'سوريا الإيرانية'.. والصراع القادم بين الرياض وطهران!

لم أفهم الترحيب الذي ابداه قادة دول مجلس التعاون الخليجي بما اسموه التوجهات الجديدة لايران.. هل نسوا ما فعلته إيران فيهم وإحتلال جزر الإمارات والتهديد بضم البحرين وتحريض الشيعة في السعودية للثورة والإنقلاب وتحويل العراق لمستعمرة إيرانية؟ هل طلبت أميركا من حلفائها في الخليج إظهار حسن نوايا تجاه طهران تشجيعا لها على تفاهمات جنيف؟ اعتقد أن السعودية وافقت على صياغة البيان وهي متضررة لذلك ألحقت به الشرط التالي "أملا أن تتبع هذه التوجهات خطوات مملوسة بما ينعكس إيجابيا على السلام والأمن والإستقرار بالمنطقة".

بعد يومين فقط من بيان مجلس التعاون القى محمد على جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني بالقفاز في وجه دول الخليج مؤكدا أن سوريا تمثل خط الدفاع الأمامي عن الجمهورية الإسلامية وأنهم يحتفظون بمستشارين في دمشق يقدمون الدعم والنصائح بناء على طلب رسمي من النظام السوري الشرعي المعترف به دوليا! وأضاف سنفعل ما في وسعنا للدفاع عن هذا النظام حتى لو "بلغ الأمر ما بلغ"!

لغة تهديد واضحة ولا لبس فيها، غير ان الايرانيين يجيدون تقسيم الادوار مابين حمائم وصقور، الا ان النتيجة واحدة دائما وهي خدمة اهداف الامبراطورية الايرانية الاسلامية.

من ثم فوزير الخارجية الإيراني محمد ظريف لن يتحدث بهذا الوضوح، وإنما سيفرك يديه ويبتسم ويقول شيئا من نوع إنهم يريدون الخير للشعب السوري الذي من حقه أن يختار النظام الذي يمثله من دون تدخلات من أحد، وإن علينا جميعا الذهاب معا إلى جنيف للوصول إلى حل سلمي، في الوقت نفسه الذي تهبط فيه طائرات عدة محملة بأسلحة إيرانية متطورة لدعم جيش نظام يقتل شعبه، ولكنه لن يعترف بذلك وإنما سيضيف شيئا من نوع "نحن نحارب التكفيريين في سوريا ويجب أن تتعاون معنا دول المنطقة فهذا من مصلحتنا". مقابل منطق كهذا يجب يجب ألا تجلس المملكة مع إيران الان، وتتفاوض، قبل أن تحقق نصرا حقيقيا في سوريا يعيد ترتيب الأوضاع لصالحها.

ولكن الصورة تزداد تعقيدا بشكل يستفز السعودية أكثر. فالولايات المتحدة وبريطانيا أعلنتا بعد يوم واحد من تصريحات جعفري، التي لم تعلقا عليها حتى الان، عن وقف مساعداتها للثوار السوريين، وهي مساعدات غير قتالية أصلا، أي ملابس عسكرية وأحذية وأجهزة اتصال، وهي على "بؤسها" تظل مفيدة وخط إمداد ظل الجميع طوال عامين يأملون أن يتسع وتصل من خلاله مساعدات عسكرية يمكن أن تغير واقع الحال لصالح ثورة الشعب السوري. سبب وقف المساعدات هو قيام "الجبهة الإسلامية" بوضع يدها على مخازن المساعدات غير القتالية التي كانت تديرها قيادة أركان "الجيش الحر" التي بدأت تخسر مواقعها على الأرض بوتيرة سريعة مع تقدم الفصائل الإسلامية، في الوقت الذي تعلم فيه الولايات المتحدة أن المملكة وقطر وتركيا شرعت منذ فترة في مساعدة هذه الفصائل – وللأسف من دون تنسيق كبير في ما بينها – وذلك إعترافا منهم بانها باتت القوى الفعالة الأكثر على الأرض، وإنها الوحيدة القادرة عسكريا وعقائديا على وقف تقدم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" و"جبهة النصرة"، التي أخذت تقترب أكثر من القوى الإسلامية المعتدلة.

