'سورة الحمد'.. من طرق الارض والسماء

دراسة بحثية

لم يخطر ببال د. نزيه مكي الولوج في عالم الروحانيات الدينية كباحث يغوص في أمهات الكتب الفقهية ودائب الحركة في عملية التقصي والاستنتاج من خلال تفاعله العلمي مع الفقهاء واصحاب الخلفيات المعرفية في الشأن الديني، ببساطة لان هويته الثقافية والعلمية تشي بأن مشروعه أدبي ثقافي بحت بوصفه شاعرا ً وأستاذا ً لمادة الادب في جامعة ميشيغن، بيد أن ما دفعه للتجوال في رحاب عالم الفقه هو مامر به من تجربة حية آثر عرض تفاصيلها عبر سياق البحث ليوصل الى القارئ أهميته لاستنباط العبرة والموعظة الحسنة في كيفية التعاطي مع تجارب روحية من هذا القبيل، حيث حوّل َما وقع عليه من تأثير نفسي جراء تعرضه لشيء من الأّذى الناجم عن تسليط أرواح خبيثة، حوّلها الى درس بليغ يمكن الاستفادة منه، ولكن عبر تزاوج آليات علمية وروحانية أفضت في النهاية الى التخلص من ذلك الأذى أحاطه فترة من الزمن ليخرج بانطباعات ورؤى مهمة.

وفي هذا الصدد اعتمد الباحث د. نزيه مكي على عنصر التشخيص الدقيق الذي قاده الى تحري الحقيقة واكتشاف العلاج الفعال، والمتمثل في "سورة الحمد" أو الفاتحة، كما هو معروف عن أسمائها الاخرى والتي كانت بحق دواءه الاول الشافي الى عبادات أخرى، تلك السورة التي تشكل مفتتح القرآن الكريم، وتستهل الصلاة بها والتي أُدعت فيها كل علوم القرآن باشتمالها على الثناء على الله بما هو أهله وعلى التعبد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الوعد، ولعل ما يحويه القرآن هو تفصيل لسورة "الحمد" او أمّ الكتاب، الشفاء، والوافية، الكافية، وتلك اسماء أخرى لها فضلا ً عن اسم السبع المثاني، لانها واقعة في مطلع التنزيل.

ومن خلال ما استخلصه الباحث د. نزيه من أحكام فقهية فإنه حاول تبيان الاعجاز التربوي والروحي الذي تنطوي عليه "فاتحة الكتاب". وتميز البحث بثرائه العلمي واستفاضته المعرفية وأسلوبه الشيق حيث أفضت لغة الباحث الشعرية، كونه شاعرا، أضفت روحا ًشعرية وشاعرية على سياق النص البحثي الامر الذي خلق نوعا ًمن الانجذاب للقارئ لمعرفة ما ستؤول اليه الامور لاسيما في معرض حديثه عن فصول تجربته والمراحل التي مر بها وهو يجرب الدواء الشافي الكامن في ثنايا سورة "الحمد" والتي دأب على تفكيك معانيها وجملها بهدف تفسير كل جملة وردت في نصها، لذا فهو أجمل الجمل واحدة تلو الاخرى ضمن تسلسلها في بنية النص القرآني الكريم.

ومن الواضح انه توغل في قراءة مصادر مختلفة وعديدة وغنية ليجد المقاربات المطلوبة في كل كلمة وحرف حيث أوضح أن كل حرف وكلمة إنما لها وظيفتها الروحية، مبينا ً أسباب تمظهرها على النسق الموجود، وفي خضم معاناته مع الارواح الخبيثة التي تعرض لها كان د. نزيه دائم البحث عن كل ما من شأنه تقوية مناعته الأمر الذي أعطاه دفقا ً جديدا ًفي التصدي لغواية الارواح الخبيثة التي حاولت أن تزعزع ثوابته الايمانية ولكن شعلة إيمانه ظلت متقدة وهي تصارع الوسواس.

ولم يقتصر البحث على أهمية سورة "الحمد" لما تحمله من فضل روحاني كبير على قارئها من خلال تجربة عملية ورؤية فقهية انطلقت من الكتاب وماورد على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وماذكره آل البيت عليهم السلام، بل تضمن البحث تجارب او مواقف شبيهة لما مر به د. نزيه مكي وقد سيقت كأمثلة واقعية مرت بحياة أناس في جغرافيات مختلفة من هذا العالم.

ويبقى لهذا البحث أهميته لأنه انبثق من رحم تجربة حياتية صعبة أراد الباحث أن يخضعها لسياقات العلم الفقهي والمنطق ليستنتج مخرجاتها المنطقية كي يستفيد منها القارئ ويعزز مفاهيمه التربوية والروحية والدينية ضمن معالجة روعيت فيها معايير الدراسة البحثية ضمن نظام المحاور الذي عرض مضامين السورة الكريمة، معززا ً الطرح العلمي بالنصوص التي تسند الطرح الوارد في سياق العرض.

ويشار إلى ان الكتاب صدر عن دار المحجة البيضاء في بيروت، ويقع في 216 صفحة من القطع الكبير، وامتاز بحلة جميلة تحمل دلالات من مضمون البحث.

قاسم ماضي ـ ديترويت (الولايات المتحدة الأميركية)