سهل نينوى... محنة المسيحيين مع التغيير السُّكاني

ليس لدي عِلم متى ظهرت تسمية «سهل نينوى»، غير أنها أخذت تتداول بعد أبريل 2003، وظهور مطالبات أهل الأديان والمذاهب والأقوام، كلاً على حِدة، على أرض وسماء اسمها العِراق، حتى تحول هذا الاسم إلى غول في نظر العَالم، فأخذ الإعلام الغربي، على وجه الخصوص، يتحدث عن جزر وقلاع متحاربة، فرسّخ في الأذهان أن مظالم الطوائف جاءت بفعل طائفة محددة ينتمي إليها الحاكم، مِن دون النظر لمَن قـُتل وهاجر فاراً بنفسه مِن هذه الطائفة. أقول هذا كي لا يتكرر الخِطاب السَّابق في قضية حرجة مثلما يحصل بمدن وقرى سهل نينوى مِن إزاحة مخططة لسكانه الأُصلاء، واعتبار ما يحدث مِن فعل طائفة لا مِن فعل ساسة.

حضر معنا إلى مؤتمر «أصدقاء برطلة» ممثلاً عن البرلمان الأوروبي، لكن هذا الرَّجل لم يبتعد عن خطاب الغرب قبل اجتياح بغداد، تحدث بحقوق ما سماهم بالأقليات وهو القاضي فيها، من أديان ومذاهب وأضاف إليها اللون أيضاً، وكأننا نعيش الحرب العنصرية بجنوب أفريقيا أو بأميركا يوم كان السُّود يناضلون مِن أجل ركوب الباص ودخول المدرسة. وجدت الرجل مندفعاً بخطاب يزيد العقدة تعقيداً. أقول: لو كفوا عنا فما أرادوه قد تحقق، حتى صار العِراق لهم بيت عنكبوت! لا أتهم الرجل لكنه عندما يتحدث عن اضطهاد على أساس اللَّون داخل العِراق يسفه مشكلة سهل نينوى، ويقلل مِن مخاطر ما يحدث ببرطلة.

لم يكن الغربيون بعيدين عن محنة مسيحيينا، ذلك إذا علمنا بإعطائهم الوعد لهم بكيان خاص ثم النكوث، عندما أعلنوا عن أنفسهم محررين لا فاتحين (احتلال بغداد 1917)، والبداية كانت بسيميل (7 آب 1933)، ومعناها التلول الثلاثة وقيل البيوت، فبعد مجزرتها في التاريخ المذكور، قبيل وفاة الملك فيصل الأول، نزح مَن نزح إلى سهل نينوى.

قال رئيس الوزراء الأسبق ناجي شوكت (ت 1980) عما حصل بسيميل، يوم كانت تابعة للموصل: «كان الملك فيصل قد غادر العراق إلى لندن في الخامس من حزيران (1933)، تلبية لزيارة رسمية، وجهها إليه ملك بريطانيا، وفي أثناء غيابه حدثت حادثة الآثوريين الشهيرة، واضطرته للعودة إلى العراق في الثامن من آب». ونقل رئيس الوزراء أن الملك قال له بعد قطع زيارته: «أبقيت ولدي غازي وهو شاب لم تصقله التجارب، كما أن الوزراء الذين بقوا في بغداد لم يقدروا الوضع الدولي، فتصرفوا متأثرين بنوازع دينية وقومية» (سيرة وذكريات ثمانين عاماً).

بعد أربعين عاماً عاد البطريرك مار شمعون (اغتيل 1975)، المتصدر للمطالبة بدولة للآثوريين بعد إبعاده وإسقاط الجنسية عنه، إلى العراق في إبريل 1970، وحينها أصدرت وزارة الداخلية العراقية أمراً يفيد «بإعادة الكنائس المستولى عليها وتسليمها إلى الكنيسة الشرقية» (العاني، الموسوعة العراقية الحديثة). لو ظل النظام السابق على سياسته تلك، في دمل جروح ما حصل سابقاً، ومع الطوائف كافة، لما احتجنا اليوم إلى مطالبات جديدة، وكأن سُيميل تعود مِن جديد.

