سوبر ماركت القنابل النووية

بقلم: عصام البغدادي

لايبدو ان الازمة الكورية التى مضى عليها حوالي عام تتجه نحو افاق مرنة. فالكوريون لايزالون عند اعتقادهم بان الولايات المتحدة تخطط لغزو بلدهم واسقاط نظامهم السياسي. والعرض الذي قدمه جورج بوش في ملتقى قادة دول ايبك (18-21 اكتوبر/تشرين الاول 2003) في العاصمة التايلندية بانكوك بان الولايات المتحدة مستعدة لتقديم ضمانات خطية بشان عدم مهاجمة كوريا الشمالية مقابل تنازل الاخيرة عن برامجها النووية كان يبدو ردا علىتجربة اطلاق بيونغ يانغ لاحد صواريخها الجديدة في فترة انعقاد الملتقى وهو العرض الذي لم يحمل على محمل الجد من قبل الكوريين الذين بادرت وسائل اعلامهم بالاستهزاء منه ووسمته بانه مجرد قصاصة ورق بيضاء مضحكة. فيما علقت محطة الاذاعة المركزية الكورية بقولها "اذا كانت الولايات المتحدة مخلصة في حل المسالة النووية سلميا واستمرار مباحثات الدول الستة فان عليها ان تسقط سياستها ضد جمهورية كوريا وتعبر عن رغبتها بتوقيع معاهدة عدم اعتداء معها".
الكوريون الشماليون يصرون على ابرام معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة وهذا مطلبهم الاساسى في مفاوضات الدول الستة المعلقة منذ شهر اغسطس/اب الماضي.
في سياق الموقف الأمريكي المعادي لأي تطور علمي وتقني خارج حدود ومعرفة الولايات المتحدة، بدأ صراع نووي جديد بينها وبين كوريا الشمالية التي أعلنت برنامجها النووي. والولايات المتحدة تؤكد بذلك أنها ستمنع أي دولة في العالم من بلوغ مستوى تفوقها الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي الهائل وتجريد هذه الدول من القدرة العلمية على إنتاج الأسلحة وتطويرها.
في 29 يناير/كانون الثاني 2002 وضعت الإدارة الأمريكية كلا من العراق، كوريا الشمالية، وإيران في قائمة دول الشر لكونها دولا تقوم بتطوير أسلحة نووية على الرغم من أن أمريكا هي أكبر منتج وبائع في العالم لأسلحة الدمار الشامل، وانها تستخدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية أداة لتوجيه سياستها في منع قيام أي دولة في العالم من ممارسة حقها العلمي والتكنولوجي فيما يتعلق بالطاقة النووية وبجانب دعمها الكامل والمطلق لبرنامج دولة اسرائيل ( البرنامج النووي الرابع في العالم) من هذه الممانعة واستثنائه من كافة الشرائع الدولية المتعلقة بالشأن النووي. إن الإدارة الأمريكية تطلب من كوريا الشمالية أن تتخلص من الأسلحة النووية واعتبرت قرارها الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بمثابة إعلان حرب، وقد ردت كوريا على ذلك قائلة "إن الجيش والشعب لن يفوتا فرصة جعلها تدفع ثمن الدم المسفوك وتحويل معقل العدو إلى بحر من النيران." ومع ذلك فإن في موقف الإدارة الأمريكية اعتبارات مختلفة مع كل من كوريا الشمالية والعراق وتمثلت هذه الاعتبارات في:
1 - بالرغم من أن الولايات المتحدة قد وضعت كل من العراق وكوريا الشمالية في قائمة الشر فإن أمريكا تعاملت معهما بلهجة وأسلوب مختلفين تماما. فمع تشابه الحجج التي تستخدم ضدهما، فإن هذه الإدارة قد بدأت التفاوض مع كوريا الشمالية للتوصل إلى حل سياسي في حين أن التفاوض مع العراق انتهى بالخيار العسكري الذى اثبت للعالم كله ان موضوعة السلاح النووي ليست الا مجرد مبرر للذهاب بعيدا في احتلال العراق عسكريا وعجز الادارة الاميركية بكل ما استخدمته من وسائل خلال ثلاثة عشر عاما باستغلال الامم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة لاثبات ان للعراق برنامجا نوويا يهدد العالم خلال خمسة واربعين دقيقة كما ادعى تونى بلير.