مصالحات

التصرف الإميركي كشف عن انهيار مكتب التنسيق الذي أسس قبل أكثر من عام في أنطاكية وعمان بين القوى المهتمة بدعم الثورة السورية، وربما يعزز شكوك المملكة حيال النوايا الحقيقية للأميركيين خصوصا في سوريا، ومؤداها أن ثمة صفقة يجب أن تعقد في "جنيف 2" لحل سلمي تدفع به الولايات المتحدة، وتتعاون المملكة وإيران لفرضه على الشعب السوري! فكرة كهذه مضادة للتاريخ ولرغبة الشعب الذي يريد حريته.

عززت ذلك عندي جملة مهمة صرح بها سيد موسيفيان، الأستاذ حاليا بجامعة برنستون والسياسي المقرب من القوى الإصلاحية الصاعدة بقوة في إيران، حينما ألقى كلمته في حوار المنامة بالبحرين قبل أسبوعين بخطابية مشوبة بالثقة والإعتداد بالنفس (أو الإعتداد بإيران) قائلا: "على إيران والسعودية الإعتراف بالنفوذ الطبيعي لكل منهما، ودورهما ومصالحهما في المنطقة، والذي يمتد للإحترام الذي تستحقه كل منهما، وعلي الولايات المتحدة دعم علاقات سعودية – إيرانية خالية من الخلافات".

يفخر موسيفيان كثيرا بصداقته مع السعودية ومعرفته بها ويعتز بأنه كان رسول سلام بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس رفسنجاني في منتصف التسعينيات، وأن تلك الإتصالات كللت بنجاح وحقبة سلام وتعاون سعودي - إيراني امتد حتى عام 2005 بحسب رأيه. سأله صحفيون عرب بعد المحاضرة عما يقصد تحديدا بالنفوذ الطبيعي للبلدين وما إذا كان يقصد أن تتخلى المملكة عن دعم الثورة السورية فتترك سوريا لإيران مقابل ان تترك طهران دولا أخرى تقع ضمن "النفوذ الطبيعي" للمملكة، وهي نظرية أراها مصادمة لتحولات التاريخ وإستقلال الدول والشعوب، وبها قدر كبير من المناخ "الإمبراطوري" الذي لم تعرفه المملكة وإن عاشته إيران لأكثر من 3000 عام.

كانت إجابته مبهمة، وهو فن يبدع فيه المفاوض الإيراني. تحدث عن قوة إيران، وتميزها بثراء وعمق تاريخها بالمقارنة مع دول مجلس التعاون – بحسب قوله – وأن تعداد سكانها (80 مليونا) يعادل ثلاثة أضعاف دول الخليج العربية مجتمعة، مع تميز في مواردها البشرية تعليما وتدريبا وعمالة مؤهلة، وأن نصف مليون منهم يعيشون ويعملون بدولة الإمارات، وأن هناك علاقات عميقة بين ملايين العرب والإيرانيين على ضفتي الخليج، ولها نفوذ في بلدان عربية وإسلامية مثل العراق واليمن والسودان ولبنان وسوريا وفلسطين، وان القوى العسكرية، والخبرات الإيرانية في مجال القوة النووية وصناعة الصواريخ وإكتفائها الذاتي في الصناعات الدفاعية مع إمتدادها الطويل على سواحل الخليج أكثر من أي بلد خليجي اخر، تجعلها لاعبا أساسيا اليوم وفي المستقبل في الخليج والشرق الأوسط وأبعد من ذلك.

انتهي كلامه الذي ترجمته "أتركوا لنا سوريا"، وهو ما لا تستطيع السعودية فعله، فإضافة إلى حق الشعب السوري في الحرية، فإن سوريا إمتداد طبيعي ومكمل للجزيرة العربية التي تمثل السعودية أهم مكون لها، ولو وقعت تحت نفوذ إيراني بعد انتصارها هناك، سيرقى ذلك إلى حالة "الإنتداب" بوجود نظام ضعيف يدين ببقائة لإيران فيعترف بفضلها عليه وحمايتها له، وبالتالي ستكون "سوريا الإيرانية" مهددة للأمن القومي العربي بكامله وليس للسعودية وحدها.

إذا هي المواجهة الكبرى بين "الشقيقتين" السعودية وإيران في ساحة "الشقيقة" سوريا. بعدها، ستجلس الشقيقتان على طاولة المفاوضات والمنتصر منهما سيكتب شروط الصلح.