سنية بنت الحسين مدّوري: الشاعر الفذّ هو من يبدع ويجدد في القالب العموديّ

أن تكتب قصيدة عمودية بنفس حداثيّ تماما كمن يُنْبِتُ الأجنحة للأقفاص

من بوسالم التونسية صعدت الشاعرة والقاصة والروائيّة والمترجمة سنية بنت الحسين مدّوري متألقة ضمن قائمة العشرين لتنافس على لقب أمير الشعراء في الموسم السادس لبرنامج "أمير الشعراء" الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي، ويواصل أمسياته أسبوعيا على الهواء مباشرة على مسرح شاطئ الراحة.

وسنية حاصلة على الأستاذيّة في اللّغة الانجليزيّة وآدابها من كليّة الآداب بمنّوبة، تعمل حاليا على إعداد رسالة ماجستير في الشعر الإنجليزي، أسست سنة 2002 نادي "الطالبات الشاعرات" بمبيت الطالبات بمنوبة، وعضو مكلف بالإعلام والتواصل في هيئة مهرجان الربيع العربي للآداب والفنون ببوسالم ـ تونس، وعضو شرفي في مهرجان مراكش الدولي للشّعر بمراكش ـ المغرب، وشاركت في تظاهرات ثقافيّة مختلفة، داخل البلاد التّونسيّة وخارجها "بغداد، المغرب، الامارات، لبنان، الجزائر، مصر، اليونان، بريطانيا".

وتعمل الشاعرة على إعداد أنطولوجيا للشعر العربي عبر ترجمة مختارات من الشعر العربي الفصيح إلى اللغة الإنجليزيّة.

تحصّلت الشاعرة على العديد من الجوائز في مجال الشّعر، منها جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي بالعراق 2013 فرع أفضل قصيدة نسائية عربية، الدرع البرونزي في مسابقة القوصية الأدبي للشعر الفصيح بأسيوط ـ مصر عن 2014، من مؤلفاتها ديوان "فردوس الكلمات" ولها قيد الطّبع رواية "الرسّام"، وديوان "أراني".

• البدايات

من قرية صغيرة تغفو على ضفاف وادي "مجردة" من مدينة اسمها بوسالم من ولاية جندوبة التونسية، أتيت وأتى الشعر يوم ولدت. لم أكن في طفولتي كباقي الأطفال في قريتي. كنت مولعة حدّ الهوس بالقراءة والمطالعة. لم أتمّ الثانية عشرة من عمري إلا وقرأت ما يقارب الأربعين كتابا موزعة بين شعر ورواية ومجموعة قصصية. أذكر أن والدي أهداني أول ديوان شعري فكنت كمن أهدي إليه الكون. الشعر ولد معي وكبرنا معا: أنا مرئية وهو الكائن اللامرئيّ فيّ. كلما كتبته كتبني، وكلّما قلته قالني، هكذا نحن في علاقة تماه كليّ.

بدأت تجربتي تتطور بالمشاركة في الملتقيات الأدبيّة وتشجيع عائلتي المتواصل لي وإيمانهم بتجذر نبتة اسمها الشعر في كيان صغير. بدأت أتحصّل على جوائز جهوية ووطنية وأستمع إلى ثناء الشعراء الكبار على تجربتي كم أقبل النقد وأمارس أحيانا الجور على قصائدي فأمحو وأبتر منها ما أشاء حتى تكون في أبهى حللها.

الفرحة الكبرى كانت حين تحصلت على أول جائزة عربية في أرض الشعر والحضارة العراق: جائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي لسنة 2013 فرع أفضل قصيدة فصيحة. نشرت في إثرها ديواني الأول "فردوس الكلمات" الذي ظلّ ينتظر لسنوات رؤية النور. وفي السنة الفارطة 2014 تحصّلت على جائزة نادي القوصية الأدبي في أسيوط بمصر في الشعر الفصيح. لي ديوان ثان الآن تحت الطبع ورواية أيضا.

• شيطان الشعر

في كتاباتي لا أنطلق من مفهوم معين. فقط أكتب ما يمليه عليّ شيطان الشعر الجميل. حين أمسك القلم وأكتب لا أفكر في منطلقات بقدر ما أكتب ما يمليه عليّ إحساسي أو ما يتكثّف من مشاعر نعيشها يوميا.