2 - تأكد لدى الإدارة الأمريكية أن القدرة النووية الكورية موجودة، وقد أعلنت كوريا الشمالية في عز الأزمة العراقية سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية في انتهاك صارخ للاتفاقيات الدولية، وأعلنت انسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي، في حين أن العراق قد نفى امتلاكه مثل تلك الأسلحة وقد أكدت ذلك جهود المفتشين الدوليين الذين لم يؤكدوا يوما ان العراق قادر على إنتاج القنابل النووية رغم كل الضغوط التى مارستها الولايات المتحدة عليهم.

3 - قبول العراق قرارات مجلس الأمن الصادرة ضده وعودة المفتشين الدوليين، حيث قامت بغداد بفتح جميع مواقعها وجعلها مشرعة أمام مفتشي الأمم المتحدة، كما دعت عناصر المخابرات المركزية الأمريكية الى التحقق والتأكد من سلامة الموقف العراقي. في حين طردت كوريا الشمالية المفتشين الدوليين القلائل الذين نادرا ما يزورون بيونغ يانغ.

4 - إن كوريا قد استغلت المناخ الدولي المركز على العراق ومنطقتي الخليج العربي والشرق الأوسط لطرح قضيتها من أجل استدراج مساعدات تحتاج إليها لاقتصادها المتهاوي. إلا أن الإدارة الأمريكية قد أججت هذه الأزمة لتزيد من مخاوف الكوريين ووساوسهم مستغلة استعدادتها قبل الهجوم على العراق.

5 - إن الجيش العراقي خلال الفترة من 1980-1992 قد شهد عوامل ضعفه وانهياره التدريجى لعجز نظام صدام حسين من بناء جيش عصري محترف غايته الاساسية الدفاع عن العراق وان كل ما صرف على الجيش قد ثبت عدم جدواه بسبب تركيزه على البناء الايدليوجي البعثي والصدامي، بينما الجيش الكوري الشمالي ييبلغ تعداده مليون جندي مقاتل غير منهك وغير فاقد للفئة العمرية القادرة على القتال إضافة إلى امتلاك كوريا القدرات النووية والبيولوجية والكيماوية وترسانة من الصواريخ التي هي قريبة جدا من مرمى الأراضي اليابانية المقابلة لها كما أثبتت ذلك تجاربها الناجحة عام 1998م.

6 - تتمثل ثروة كوريا الشمالية البالغة مساحتها 121 الف كيلومتر وعدد سكانها 22مليون نسمة ومعدل النمو السكاني 1% تقريبا فيما تمتلكه من الصواريخ ولا تملك مصدرا آخر للرزق أو ثروة يمكن الاستفادة منها من أجل السيطرة عليها أو تغيير النظام السياسي فيها. في المقابل يشكل النفط العراقي دافعا ومصدر جذب بالنسبة إلى الأمريكيين الذين يلهثون خلفه. وعليه، فإن ما يحدث للعراق وكوريا الشمالية مع الولايات المتحدة يمثل سطوة قانون القوة لصالح افتقار منطق قوة الحكمة والتعقل، وذلك منذ أن وضعت واشنطن وآلياتها بديلا للشرعية الدولية، وبدأت تطبيق مبادىء الشرعية الدولية انتقائيا من منظار المصلحة الأمريكية في المنطقتين العربية والإسلامية. ونتساءل: لماذا تتجنب الإدارة الأمريكية حدوث أزمة سياسية مع كوريا الشمالية ولم تتجنب حربا عسكرية مع العراق؟ كيف يستقيم الوضع في كوريا بالتفاوض السياسي ولا يستقيم في العراق إلا بالحرب؟ وكيف يكون للاستقرار الكوري الأولوية في السياسة الأمريكية والاضطراب والفوضى آلية ضرورية لإدارة امنطقة العراق والشرق الاوسط؟
اما على الجانب الايراني فقد استطاعت ايران ان تقدم تنازلا عمليا فيما اذا تفذت مسألة تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم بعد ان قدمت تقريرا حديثا عن تجاوزاتها الامنية في مسالة المفاعلات النووية لكن الولايات المتحدة لا تزال تتحدث عن شكوكها وتحاول الضغط اكثر رغم عدم تقديمها ادلة واضحة بشان اتهاماتها لايران. ايران غير راغبة البتة ان تدخل في صراع غير متوازن مع الولايات المتحدة والغرب بعد الدرس العراقي بشأن ذريعة البحث عن الاسلحة النووية ومصادرتها ولكن ايران التى لن تكرر تجربة صدام حسين في تعامله مع الملف النووي فهى غير قادرة على الارتقاء للموقف الكوري الشمالي لاسباب عديدة .

