعل النظام سواء فشلت المباحثات مع أوغلو او عاد الحمويون الى التظاهر خصوصا وان القمع والسجن لم يردع الحمويين من العودة الى الشارع بعد اطلاق سراحهم، فقد نقل رئيس قسم السياسة الدولية في الاذاعةٍ السويسرية بعد تفرده بزيارة حماه المحاصرة في شهادة له في صحيفة "اللموند" عن شاب حموي امضى 83 يوما في أقبية المخابرات حيث تعرض لمختلف أنواع التعذيب ولم يطلق سراحه الا بعد ان وقع بانه لن يتظاهر وانه سيدعم النظام. لكن الشاب تحول بعد اطلاقه الى واحد من أنشط اعضاء التنسيقيات. فالمشكلة ليست مع حماه وانما مع الحملة الامنية كلها التي طالت مختلف المدن والمحافظات السورية والتي اصبح مطلب الجميع منها وخصوصا واشنطن انسحاب الجيش من كل المدن والعوده الى ثكناته.

• أقالة او ابعاد وزير الدفاع العماد علي حبيب من منصبه وزيرا للدفاع "لاسباب صحية" وتعيين رئيس هيئة الاركان العماد اول داود راجحة مكانه. أهمية الاقالة والتعيين ان العماد علي حبيب هو الاخير من المجموعة التي كانت تعرف بمجموعة "العليين السبعة". هذه المجموعة التي رافقت الرئيس الراحل حافظ الاسد منذ صعوده الى السلطة تضم كلا من الجنرالات:علي دوبا، علي اصلان، علي حيدر، علي ديب، علي سليمان،علي صافي وعلي حبيب. وبهذا فأن هؤلاء الجنرالات ومنهم علي حبيب لهم نوع من "الشرعية التاريخية" ولذلك فأن ابعادهم عن السلطة كان يتم دائما بطريقة لائقة وصامتة. اضافة الى ذلك فان جنرالا مثل علي حبيب يستطيع بما له من شرعية منذ ان رافق الرئيس الاسد- الاب ان يقول لا او نعم. الاهم ان تعيين العماد اول داود راجحة يحمل رسالة الى الخارج واضحة التوقيت ذلك ان الوزير الجديد مسيحي من ريف دمشق وذلك لتأكيد علمانية النظام في وقت يشدد فيه على اخطار سلفية المعارضة المسلحة وتطرفها. كما ان العماد اول راجحة كما تصفه بعض الاوساط السورية العليمة هو من "الرؤوس الحامية" في الجيش السوري الذي لا يتردد في الضرب بيد من حديد.

بهذا التغيير يكون الرئيس الاسد كما تشير مصادر خبيرة بالشأن السوري قد ضرب "عصفورين بحجر واحد"، فهو ارضى العلمانيين، وشد أزر المسيحيين القلقين كما يشاع من خطر حوله، بعد التركيز ان "الاخوان المسلمين" هم البديل، وفي الوقت نفسه تخلص من امكانية ان يكون "حصان طروادة" لاي محاولة انقلابية يمكن تدبيرها بدعم خارجي خصوصا وان الفريق علي حبيب "الشخصية التاريخية" في النظام يقال عنها انها أقامت علاقات خاصة مع الاميركيين اثناء قيادته للقوة العسكرية السورية التي شاركت في حرب "عاصفة الصحراء" ضد العراق.

الى ذلك فإن أبعاد العماد علي حبيب وترفيع العماد راجحة رئيس الاركان في الجيش وتسلمه وزارة الدفاع، يضع اللواء آصف شوكت مرة اخرى في الواجهة لانه يشغل موقع نائب رئيس الاركان. السؤال الان هل يتم ترفيعه ليتسلم اخيرا رئاسة الاركان ليصبح "الرجل القوي" في النظام بكل ما هو معروف عنه بانه "صقر الصقور" الى جانب شقيق الرئيس الاسد اي اللواء ماهر الاسد.

كل ليلة من شهر رمضان تشكل امتحانا لـ"لنظام الاسدي" في مواجهة الداخل السوري اولا، وثانيا المجتمع الدولي الذي فقد صبره بعد اربعة أشهر من المظاهرات الشعبية والقمع الذي اصبح في قصف الدبابات للمدن والقرى امرا عاديا. ولا شك ان تحول الموقف العربي خصوصا الخليجي الذي يقوده الملك عبدالله بن عبدالعزيز سيشكل رافعة اساسية لاي موقف غربي متشدد يصل الى درجة العمل على اصدار قرار دولي ينص على فرض عقوبات اقتصادية اولا، ويبقي الباب امام احتمالات التصعيد مفتوحا على مصراعيه.

أسعد حيدر