لكن ما حصل، أن لجأ إلى التلاعب بالتركيب السُّكاني، في عقد الثمانينيات، ولم تسلم حتى برطلة مِن إطفاء أراضٍ وتسكين عسكريين عليها، وتبديل قرى بقرى على أساس الإزاحة القومية والدينية. حينها، أي بُعيد سيميل، أخذت الكتابات ضد الآثوريين، أنهم نزحوا إلى العراق خلال الحرب العالمية الأولى، لكن ما نعلمه أن اسم "آثور" كمكان ورد عند ابن رسته (ت نحو 300 هـ)، والمسعودي (ت 346 هـ)، «السَّواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب، وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل القريتان...» (التنبيه والإشراف، الأعلاق النَّفيسة). لا ننفي معلومة قدوم آثوريين، ليس جميعهم بالتأكيد، مِن دول الجوار بسبب الحروب والاضطهادات التركية في زمن الاتحاديين (1914)، لكن لا سهل نينوى ولا بقية العِراق كان خالياً مِن المسيحيين، وأول كنيسة يعود تاريخها إلى القرن الأول اكتشفت بالمدائن، وفي هذا السَّهل بالذات تعلو في وديانه أديرة يعود تاريخها إلى قبل الإسلام.

تتلخص قضية سهل نينوى بنزوح قرى مِن الشَّبك الشِّيعة -هناك شبكيون شافعيون- الذين ما زالوا منقسمين بين أن يكونوا كرداً أو قومية مستقلة، إلى المناطق المسيحية. فأولئك تركوا قراهم وأقاموا ببرطلة، فتقدم الوقف الشِّيعي وعلق لافتة تشير إلى أملاكه هناك، وفتح مركز إسلامي تتصدره صور لرموز دينية سياسية، وأعلام سود وخضر. أحسب هناك أمراً ممنهجاً خارج إرادة الشَّبك الشِّيعة أنفسهم، وهو أن تـُـفجر مناطقهم فينزحون إلى برطلة وأخواتها، وتدريجياً يؤلفون أكثرية. هناك أموال سخية تدفع لشراء الأرض، وترى القلق بائناً على وجوه القسيسين والرُّهبان.

يجري تحايل لتنفيذ هذه الإزاحة، يتحدث به أهل برطلة، وهو أن يأتي بالمرأة المقبلة على الولادة لتلد في مستشفيات هذه المناطق فيسجل مسقط رأس الوليد المنطقة المسيحية، فيكون له الحق بتملك أرض عند توزيعها. كذلك يجري ما يُعرف بإطفاء الأراضي، أي وقف التصرف بها، ثم توزعيها على حساب حق المسيحيين بأرضهم. قدم أهل بُرطلة أوراقاً تثبت تلك الألاعيب، وما رأيناه مِن تمسك بمناطقهم، وما يحز ذلك في نفوسهم التي اعتادت على التسامح، أنهم يخشون مِن سيميل ثانية، تنفذ عبر التغيير السكاني، لأغراض سياسية فيها يد خارجية!

يقول ياقوت الحموي (ت 626 هـ) في بُرطله أو بُرطلّي: «قرية كالمدينة في شرق دجلة الوصل مِن أعمال نينوى، كثيرة الخيرات والأسواق والبيع والشِّراء (أحسبه يقصد بالبيع الكنائس والنَّاسخون أدخلوا الشِّراء في النَّص فكثرة الأسواق تعبر ضمناً عن التجارة). يبلغ دخلها عشرين ألف دينار حمراء، والغالب على أهلها النصرانية، وبها جامع للمسلمين وأقوام من أهل العِبادة والتزهد، ولهم بُقول وخس جيد يضرب به المثل، وشربهم مِن الآبار» (معجم البلدان).

أقول: لم يمتنع الناس مِن الاختلاط ومجاورة المئذنة للنَّاقوس، وكم مِن قرية يُسمع فيها النداءان بلا ضجة، لكن عندما تنفذ الإزاحة على أساس الدِّين بفعل سياسي، واضح مِن الرايات المرفوعة والشعارات المنقوشة على حيطان الكنائس، يقلق الساكنين إلى حد الفزع مما يُخطط لهم! أوقفوا اللعبة واتركوا سهل نينوى على ما كان، فلا يعلو الإسلام ولا يفخر الحسين بمكائد إزاحة قوم أُصلاء مِن أرضهم. تتحدثون عن إساءات النظام السَّابق فلماذا تمارسون أضعاف أضعافها؟!