أن دوران العجلة العلمية وتطورها في دول الغرب وامريكا بخطوات سريعة بدءا من مطلع الخمسينات دفع الدول للدخول في سباق سريع ومثير لامتلاك السلاح النووي خاصة انه تم تجربته خلال الحرب العالمية الثانية من قبل الامريكيين ضد الشعب اليابانى مما دفع دولا مثل فرنسا والاتحاد السوفياتى السابق لامتلاكه كجزء من فلسفة سياسة الردع والتسلح التى ظهرت خلال حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقى والغربي وكان هذه الفلسفة السياسة الاستراتجية تعرف بمبدأ توازن القوى العسكرية بين المعسكريين خاصة ان الاتحاد السوفياتى كان يواجه التقدم العلمى الهائل في امريكا واوروبا، أي ان منظومة الدول الاشتراكية الشرقية كان لابد لها ان تكون بكفة مساوية لبرامج التسلح الغربي انذاك واذا تمت مقارنة مجمل الدخل القومي لتلك الدول التى اصبحت تشكل مايعرف بالنادي وهم اعضاء مجلس الامن الخمسة الذين يتمتع كل منهم بحق النقض مقارنة بتكاليف انتاج السلاح النووي فانها تبدو لاشىء البتة.

وحاولت بعض الدول الاخرى مثل الهند والباكستان ان تحقق نتائج متقدمة في الحصول على السلاح النووي بعد ان دخلت سباق التطور العلمي مستغلة الحقيقة ان الغاية من بحوث الذرة وتطويرها ليس هو الهدف لامتلاك سلاح نووي انما كجزء من بحوث فيزياوية شاملة تقع ضمن استخدامات الذرة التى يمكن ان تدخل في مجالات الاستخدام السلمي الواسعة في الطب والزراعة وانتاج الطاقة الكهربية لشتى الاغراض لكن العملية الفنية لمثل هذه الابحاث والمشاريع ينتج منها ايضا امكانية انتاج السلاح النووي انها بالضبط مثل انشاءك معملا لبعض الصناعات المعدنية الثقيلة فاذا تجد نفسك تنتج من ضمن العملية الصناعية سكاكين وسيوف ونصال من النفايات الناتجة فلم يكن بالاساس تصميمك للمعمل تصميما لانتاج هذه الاسلحة.
لقد ادركت كوريا انها لايمكنها الركون الى المتغيرات الدولية التى قد تطيح بنظامها كما حصل في اوربا الشرقية بعد انهيار جدار برلين وادركت ان المعاهدات بين الدول الكبرى لاتحسب اي حساب لموضوع الامن الاقليمى لاي دولة صغيرة مالم تقم تلك الدولة بتوفير مستلزمات امنها فلها حدود مع الصين تبلغ حوالى 1416 كيلومتر ومع نصفها الجنوبي 238 كيلومتر وحدود قصيرة مع روسيا تبلغ 19 كيلومتر فقط.
الكوريون ليسوا مولعين بانتاج القنابل الذرية فلا سوق هناك لتصدير مثل هذه البضاعة التى صارت محرمة على ان يعبث بها الصغار بعد قمة ريغن –غاربوتشوف في 10 اكتوبر/تشرين الاول 1986 في ريكافيك ولاتوجد هناك اسواق ترحب بمثل هذه البضاعة التى صار ينظر لها على انها قرينة بالارهاب الدولي بفعل الاجراءات الاميركية ضد من يحاول امتلاكها. ولايمكن بيع مثل هذه البضاعة في سوبر ماركت. لكن من الضروري الاخذ بالاعتبار التجربة التاريخية التى مروا بها بعد قيام كوريا الشمالية في 8 سبتمبر/ايلول 1948 ثم دخول القوات الاميركية كوريا في عام 1950 وما تبعها من تدخل صيني والحرب الفيتنامية الفرنسية عام 1954. ولقد حالت مصالح الدول الكبرى دون اعادة توحيد النصفين الشمالى والجنوبي وقيام نظاميين مختلفيين سياسيا واقتصاديا فالولايات المتحدة التى خرجت من حربها في فيتنام حرصت على اقامة النماذج الاقتصادية والسياسية في الدول التى تحالفت معها واعادت تشكيل عجلة الاقتصاد في كوريا الجنوبية –ويعتبر افضل اقتصاد حاليا في دول شرق اسيا علما بان سكان كورية الجنوبية يبلغ ضعف سكان العراق ومساحة ارضهم ربع مساحة العراق ولايمتلكون النفط الذى يمتلكه العراق- كما ساهمت الولايات المتحدة باقامة النموذج الراسمالي الاخر المختلف في مملكة تايلند المحاطة باربعة دول ماركسية العقيدة هشة الاقتصاد في حين بقت كوريا الشمالية ترتبط بعلاقات وثيقة مع كل من الصين والاتحاد السوفياتى المنهار وبقيت ارضا مغرية لاقامة مشاريع اقتصادية يتطلع الغرب لاستثمارها وانتزاعها من عقيدتها الاقتصادية الى اقتصاد السوق الحر.
