سهام الرئيس بن علي إذ تصيب من أهدافها مقتلا

بقلم: علي الصراف
مناهضة العنف والعنصرية معا

لم يقدم زعيم عربي نقدا لثقافة العنف والتمييز العنصري و.."نزعات التفوق العرقي ومركبات الغرور الحضاري والثقافي" مثلما فعل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في المؤتمر الدولي حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي" الذي ينعقد في تونس.
بعض هذا النقد، لكي لا نقول كثيره، كان يستهدف أوجها معروفة ومتداولة في الثقافة الغربية. وتلك الأوجه هي التي تجعل من العلاقة بين الحضارات نوعا من قطيعة ثقافية وسياسية واجتماعية بين عالمين.
الرئيس بن علي عرف كيف يرمي سهامه. وهو واحد من اكثر زعماء العالم تورطا وانشغالا بقضايا الحوار بين الحضارات، وبثقافة مد الجسور فيما بينها، ومواجهة نزعات العنف والتطرف التي تطفو على سطح المسالك السياسية (الرسمية أحيانا) السائدة في عالم اليوم.
فحتى منذ ما قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، بل ومنذ ما قبل "صراع الحضارات" لصموئيل هنتغتون و"نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكاياما كان الرئيس بن علي واعيا للحاجة الى بناء علاقات إنسانية تقوم على قاعدة الحوار والتلاقي الحضاري.
لم يكن ينقص المنعطف الذي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وارتفاع نزعة التفوق والتعالي الغربية، إلا شيء من قبيل أحداث 11 سبتمبر لتنقلب تلك النزعة الى سلوك عنيف وتدميري للانتقام من ذلك "الآخر" الهمجي... الذي هو نحن.
غزو العراق، على كل الباطل، كان نوعا من التأكيد على تلك النزعة. ولكنه كان أيضا نوعا من ميل شمولي ركب الثقافة الغربية لتفرض نفسها بالدبابات على الآخرين، تارة بحجج تقديم الديمقراطية، وأخرى بحجج حماية الأمن، بينما كان الكل يعرف، ويرى بأم عينيه، أن القصة هي قصة هيمنة ونهب بلغ حدودا من الابتذال تكاد لا توصف.
فبدلا من سرقة الملايين من أموال الشعوب المستعمرة، صارت اللصوصية، التي ترعاها قوى الاحتلال، بالمليارات، كما صارت أعمال الإبتزاز الأمنية الدولية (لبيع الأسلحة خاصة) بعشرات المليارات.
أزح عن الخطاب الغربي للديمقراطية وحقوق الانسان طابعه الأيديولوجي، فلن تجد خلف الستار إلا دبابة.
ومن خلف الدبابة يد تنهب، واخرى تدمر، وثالثة ترفع معدلات التصعيد ضد الإسلام بوصفه دين عنف، ورابعة تفتك بالأبرياء، وخامسة تعذب وتغتصب، وسادسة تقترح مشاريع تسلح، وسابعة تخلق توترات إقليمية. حتى لكأن الـ"أم سبعة وسبعين" الغربية لا تريد أن تترك شيئا لا تأكله. ولكن، ليس من دون أن تبيع "اخلاقيات" مزدوجة أيضا، لا تكتفي بتقديم الغرب كراعي كوني للديمقراطية وحقوق الإنسان، بل تجعل من الأمر ديانة نفاق، فوق "كُليانية"، يجب قبولها كرمز (وشفرة) لقبول ما تحتها.
الإملاءات التي جعلت الرجل الثاني في الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يشكو المفارقة بين الإنفاق على التسلح في الشرق الأوسط وبين الإنفاق على التعليم ليست قليلة الدلالات.
فالإنفاق على التسلح في منطقة 15% من سكانها عاطل عن العمل يبلغ 1.2 تريليون دولار سنويا.
ولئن كنا لا نحارب أحدا بتلك الأسلحة في الواقع، فأننا نحارب.. أنفسنا. كما نحارب المنطق الذي يدفع في اتجاه توفير هذه الأموال لبرامج الخدمات والرعاية والتربية والتعليم وإعادة التأهيل.
ولكن، بما ان ثقافة العنف، ودباباتها على الجهة الأخرى، هي التي تتحكم في مجريات عالم اليوم، فان المنطقة تنفق على التسلح، من دون أن تحارب، من أجل ألا تنفق على التعليم.
هذا الوضع يكاد يكون في صلب المعضلة المتعلقة بحوار الحضارات.
فالمسألة ليست مسألة ثقافية فحسب. المسألة مسألة علاقات عمل وجسور ومصالح مشتركة أيضا.
في الحدود الثقافية، فقد أسفرت الحوارات والمؤتمرات واللقاءات الدولية عن عشرات الكتب والأبحاث وما لا يحصى من التغطيات والتعليقات. إلا أن أثرها ظل محدودا.
فالقوى التي تضع الدبابة خلف الستارة، تشتري عنفا لتبيع عنفا، وتجد أنه ليس من مصلحتها أن يتغير الوضع. فهذا هو سوقها الرائج.
إنها تزرع حربا لتحصد كل ما تعنيه من توترات وعنف ثقافي و... مبيعات أسلحة، وإهمال لبرامج التنمية البشرية.
زعيم مثل بن علي هو واحد من قلائل الزعماء في العالم الذي يراهن على "سوق" آخر: التعاون بين الأمم والشعوب من أجل نهضة تنموية شاملة تقضي على الفقر وتناهض العنصرية والتهميش، وتتغلب على "نزعة التفوق".
وبالمناسبة، فان المستفيد من هذا التطلع لن يكون جزءا من العالم، بل العالم بأسره، بفقرائه وأغنيائه معا.
