'سهراية الليل': الإبداع الشعبي مكشوف الوجه

يضرب عرض الحائط بالخجل البرجوازي

يفتتح الشاعر والباحث د. فارس خضر كتابه الجديد الصادر فى سلسلة الثقافة الشعبية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان "سهراية الليل – مائة حكاية شعبية من واحة الداخلة" مؤكدا أن ثمة مفتاحا غائبا يحول دون أبناء الجوع والوصول إلى أحلامهم، تلك الأحلام المتاحة في حكايات الليالى، والممنوحة بمجانية للحالمين في القرى والنجوع البعيدة.

إنه مفتاح متوهم، غيَّبه الفقر وقلة الحيلة وميراث القهر، وربما سرقته أنظمة الاستبداد، ومنعته عمن يستحقونه، لكنه يظل موجودا فى المخيلة الشعبية كدليل على تلك السعادة المخبوءة، الممتنعة أو المتمنعة. فهذا المفتاح الغائب يفصل بين عالمين؛ الأول: العالم الحكائي الرحيب، الزاخر بالرضا، الفاتن والعجائبي، ذلك العالم الذي يعيد خلق الحياة بالصورة التي ترضى أحلامه وتطلعاته. والثانى: هذا العالم الواقعى بقسوته وجلافته، وبقدمه الثقيلة المُجْهِضَة للأحلام، والقاتلة للأشواق والآمال.

ويضيف "هكذا يدخل الشعبيون إلى الحكاية مدفوعين برغبة دفينة في امتلاك العالم عن طريق الحكي، وإعادة تشكيله بطريقة جديدة تتفق وطموحاتهم، ثم يخرجون مشبعين بكثير من المتعة الوجدانية، ومنتبهين إلى صوت الراوى، وهو يعيدهم إلى العالم الواقعي بتوتر من فَقَدَ مفتاحًا، يفضي بابه إلى "السعادة"..! لهذا لا أجدنى مفارقًا للحقيقة، لو مررت مرور الكرام على سمات فارقة للأنماط المتباينة للحكاية الشعبية، وقلت بتعسف وبتأويل مفرط: إن كل الحكايات تسعى إلى أن يمتلك أبناء الجماعة الشعبية ـ بأخيلتهم ـ ذلك المفتاح الضائع".

ويرى فارس خضر أن الوظائف المباشرة التي تقوم بها الحكاية الشعبية ما هي إلا حلقة ضمن سلسلة من الآليات الفنية الحكائية والأدائية للراوي، تتضافر جميعها لتبلور تلك الحكمة الدفينة؛ حكمة الأقدمين الذين أنهكتهم أحلام السعادة المؤجلة، فقرروا الحصول عليها ولو بهذه الصورة الفنية الممتعة. ولنتأمل النهايات المضمونية للحكاية الشعبية على تنوع أشكالها وأنماطها ولسوف نجدها جميعا تصب في هدف واحد هو منح المتلقى بعضًا من الرضا بالواقع، أو بمعنى أدق بعضا من السعادة. ومع هذا فلا يمكن أن ننكر دور تلك الوظائف المباشرة للحكاية الشعبية، وأهدافها التعليمية في الغالب الأعم، سواءً كانت هذه الوظائف (إشباعية)، بما تحدثه من تأثير انفعالى لدى جمهور المتلقين، وتجعلهم يتوحدون مع بطل الحكاية فيسقطون مواقفه على أنفسهم، ليخرجوا في النهاية بحالة من الإشباع لرغباتهم الدفينة، أو كانت وظائف (هروبية)، يتحلل فيها المتلقون من وطأة الواقع المعيش، أو كانت وظائف (تعويضية)، تكمل الحكاية خلالها النواقص التي تعتري الواقع. فضلا عن الوظيفة الأهم للحكاية الشعبية وهي التأكيد على المعتقدات الموروثة لدى الجماعة، وإعادة بثها للأجيال الجديدة".

ويوضح "ليس أقسى في المجتمعات المغلقة من أسيجة العادات والأعراف والموروثات، ذلك لأنها أسيجة تتغذى من رافد دفين في العقلية الشعبية، نطلق عليه اسم (المعتقدات)، وكلما قلت مدنية هذا المجتمع أمعن في قسوته، وغالى في قيوده، وتابوهاته، حتى ليصير مجرد الخروج الهين عليها جرمًا، ربما كان عقابُه طرد المجترئ خارج حدود الجماعة. وكلما تعاظمت قوى التحريم ازدادت مساحات الانسحاب والقهر في هذه المجتمعات، لتترسخ منظومة المداراة والستر والتغطية، تلك المنظومة التي تكبت رغبات أفرادها عمدا وتقتل نزعاتهم بلا رحمة، لأن ثمة يقينا بأن هذه النزعات تتناقض ومفاهيمها الأخلاقية، بل وتخرج بما لا يتحمله سقف حرياتها الواطئ عن قواعد التحريم المجتمعية السائدة.

لهذا لا يقدر على المجاهرة بأشواقه وتطلعاته سوى أبناء الجماعة الشعبية؛ الزاعقون برغباتهم فى كل مناسبة، المتحللون من التأنق والزيف. فالمتطهرون يستيقظون كل يوم بشعور المذنب، المرتكب لخطيئة لا يعرف كنهها، ذلك لأنهم يخشون مجابهة فتنة الحياة، بينما أبناء الجماعة الشعبية يحتفلون بهذه الحياة وبهجتها فينتصرون لها، ولهذا يكره المتعصبون كل ما يمت للمأثور الشعبي بصلة، فيحقرون ممارسيه ويُتَفِهُون حكاياته وأغانيه، ويمنعون عاداته المتوارثة، بالقوة لو لزم الأمر.