أؤمن فقط أنّ لحظة الكتابة تلك ستخرجني من حالة أعيشها لأجد تلك الحالة ترتسم على الورق أحرفا تسمّى شعرا. أحيانا أكتب وأترك القصيدة لمدّة وأعود إليها فلا أعرفها لسبب بسيط هو أنني لا أعيش نفس الحالة في كلّ مرّة. ما يجعلني أجزم أنها لي هو خطّ يدي المبعثر والمليء بالتشطيب.

• أمير الشعراء

مسابقة "أمير الشعراء" مهمّة جدّا أسّست لالتقاء الأصوات الشعريّة العربيّة القادرة على التنافس، وراهنت على لغة الشعر في زمن صعب تصارع فيه لغتنا العربيّة من أجل البقاء. هي مسابقة تبحر بنا في عوالم الشعر بمختلف أصنافه وتعرّفنا إلى تجارب جديدة لشعراء جدد. بالنسبة لي أمير الشعراء كان حلما وصار واقعا وبعد فترة وجيزة سيصير ذكرى والمهم أنني به ومهما كانت النتيجه حققت فتحا جديدا في سماء الحرف. تعرفت إلى أصدقاء رائعين وشعراء متميّزين. ووقفت على شاطئ الراحة أمام أبرز النقاد ويكفيني شرفا أن يتناولوا قصيدتي بالنقد ويمنحون بعضا من جنوني وقتهم الثمين. وجودي الآن ضمن قائمة العشرين شاعرا لخوض بقية المشوار شرف عظيم لي.

• القصيدة الكلاسيكية

القصيدة العموديّة تُنعتُ بالكلاسيكيّة في حين أنّها تتجدّد باستمرار. الكلاسيكيّة نمط ينهجه بعض الشعراء غير القادرين على الإنزياحات الجميلة في حين أن الشاعر الفذّ هو من يبدع ويجدد في قالب يسمى العموديّ. أن تكتب قصيدة عمودية بنفس حداثيّ تماما كمن يُنْبِتُ الأجنحة للأقفاص.

• المشهد الشعري التونسي

المشهد الشعري في تونس متميز جدا ومتنوع. تونس تزخر بالمبدعين والقصيد حاضر في كلّ الملتقيات بأنواعه: العمودي والتفعيلة والنثر وكلّ نوع له مدارسه وأسماؤه التي جددت وطورت فيه. الساحة الأدبية في تونس نشيطة جدا خاصة في ظلّ جرعة الحرية التي ظمئنا لها وأهدتنا إياها الثورة.

لنا ملتقيات عريقة عربية ومغاربية ووطنية تجمع في كلّ مرّة أبرز وجوه الشعر في الوطن العربي وتكتشف بالمقابل وجوها شابة تسلك طريقها نحو الشهرة.

• مرتزقة الشعر

ربما الأزمة تتجلى في فقاقيع الصابون التي تطفو على الساحة الأدبية باسم الشعر حتى أنك تتعثر في كلّ زقاق بأشباه الشعراء والمرتزقة من الشعر. الأزمة الكبرى هي ما نقرؤه يوميا على أعمدة بعض الصحف والفيس بوك من حروف مراهقة لا ترقى إلى مرتبة الشعر تنمّ عن نقص في المعرفة بل افتقار إلى أبسط مقومات الكتابة.

إنّ هذا لعمري من أخطر ما يتهدّد الشعر في عصرنا. والأزمة الأكبر والأفدح هي حين ينصّب القرّاء أنفسهم نقّادا لهذه الترهات ويمتدحونها بشتى أنواع الإطراء. أزمة الشعر هي أن ينشر صاحب دار نشر كتابا دون أن ينتبه إلى أخطاء فادحة في اللغة والعروض وهمّه الوحيد هو الرّبح. أزمة الشّعر أنّه وُضع في كفّة الميزان وفي الكفّة الأخرى وضعت المادّة. أزمته أنّه دُنّس وهو الطائر في ملكوت الطّهر.

• الحركة النقدية

النقد والشّعر مرتبطان ارتباطا وثيقا، لكن يجب على الشاعر أن يكتب نصّه دون التفكير في الناقد والعكس صحيح. الناقد هو الحكم على العمل الشعري يتأوّله ويقرؤه كيفما يرى. المشكلة تبقى في المتطفّلين على النقد تماما كالمتطفّلين على الشعر.