كان الأمر سهما أصاب هدفه عندما قال بن علي "نجدد رفضنا القطعي للنزعة العنصرية التي تروج لوجود أجناس راقية وأجناس متخلفة ولثقافات مبدعة وثقافات عقيمة ولدين سلمي ودين عنفي (...) إن أبشع الجرائم التي ارتكبت في حق (الإنسانية) سببها الأساسي نزعات التفوق العرقي ومركبات الغرور الحضاري والثقافي".
هل يحتاج الأمر الى تسميات أوضح بالإسم؟
وكان هناك سهم آخر: "اننا في حاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى الى تأسيس شراكة دولية للحوار والتعاون والسلم والتنمية تكرس التواصل بين جميع الامم في كل مكان بقطع النظر عن اللون او الجنس او الدين او اللغة".
وآخر، عندما ندد مندداً بمحاولات "وسم ثقافة أو حضارة أو دين بالتطرف والإرهاب استناداً الى جرائم يرتكبها متطرفون أو إرهابيون (...) فالأديان السماوية الثلاثة تشترك في قيم كونية يؤمن بها جميع البشر كالدعوة الى الحوار والاعتدال والتسامح والحث على الإخاء والتضامن وفعل الخير".
فالإسلام الذي حاول إعلام الغرب تشويهه وتقديمه على أنه دين عنف، ليس هو الإسلام الذي نعرفه.
وبرغم أن هناك إرهاب كاثوليكي وبروتستانتي في غير مكان في أوروبا الآن، فان المسيحية لم ينظر اليها في العالم الإسلامي على أنها دين إرهاب.
وحتى عندما غزت الدبابات، بشعارات صليبية صريحة، أراضي المسلمين، لم يجرؤ المسلمون، أغلبيتهم على الأقل، على وصم المسيحية بسوء. لماذا؟
لأنهم كانوا يعرفون أنهم لو فعلوا ذلك، لكانوا وصموا ديانتهم نفسها بسوء.
في الميدان، وحيث ان الغزو غزو، فقد كان من الطبيعي للإسلام أن يحارب، وأن يكون إطارا معنويا للدفاع عن النفس. ولكن الإسلام الذي يرغب ذوو نزعة التفوق أن يروه كدين عنف فقط (بمعزل عن عنفهم)، ظل يقول: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدةً ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات" (المائدة: 84) ويقول أيضاً: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا مَن رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود: 118 ـ 119).
وبصرف النظر عن أي أزمة فقد ظل الإسلام دين حوار وتعددية حضارية: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله" (البقرة: 285).
من هذه الروح التعددية يبدأ الآخر عندنا. ولئن غذى العنف العنصري وثقافة الاستعلاء والتفوق عنفا إسلاميا، فقد انتهى الأمر الى مأزق مشترك، هو أن كلا العنفين استنفذ أدواته واستنزف سوقه. وسيذهب الزبد جفاء ليبقى ما ينفع الناس.
الحاسم في الأمر هو ان ثقافة العنف الغربية انتهت الى أزمة مادية. وذلك مثلما انتهت ثقافة العنف الإسلامية الى عجز معنوي.
واليوم، فان الأزمة الاقتصادية العالمية تشكل منعطفا حقيقيا. وما لم تشمل مجريات هذا المنعطف علاقة الثقافة بالسياسة، لإعادة بناء العلاقات الدولية على أسس الحوار والتعاون المشترك، فان سوق الدبابة، سيظل هو الوحيد الرائج.
وهذا ما لا يريده أحد. وقد أثبت انه مدمر بما فيه الكفاية. ويمكن أن يكون مدمرا أكثر في المستقبل مع جفاف الموارد والإمكانيات على تغذية التسلح.
أرادت النزعة الإنتصارية الغربية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي ان تكسب التاريخ، فخسرته.
غزو العراق، تحول الى كارثة. فعدا عن انه كان مصدرا لنهب إمكانيات العدو والصديق، فقد انتهى الى تدمير أجزاء مهمة في بنية الاقتصاد الأميركي نفسه.
والليبرالية التي بدا أنها الفقرة الأخيرة في كتاب التاريخ، انقلبت لتستجدي إنقاذا من القطاع العام ومن أموال دافعي الضرائب.
فوكوياما ربما يكون اعتذر عن سوء تقديراته للحرب ضد العراق، ليعتذر بالتالي عن نهاية تاريخه، ولكنه صار بلا حنجرة تماما عندما بدأت البنوك الأميركية بالانهيار لتقع في أحضان اشتراكية غير منتظرة ترعاها الدولة.
التوقيت الذي اختاره الرئيس بن علي للمؤتمر كان سهما مضاعفا في أهميته.
فالعالم في أزمة... و"يعيش تحولات عميقة وتحديات جسيمة"، ولم تفعل الفروق التي تفصل بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية سوى أن زادتها عمقا.
في هذا الوقت بالذات، كان من الضروري ان تكون هناك هزة يقظة.
البداية يحسن أن تبدأ من القضاء على "مظاهر الفقر والأمية والمرض والبطالة والعزلة والتهميش، لأنها تمثل على المدى البعيد عائقا أمام استتباب الأمن والسلام في العالم".
وهذا "سوق" آخر. انه مشروع لعمل بنّاء على المستوى الدولي ينشأ بإقامة جسور تعاون، وبتبادل الاستثمارات، والانطلاق من أطر أخلاقية وإنسانية جديدة.
وبن علي، زعيم يعرف كيف وأين ومتى يوجه سهامه ليصيب من ثقافة التفوق العنصري مقتلا.