لهذا يقف هؤلاء الماضويون موقفًا عدائيًا تجاه المأثور الشعبي، لأنه نصير البهجة، وابن الحيلة والتحايل، في مواجهة كل صنوف القهر التي مورست على مبدعيه من جانب الطبقات الأعلى، وخدمهم من أصحاب اليقين المطلق، المحصورين بين حزبين: حزب الله وحزب الشيطان، وبين لونين: الأبيض والأسود، بينما الحياة تموج بآلاف الخيارات المفتوحة".

ويضيف أنه من هنا "يأتى الإبداع الشعبى بوجهه المكشوف ليجهر بالنزعات والرغبات المكبوتة، ويضرب عرض الحائط بالخجل البرجوازى المقيت، مما يسبب حرجًا للقوانين المجتمعية الصارمة، فيهتك هذا الإبداع أستار المجتمع المغلق على جروحه، بل ويمزقها تماما، كما تفعل الحكاية الشعبية التي وإن كانت معنية أكثر بترسيخ منظومة المعتقدات والقيم الموروثة لدى الأجيال الجديدة، إلا أنها تتجاوز حدود التابوهات، خاصة في الحكايات المرحة وحكايات المقالب والحيل. بل إنها تفضح المسكوت عنه في كثير من المجتمعات المغلقة. كأن نجد حكاية شعبية منتشرة في مختلف الأقاليم المصرية تتصدى بقسوة لزنا المحارم، هذه القضية المخجلة والجارحة لدرجة تجعل ضحاياها أحرص على مداراتها من غيرهم.

غير أن هذه الحكاية تحكى عن بنت صغيرة أراد أبوها معاشرتها، فاختبأت منه أعلى نخلة، وكلما أرادت النزول قالت: (يا نخلة اقصرى/ حتى تبقى زي صابعي الخنصري)، فتقصر النخلة لتنزل عنها البنت الهاربة الفزعة، وإن أرادت الاختباء اعتلتها مرة ثانية فتكبر النخلة في التو واللحظة. ويكون عقاب الأب فى نهاية الحكاية الموت حرقًا".

ويشير فارس خضر إلى أن المبدع الشعبى قرر أن يقيم بمخيلته عالمًا عادلا ليعوضه عن الظلم والقهر والمعاناة التى يلاقيها في واقعه المعيش، فعُقْلة الأصبع المستهان به والمحتقر من إخوته يأتي لوالديه في النهاية بخيرات الدنيا، والبنت الطيبة القلب القبيحة المنظر تتوهج بالنور وتتزوج ابن السلطان، بينما يتزوج الأخ الشرير الغيور من كلبة.

ولننظر إلى النهاية العادلة لحكاية من أشهر الحكايات الشعبية في الريف المصرى كله، حكاية أمنا الغولة، أو بمعنى أدق حكايات أمنا الغولة، فالبنت الطيبة تحوز الذهب والفلوس والبياض ثم تتزوج ابن السلطان، في حين تنال أختها الشريرة وأمها عقابهما. إنه العدل المفتقد، يتحقق فنيًا عبر هذا الموروث الحكائي الزاخر؛ الطيبون فيه يحصلون على ما يستحقونه من المتع، والأشرار يعاقبون على جرائمهم".

ويؤكد أن هذا المأثور الشفاهي، الذي ينتصر للقيم الإنسانية النبيلة، يمتع ويعلِّم ويدهش ويعري ويفضح ويواجه الخطر ويصلح الحياة دون جهامًة ودون ادعاء بامتلاك الحقيقة، فيما ينظر محدودو الخيال، المتطهرون المغمورون بالخوف، خشية ارتكاب الأخطاء والتعرض لتأنيب المجتمع، ينظر هؤلاء إلى الرحلة الحياتية بوصفها بروفة أولى لعرض مسرحي سيحضرونه فيما بعد".

يقدم الكتاب في فصله الأول مائة حكاية من واحة الداخلة، دون تصنيف متعمد، باستثناء بعض عناوين الحكايات القريبة الشبه ببعضها البعض، حيث يترك المؤلف القارئ حرًا من الرؤى المقيدة ـ بفتح الياء وكسرها أيضاـ لافتا انتباهه إلى أنه سيجد ضمن هذه الحكايات الشعبية المروية شفاهةً، حكايات متصلة بالأماكن المرصودة والسحرية.

بينما يقدم الفصل الثاني في جزئه الأول: بعض السمات البارزة والتي لا تخطئها العين في هذه الحكايات، فيما يقدم الجزء الثاني تصنيفًا مقترحًا يعتمد على النهايات المضمونية السعيدة لهذه الحكايات.

ومن حكايات الكتاب: سراية وطاحونة، أحمد الغول، عصفور وجرادة، ابن السمكة، عروسة البحر، تلات أخوات، لعب الشيطان، دعوة مظلوم، رز مع الملايكة، بين السما والأرض أغنية القمرية، وغيرها العديد من الحكايات الشعبية.