نأخذ بعين الاعتبار ان تلك السنوات الستة والعشرين الممتدة بين ضربات نيكتا خرتشوف منصة الامم المتحدة بحذائه وبين لقاء ريكافيك لم تكن سنوات مليئة بالعدوانية بين الروس والاميركيين بل هناك جوانب من البحوث الاكاديمية ابتداءت منذ مطلع السبعينات اسفرت عن اتفاق 30 سبتمبر/ايلول 1971 بالعمل على منع نشوب الحرب بين البلدين بطريقة الخطأ ثم بدوا في 25 سبتمبر /ايلول عام 1973 بمباحثات حول الحد من انتاج الاسلحة النووية ثم محاورات مؤوسساتية تركزت على محور واحد هو كيفية اعادة ترتيب الخارطة الاوربية للعودة بها الى ماقبل النتائج التى افرزتها الحربين العالميتين الاولى والثانية والفترة القصيرة بينهما والبالغة عقدين من الزمن مما دفع الى قبول كلا نصفى المانيا الشرقي والغربي في عضوية الامم المتحدة عام 1973. فقد كان الهاجس الروسي في تلك الحقبة قبل ثلاثين عاما هو الخوف من نهوض المانيا الموحدة مرة اخرى وتبادل الاكاديمين في كلا الطرفين. وهنا طرح الروس السؤال التقليدي: ما الذي يمنع قيام المانيا بشن حرب ثالثة على روسيا.. فجاء الجواب السريع ان احدى الدولتين روسيا او المانيا لابد ان تكون عضوا في حلف شمال الاطلسى لتفادي اي حرب في القارة الاوربية. وقادت هذه الخطوات ان تقبل روسيا الحالية بوقف تجاربها وبرامجها النووية التي ستحتاج اعتماداتها للاستثمار في مشاريع تنموية اخرى.
وعلينا ان لا ننسى فلسفة كسينجر ابان عضويته في الادارة الاميركية بالتشجيع على تطوير وامتلاك الاسلحة الذرية التكتكية وتوافق مع نظرة بريجنسكي بان قصف موسكو بقنبلة نووية لن يمنع دبابة روسية من التقدم عبر الاراضى الالمانية وانتقلت العقيدة الاميركية العسكرية حاليا للاخذ بهذه النظرية.
فرنسا من جانبها كدولة نووية تتجه الى استنباط عقيدة جديدة للردع النووي كما جاء في مقالة صحيفة ليبراسيون "المجانيين+ المستهدفون بالقوة النووية الفرنسية " رغم ان الرئاسة الفرنسية تؤكد عل البقاء على العقيدة الديغولية وتكشف الصحيفة ان العقيدة الجديدة ستدخل موضع التنفيذ في مطلع عام2004 مع انتاج غواصة رابعة قاذفة للصواؤيخ تتمكن من اصابة اسيا.
الكوريون يفهمون الامور بحكم العلاقة الوطيدة التى ربطتهم بالاتحاد السوفياتي السابق وبالصين لهذا بدوا برامجهم بشكل مبكر واقاموا ترسانة لايستهان بها من الصواريخ للدفاع عن نصفهم الشمالي الذين يخافون انهياره ايضا كنتيجة لمتغيرات دولية يكون فيها نظامهم المتسم بالجمود كبش الفداء.
كوريا الجنوبية البالغة مساحتها 98 الف كيلومتر وعدد سكانها 48 مليون نسمة ومعدل نموها السكانى حوالى 0.5 بالمائة من جانبها ليست مستعدة للتفريط بمنجزاتها الاقتصادية وهدر مواردها المزدهرة في حرب تخوضها لاجل اسقاط النظام الشمالي او التوحد مع الدولة الاضعف رغم الحس الوطني الذي يدفعهم لكي يروا دولتهم موحدة مرة اخرى.
لكن مصالح الدول الكبرى ومواقفها القائمة حاليا على العوامل الاقتصادية لا تعرف ولا تاخد بعين الاعتبار العوامل الوطنية الخاصة بالشعب الكوري في شماله وجنوبه ولااحد يعلم اي نصف سوف يسقط في احضان النصف الاخر.
عصام البغدادي
كاتب عراقي مقيم في تايلاند
مدير تحرير المجلة العلمية العراقية www.iraqisciencejournal.com